القاعدة الثالثة والأربعون: الصاحبُ بالجنبِ أهل لإحسانك
11 صفر 1441
أ. د . ناصر بن سليمان العمر

قال الله تعالى: {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} [النساء:36].
هذا جزءٌ منْ آيةٍ في سورةِ النساءِ، يقولُ اللهُ تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} [النساء:36] وعلاقتُها بموضوعِنا هوَ تفسيرٌ وردَ عنْ عليٍّ وابنِ مسعودٍ رضي الله عنهما وعنْ عِدّةٍ منْ التابعينَ، أنَّ الصَّاحِبَ بِالْجَنْبِ هنَا هوَ الزوجةُ، ولا شكَّ أنَّه تفسيرٌ ظاهرٌ؛ لأنَّه قالَ قبلَ ذلكَ {وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} فمَا دَامَ عدّ الجارَ القريبَ وعدَّ اليتيمَ والمسكينَ والجارَ الجُنبَ، فمِنَ المعقولِ أنْ يَعُدَّ الصاحبَ بالْجَنبِ أي الْمُجاوِر، وهلْ هناكَ أقربُ منْ الزوجةِ؟

 

وهذهِ الآيةُ فيها عِدَّةُ دلالاتٍ، أُولاها أنَّ فيها أمرًا بالإحسانِ {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى} أي أَحْسِنوا إليهمْ، بلْ قرنت الآيةُ الإحسانَ لهؤلاءِ جميعًا -ابتداءً منَ الوالدَينِ وانتهاءً بالصاحبِ بالجنبِ- بعبادة الله عز وجل {وَاعْبُدُوا اللَّهَ} وقرنته أيضًا بعدمِ الشركِ {وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} مما يدلُّ علَى المكانةِ العظيمةِ للإحسانِ إلى هؤلاءِ.
 

ثمَّ إنَّ في قوله: {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} إشارةً وإيماءً؛ أمَّا الإشارةُ فهي أنَّ الأصلَ في الزوجةِ أو الزوجِ أنْ يكونَ أحدهما بجانبِ الآخَرِ، وهلْ هناكَ أقربُ منْ الزوجةِ للزوجِ؟ وهلْ هناكَ أقربُ مِنَ الزوجِ للزوجةِ؟ فليسَ هناكَ إنسانٌ يكونُ قريبًا منْ أحدٍ وبخاصةٍ في حالةِ نومِه وغَفْلَتِه ورفعِ القلمِ عنْهُ في النَّومِ مِنَ الزوجةِ فَهِيَ أولى الناس باسم الصاحب بالجنْبِ، وَكَذلكَ الزوجُ فَهُوَ صاحبٌ بالجنْبِ.
 

وأمَّا الإيماءُ، فهو التنبيه على أن بعض الناس خالف الذي ينبغي أن يكون في الصاحب بالجنب! فبعضهم ينحي زوجه! ويبعدها ويقصيها! لماذا يبتعدُ البعضُ عنْ زوجِهِ، ولَماذا تبتعدُ المرأةُ عنْ زوجِها، ولِمَاذَا الهَجْرُ بدونِ سببٍ شرعيٍّ معتبرٍ؟ ولماذا تجدُ الإنسانَ كثيرًا ما يخرجُ منْ بيتِه بدونِ سببٍ فيُصَاحِبُ أصدقاءَهُ، ويجلسُ معَهمْ أكثرَ ممَّا يجلسُ معَ أهلِه؟
 

إنَّ منْ أسبابِ استقرارِ الحياةِ الإحسانَ إلَى الصَّاحبِ بالجنبِ، ومنَ الإحسانِ المكوثُ معَه ما لم يخل ذلك بأمر شرعي، أوْ يُؤَدِّي إلَى تقصيرٍ فِي حقٍّ شرعيٍّ أوِ اجتماعيٍّ للأهلِ والأقاربِ وغيرِهم، واللهُ أعلمُ.

 

* للاطلاع على القاعدة الثانية والأربعين..

المنُّ مُفسِدٌ للبيوتِ

10 + 6 =