روح الحج وريحانه: عرفة العبق والتاريخ
6 ذو الحجه 1439
أمير سعيد

مع انبلاج فجر البشرية كان اللقاء بين أبينا وأمنا، آدم وحواء، في صعيد عرفات، حيث سمي المكان بذلك لتعارفهما فيه، مثلما قال بذلك جمع من المفسرين وعلى رأسهم ابن عباس رضي الله عنهما.. إنه اللقيا الأولى للمؤمنين على الأرض، ومحل التقاء المؤمنين من بعد حجاجاً عابدين، هو اتصال هذه الأمة بأولها، برموزها في ذات المكان الذي شهد أوبتهم وتنسكهم.

 

أو غير، فيها أقوال أخرى ذكرها الرازي وغيره: فاشتقاق عرفة من المعرفة، أكانت معرفة آدم وحواء كما تقدم، أو تعريف جبريل عليه السلام، آدم عليه السلام مناسك الحج، أو لتعرف إبراهيم عليه السلام على عرفات حين رآها بما تقدم لديه من النعت والصفة (كما قال علي وابن عباس وعطاء والسدي)، أو لتقرير جبريل عليه السلام إبراهيم عليه السلام لما عرفه المناسك، بقوله: "أعرفت؟" فقال الخليل: "نعم"، أو لالتقاء الخليل مع زوجته هاجر بعد أن أسكنها في مكة، بعرفات بعد سنين من الافتراق، أو لتعرف الحجاج في هذا المكان، أو لأن الله عز وجل يتعرف إلى وفده بالمغفرة والرحمة.

 

أو كما زاد الرازي: أنها مشتقة من الاعتراف "لأن الحجاج إذا وقفوا في عرفة اعترفوا للحق بالربوبية والجلال والصمدية والاستغناء ولأنفسهم بالفقر والذلة والمسكنة والحاجة ويقال: إن آدم وحواء عليهما السلام لما وقفا بعرفات قالا: ربنا ظلمنا أنفسنا، فقال الله سبحانه وتعالى الآن عرفتما أنفسكما" أو "أنه من العَرْف وهو الرائحة الطيبة قال تعالى: يدخلهم الجنة عرفها لهم [محمد: 6] أي طيبها لهم، ومعنى ذلك أن المذنبين لما تابوا في عرفات فقد تخلصوا عن نجاسات الذنوب، ويكتسبون به عند الله تعالى رائحةً طيبةً".

 

إنه الشاهد على اتصال ماضي هذه الأمة منذ آدم عليه السلام بحاضرها، مذ فجر التاريخ، وحتى ذلك اليوم المشهود الذي يتقاطر فيها أبناء تلك الأمة من كل فج عميق، مرددين ذات الشهادة، ونفس الاعتراف بالتوحيد، وعين الإرادة بالتوبة والرجوع إلى الله، ومنذ ذلك اليوم الذي شهد ذلك الميثاق الذي اختار الله له يوم عرفة أو مكانه، ليأخذه على البشر كل البشر، كما صح عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفاً – وقيل مرفوعاً أيضاً - « إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم عليه السلام بنعمان يوم عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرية ذراها، فنثرها بين يديه ثم كلمهم قبلًا، قال: { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا.. } إلى قوله { الْمُبْطِلُونَ } [الأعراف: 172-173]  ». (قال ابن كثير في البداية والنهاية: إسناده جيد قوي على شرط مسلم).

 

وإنه يوم إكمال الدين، ويوم يأس الذين كفروا من ديننا إن نرتد عنه ويضمحل، وكيف لا، وقد كمل الدين وتمت النعمة، نعمة الإيمان والدين، ويوم الرضوان، إذ رضي الله سبحانه وتعالى لنا الإسلام ديناً، ديناً متصلاً منذ آدم عليه السلام إلى قيامة الساعة، مكتملاً بآخر الشرائع يوم عرفة وفي موقفها. وهو يوم يأس الشيطان، من إبراهيم عليه السلام إذ اعترض طريقه، واندحاره، وصغاره وذله إذ يجد أتباع الملة الحنيفية، ملة الأب الكريم خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، قد غفر لهم ووفدوا على ربهم ضارعين تائبين أوابين مغفوراً لهم.  

 

إنها المكارم جميعها تتجلى في هذا اليوم، إعلان توحيد، وتجرد لله وتساوٍ بين الخلائق بالإحرام والانخلاع من الدنيا وعوالقها، واتصال بين هذه الأمة أولها بآخرها، آدم وإبراهيم ومحمد عليهم السلام، وسائر الحجاج الوافدين من بعد، ومهبط الملائكة، ومندحر الشيطان وميئس أهل الكفران، ولهذا فلم يك غريباً أن يكون هو يوم الحج الأكبر، وركنه الأول، وأن يكون هو أفضل أيام العام، ودرة عشر ذي الحجة، يقول السعدي في تفسيره: "وفي أيّام عشر ذي الحجّة، الوقوف بعرفة، الذي يغفر الله فيه لعباده مغفرة يحزن لها الشيطان، فما رئي الشيطان أحقر ولا أدحر منه في يوم عرفة، لما يرى من تنزّل الأملاك والرّحمة من الله لعباده". وقد روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من يوم أكثرَ من أن يُعْتِقَ الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة».

 

وإنه الشاهد على أعظم خطبة عالمية في التاريخ، خطبة الوداع لرسول الله صلى الله عليه وسلم التي قد كانت لتكون كافية كدستور وإعلان عالمي لحكم البشرية وتنظيم العلاقة بينها، وإيذاناً بتأريخ جديد، مبنى ومعنى، إذ استدار الزمان متخلصاً من تلاعبات أهل الشرك بالتاريخ الهجري، ومتخلصاً كذلك من أباطيلها وأركاسها.  هو يوم التوحيد، توحيد الرب، وتوحيد الأمة على قلب رجل واحدٍ، أو هكذا يتعين أن يكون، وتلك روح اليوم وريحانته، توحيد الإرادة لتوبة نصوح تزيل الخبث وتكسح الآثام، يوم غفران الذنوب وحسن الظن بالغفور الرحيم. قال ابن المبارك جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاث على ركبتيه وعيناه تذرفان فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حالاً؟ قال: الذي يظن أن الله لا يغفر له.

 

1 + 0 =