روح الحج وريحانته: قبّل هذا الحجر وارجم ذاك
4 ذو الحجه 1439
أمير سعيد

هو برهان الطاعة المطلقة، وسائر المناسك عنوان لهذه الاستجابة التي لا تعرف الجدل أو تتوقف عند العلل والمبررات.

 

أُمرنا بتقبيل هذا الحجر، نفعل.
أُمرنا برجم ذاك، نفعل.
لا جدال ولا نقاش.

 

أنه نتجرد من الزينة ووضع الزخارف، وأن نتوحد في ملابسنا، ونتزهد فيها، فنفعل.

 

أمرنا أن نرمل هنا ونهرول هناك، نتحرك، ونسكن، نطوف ونسعى، نضطبع أو لا، فنفعل.

 

نمسك عن الصيد، ونذبح الهدي؛ فللأولى عقوبة وحكم، والثانية هي عين الثواب والصواب.

 

نذر شعرنا شعيرة، ونحلقه شعيرة.
نفرد ونجمع، نتم ونقصر.

 

إنه الاستسلام التام لله، الخضوع والتذلل والانقياد.. هو أسمى معاني النسك والتعبد.

 

سباحة في فلك عبادة دون قيد أو شرط، دون تبرير أو علة، دون تفسير أو رأي.

 

نعم، صحيح أن لكل نسك قصة، ولكل عبادة حكمة، ولكل شاردة وواردة مراد، غير أن مغزى الحج هو في ذاك الاستسلام والخضوع والتذلل.. هو غاية العبادة ذاك أن يترك المسلم قياده لخالقه فيتعبد مخلصاً له سبحانه، معرضاً عمن سواه، حتى عن نفسه التي بين جنبيه، قال الماوردي: "قيل لبعض الصلحاء ما المعنى في شعث المحرم؟ قال: ليشهد الله تعالى منك الإعراض عن العناية بنفسك فيعلم صدقك في بذلها لطاعته"، موافقاً لشرائعه، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) ﴾ [سورة الأنعام] .

 

إن في هذا المعنى دربة للمسلمين تجلي لهم مغزى العبادة، حيث إن حركاتها وسكناتها، كلامها وصمتها، تزهدها وإنفاقها، إقبالها وإدبارها، إنما هي ألوان لصورة واحدة يقف فيها المؤمن طيعاً خاشع البصر لمولاه عز وجل، مذعناً في كل مأمور، متجنباً لكل محظور.. إنه "معسكر مغلق" إن جاز التعبير، يتحكم فيه المسلم في حله وترحاله، يقظته ونومه، هدوئه وانفعالاته، فلا رفث ولا فسوق، ينظم فيها وقته وفقاً لجدول تعبدي دقيق، ينخلع فيه من الدنيا كلها، تجاذباتها، رغباتها وغرائزها، يبذل فيه المال والجهد عن طيب خاطر ورضا إذعاناً للخالق العظيم.

 

روح الحج تتجلى في هذا الاستسلام والطاعة المطلقة بلا تساؤل أو مجادلة. إن العظمة ليست لهذا الحجر حتى يتزاحم الناس لتقبيله بل لمن أمرنا بتقبيله، ولا خصومة أو عداء مع هذا الشاخص الذي نرجمه لكنه النسك، ومحض الاقتداء بأبي الأنبياء عليه السلام، وترميزاً لهذا المقت الذي يكنه العابدون للمستكبر عن عبادة الله، إبليس لعنه الله.

 

ها هنا رمل النبي صلى الله عليه وسلم، ومقتضى المحبة والطاعة أن نفعل كما فعل وأن نأخذ عنه مناسكنا كما أمر، وها هنا سعت وهرولت، وعند محل هرولتها يهرول الرجال مثلما فعلت، إنها الأمة الموصولة، العابرة في مناسكها عبر الزمان البعيد، يؤذن للجموع إبراهيم عليه السلام فتسمع الجموع وتتسامع طوال القرون، لا تحجب أذانه أسوار الجغرافيا والتاريخ. أمر الله الخليل بالأذان فأذن، وأمرنا بالاستجابة فلبينا؛ فلبيك اللهم لبيك وسعديك والخير كله في يديك والطاعة إليك سبحانك ربنا وتعاليت.

 

11 + 1 =