في نور آية كريمة.. "إنه ليحزنك الذي يقولون"
22 رمضان 1439
أمير سعيد

"قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ" [الأنعام: 33]

 

إنه النبي صلى الله عليه وسلم ببشريته، يحزنه الافتراء عليه وهو الصادق الأمين، صاحب الخلق العظيم، وهذا الخلق يتفجر فيه معنى الشفقة والرحمة؛ فالحزن نابع من حرصٍ جعل النبي صلى الله عليه وسلم باخع نفسه ألا يؤمن به قومه وقد خبروا صدقه، وعلموا إخلاصه لهم.. هي شخصية الداعية المحب الذي يتألم من داخله من تكذيب الناس له، وتتوق نفسه إلى إيمان قومه وصلاحهم ونجاتهم.

 

و"قد" هنا للتوكيد، كمثل قوله تعالى: "لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم"، هذا ما اختاره محمد بن يوسف الأندلسي في تفسيره، مفنداً قول الزمخشري والتبريزي أنها للزيادة والتكثير. وقال صاحب الدر المكنون إنها "للتحقيق"، فهي إذن للتحقيق والتوكيد لعلم الله سبحانه وتعالى على صحيح الأقوال.

 

 

ولقد جاءت "نعلم" في الزمن المضارع لتبيان استمرار العلم، ومن نافلة القول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أن ربه يعلم بحزنه، لكن هذا الإخبار إنما جاء لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتعزيته عما يحزنه؛ فالعلم علم إحاطة، والله يدبر الأمر، وهو الحكيم العليم، فكان الإخبار بأن ما قالوه ليس خافياً على جبار السماوات والأرض، ولهذا يقول بعض المفسرين: إن ذلك إنما كان تعزية للرسول صلى الله عليه وسلم وتسلية. أي قد نعلم ما قالوا فيك وهم إنما قالوا ذلك بسببنا ولأجلنا. ولقد كنت عظيم الجاه فيهم قبل أن أوقعنا عليك هذا الأمر وكانوا يسمونك محمدا الأمين، فإن أصابك ما يصيبك فلأجل حديثنا، وغير ضائع لك هذا عندنا.

 

وكان الحزن من النبي صلى الله عليه وسلم لقولهم وما يترتب عليه من كفر وجحود، في أقوال عدة لمعناه (الحزن) ذكرها الرازي في التفسير الكبير: "واختلفوا في أن ذلك المحزن ما هو؟ فقيل: كانوا يقولون إنه ساحر وشاعر وكاهن ومجنون وهو قول الحسن، وقيل: إنهم كانوا يصرحون بأنهم لا يؤمنون به ولا يقبلون دينه وشريعته، وقيل: كانوا ينسبونه إلى الكذب والافتعال".

 

وإنما كان الحزن لأن النبي صلى الله عليه وسلم مهتم بإيمان قومه وصلاحهم، كما قال الله عز وجل: "لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ" [التوبة: 128]. يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله: "قد أحطنا علما بتكذيب قومك لك، وحزنك وتأسفك عليهم "فلا تذهب نفسك عليهم حسرات"، كما قال تعالى في الآية الأخرى: "لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين" "فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا".

 

والتكذيب إنما كان تكذيباً للنبي صلى الله عليه وسلم، أو أنهم ادعوا أنه ناقل للكذب، بحسب قولي العلماء، ولعل ما ذهب إليه الشيخ رشيد رضا في هذا يكشف جانباً مهماً في قضية التكذيب تلك، حيث قال: "إن نفي التكذيب إنما يصدق على بعضهم كالجاحدين المعاندين دون جمهور الضالين الجاهلين، وإنما كان الجحود من الرؤساء المستكبرين ظلما وعنادا على علم ومن المقلدين جهلا واحتقارا منهم لأنفسهم بترك النظر وغلوا في ثقتهم بكبرائهم وآبائهم (...) فبعض المشركين كان يكذب النبي صلى الله عليه وسلم  تكذيب الافتراء عن اعتقاد أو غير اعتقاد (...) ولم تكن كل العرب تعرف من سيرته وصدقه ما كان يعرفه معاشروه من قريش".

 

وأما الجحود؛ فإنكار الشيء، قال ابن عطية: "الجحود إنكار الشيء بعد معرفته ، وهو ضد الإقرار. فإن كانت نزلت في الكافرين مطلقا، فيكون في الجحود تجوز، إذ كلهم ليس كفره بعد معرفة، ولكنهم لما أنكروا نبوته، وراموا تكذيبه بالدعوى الباطلة، عبر عن إنكارهم بأقبح وجوه الإنكار، وهو الجحد تغليظا عليهم وتقبيحا لفعلهم، إذ معجزاته وآياته نيرة، يلزم كل مفطور أن يقر بها ويعلمها. وإن كانت نزلت في المعاندين، ترتب الجحود حقيقة."

 

وعند التأمل، يلحظ أن هذا المعنى تركز عليه سورة الأنعام، معنى الجحود ونكران ما في القلب؛ فالجحود كما يقول أهل اللغة هو نفي ما في القلب، ففي السورة ذاتها: "الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم"، وفي قوله تعالى: "بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه.."، فالجحود والإعراض والتكذيب هي ديدن كثيرين ممن يدركون حقيقة صدق هذه النبوة، وكمال هذه الرسالة، ثم تحول نفوسهم الخبيثة دون إيمانهم بها والخضوع لله سبحانه وتعالى. هذا المعنى ومثله الذي أرشد إليه الله عز وجل في سورة تجادل في كثير من آياتها شبهات الكفار بتنوعاتهم، تخط للمؤمنين طريقاً بيناً لا اعوجاج فيه: "وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين".

 

 
هذه المعركة التي يظنها بعض الصالحين مع الباطل محصورة في عالم الأفكار وحدها، هي في حقيقتها ليست كذلك.. يبين الله في غير آية هذه المعنى، وتؤكده آيات تلو آيات: إن الجحود والإعراض والاستنكاف ليس وليد القناعات الفكرية وحدها، إن النفس ما لم تكن راغبة في الحق، يقودها قلب تواق للحق لا ينسكب الإيمان فيها وفيه. إن كثيراً من الصالحين والمصلحين يتعجبون من نكران بعض المثقفين للحق رغم وضوحه، ذاهلين عن حقيقة هذه المضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله، مثلما قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم؛ فما بقيت هذه المضغة فاسدة فلا جدوى من كثير من النقاشات والجدل في تفاصيل لم تنشرح لقبول أصولها تلك القلوب الفاسدة. إن اشتباكات كثيرة في عالم الفكر تحصل بين أهل الخير والشر، ولا يدرك معها الأولون أن الآخرين لا يكذبونهم، لكن شواغلهم الدنيوية وحرصهم عليها وعلى حطامها يحول دون إظهار استسلامهم للحق ومعانيه والمضي في طريقه؛ فلا يفرغون من شبهة إلا استولدوا غيرها وطرحوها على أهل الحق لاستهلاك جهودهم، وحرفهم عن طريق دعوتهم وإصلاحهم.

 

3 + 3 =
د. خالد رُوشه
د. خالد رُوشه
أ. د . ناصر بن سليمان العمر
د. خالد رُوشه