"إعلام القدس".. وقود الغضب أم دخانه؟
24 ربيع الأول 1439
أمير سعيد

ثمة جدلية يمكن إدارة الحديث عنها طويلاً تتعلق بكون الإعلام هو المحرك للمتلقي أم هو نبضه الظاهر، أم هو هذا وذاك في آن؟

 

 

وفي قلب هذا الجدل تطفو استنتاجات يمكن أن ترقى إلى مستوى المسلّمات والقواعد؛ فمن حيث الأصل لا ينكر دور الإعلام في تحريك المياه الراكدة وتثوير الساكن، ولا دوره في تسكين الثائر وإيقاف الهادر؛ فهو في أحيان كثيرة يقوم بهذا الدور وذاك.

 

 

وبإطلالة على كثير من قنوات التلفزة التي تعاطت مع قضية الأقصى، أعني في محيطنا العربي والإسلامي، نلحظ أن منها من تخندق في هذا الطرف أو نحا باتجاه المعاكس، فجملة من الفضائيات التزمت السكون حتى إذا ما أحرجتها حركة الشارع الإسلامي في بعض نقاط غضبه المحدودة في العالم الإسلامي، عمدت إلى رفع مستوى تغطيتها الخجولة للقضية المحورية التي فجرها توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على وثيقة الاعتراف بالقدس كعاصمة للكيان الصهيوني الغاصب (إسرائيل)، وهي قد كانت – على ما يبدو – عازمة على التماهي مع هذا الموقف الأمريكي عبر تأخير أخبار الأقصى والمدينة المقدسة وتغطيات تداعياتها السياسية والشعبية إلى آخر صفحات أجندة اهتماماتها. هذه اضطرت لتحريك مؤشر الاهتمام قليلاً للأعلى على مضض لعل الأيام تخفضه مع تكهناتها الاعتيادية المستندة إلى تجارب عديدة سابقة في الأمة الإسلامية بتراجع الاهتمام الشعبي بها.

 

 

في المقابل، ثمة قنوات اهتمت، بل عمدت إلى تكبير صورة الاحتجاجات ورفع مستوى اهتمامها بدرجة تعلو الاهتمام الجماهيري نفسه، لأسباب متنوعة، منها مساندة المواقف الرسمية التي تمثلها أو لغرض – ربما مخلص – يتعلق بمساندة القضية العادلة ذاتها، أو لكسب جولة في مساجلة سياسية إقليمية أو لتحقيق مكسب إعلامي في منافسة طبيعية.

 

 

مهما يكن؛ فإن الأولين لا يمكنهم تجاهل الغضب إن استشرى، والآخرين لا يمكنهم تأجيجه إن خمد، لكن كلاهما يساهم في التأثير على "الشارع" خفضاً ورفعاً، وكلاهما تحفزه وسائل التواصل التي تعبر بشكل ما عن نبض الجماهير في رسم سياستها الإعلامية تجاه القضية. وفي نموذجنا "القدس"، ما من شك أن تلك الوسائل بنقلها السريع لحساسية الشعوب، وتباريها في كشف أهداف هذا الاعتراف المشين والتذكير بالقضية الفلسطينية برمتها واجترار الماضي بكل وثائقه وأحداثه وكواشفه، قد حشرت كثيراً من وسائل الإعلام المرئية في زاوية الدفع بزيادة وتيرة اهتمامها، وقد كان هذا بدرجات متفاوتة ملموسة.

 

 

دور الإعلام في مثل هذه القضايا، من المفترض أن يكون وقوداً لرفع همة الأمة وتذكير شعوبها بالقضية، وكشف خيوط المؤامرة المنسوجة ببراعة حول هذه الأرض المباركة في هذا التوقيت التي تمر فيه أمتنا بأشد لحظاتها ظلماً وإظلاماً، وإذ فعل القليل جزءًا مما يتوجب عليه فعله؛ فإن السواد الأعظم من إعلام العرب قد برهن على خسة ووضاعة وتصهيناً لافتاً، وهو إذ فعل؛ فإنه بدلاً من أن يكشف أبعاد المؤامرة العالمية على القدس الشريف، كشف تآمره هو مع أعداء أمتنا، وأماط لثام الشرف والحياء؛ فإذا وجهه صهيونياً لا تخطئه عين مؤمن.  

 

7 + 3 =