من ربى العقارب لدغته.. نهاية صالح
16 ربيع الأول 1439
أمير سعيد

لم تبدأ رحلة علي عبدالله صالح مع الموت منذ أسابيع أو شهور حينما بدأ تحالفه مع الحوثيين يتزعزع، لا، ولم تبدأ منذ سني "الثورة اليمنية" حين شرع يراوغ كل الأطراف معاً رافضاً التنحي أو التواري عن المشهد اليمني الذي خرب صورته، إنما بدأت الرحلة منذ سنين طويلة، حين وجد في التنكر لقيم اليمن الأصيلة، ملاذاً متوهماً للبقاء على رأس السلطة في اليمن.
 

اليوم ينقسم الناس حول صالح، هل مات دفاعاً عن عروبته كما يقول البعض، أم حصد زراعة تحالف بغيض مع أذناب إيران في اليمن، الحوثيين؟! أم كلاهما معاً؟! لكل وجهة هو موليها، لكن ليُعلم تماماً أن حساب التاريخ لا يطابق حساب الآخرة بالضرورة؛ فمهما كانت نهاية صالح، أكانت صالحة – كما يراها البعض – لاعتبار أنه قد أفاق من غيبوبة التحالف المشين مع أعداء اليمن، وحاول في أيامه، بل ساعاته الأخيرة أن يغير دفة الصراع وينتصر لـ"عروبة اليمن" كما يقال، أم أنه كان يمارس سياسته الاعتيادية في خلط الأوراق وتبديل التحالفات والاقتيات السياسي من إقامة التوازنات، بما أبقاه طوال هذه السنين في السلطة أو قريب منها وأن سحره قد انقلب عليه وتجرع في النهاية سم الخيانة مترعاً؟! مهما كان، فالرجل لا يمكن تجيير ما فعله مع الحوثيين في سياق المناورات السياسية المقبولة، إذ لم تكن المسألة تتعلق بعابد سلطة أو عاشقها تاقت نفسه إلى العودة إليها بعد خلع، أخذ شكلاً ثورياً جماهيرياً أو مفاهمة إقليمية ودولية في جوهره الحقيقي.
 

انتهازية صالح التي أخذت بتلابيبه نحو التحالف المبكر مع الحوثيين، والعمل على تسليحهم، ومكايدة بعض القوى الداخلية اليمنية، ودغدغة مشاعر اليمنيين دوماً بافتعال مشكلة مزمنة، وصناعة نمر من ورق، في مبدئه، كان غرضه نسج علاقة وثيقة مع الإيرانيين من جهة، والتنغيص على الجيران العرب، والتغطية على مشكلات اليمن الداخلية والسياسة المحلية الفاشلة التي أدخلت اليمن السعيد في طور الكآبة، ووضعته على أعتاب التصنيف كدولة فاشلة حتى قبل أن يفكر غاضب في التظاهر ضده في السنوات الأخيرة بكثير.

 

صنع صالح عدواً ذاتياً، وقد كنا – كناصحين – نكتب جميعاً تحذيراً من سياسة تسليح الحوثيين في صعدة، ونطرق نواقيس الخطر خشية أن يتمكن الحوثيون من الاستيلاء على ميناء ميدي الذي سيمكنهم من التغول في وجه الجميع والاستيلاء على اليمن كله فضلاً عن مناطق الحوثيين التقليدية، قبل عشر سنوات، كان كثيرون يدركون أن مصير الاستعانة بالميليشيات وجلب الطائفيين وتكبير الأعداء سيفضي إلى مصير بائس لليمن ولأولئك الذين يعشقون تربية الأفاعي والعقارب. وقد كان صالح حينها مزهواً بقوته، يوعز إلى كتائب في جيشه أن تترك سلاحها للحوثيين في حروبه الستة معهم. كان يظن حينها أنه بهذا يقلم أظافر حلفائه الداخليين ومنافسيه الحزبيين، وكان يعتقد أنه يبرر الفقر والجوع والمرض بأنه "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، كان يتوهم أنه إذ يضعف القبائل وقطاعات جيشه المختلفة أنه سيظل في مأمن مادام أنه يقوي سلاحه الأكثر ولاءً وطاعة، الحرس الجمهوري، بعد أن جعله "عزبة أسرية" وملكية خاصة.
 

لم تسر الأمور مثلما ظن صالح؛ فقد تخيل أنه يضعف الجميع حوله، لكن غاب عنه أنه كان يشحذ السكين ويسن نصله ليذبح نفسه، كان صالح في الواقع يضعف نفسه لا سواه، ويضعف معها كل مخلص له يمكن أن يسانده في المستقبل؛ ومرت به الأحداث وجاءته عبرة القذافي فلم تترائ له إلا صورته العسكرية الباطشة القوية، والسياسية المراوغة التي لا يقدر عليها من البشر أحد.
 

غابت عنه عبر التاريخ، فلم يرَ هذه الامبراطورية القديمة تواقة لوضع يديها على ما ظنته أملاكها منذ ما قبل انبعاث الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يدرك، وهو الحصيف، عبقرية الجغرافيا اليمنية وطمع العالم كله بها منذ فجر الدول والممالك. لم يدرك صالح، وهو السياسي البارع أن العالم يتغير بسرعة هائلة، وأن أدوات الأمس ستعجز عن ملاحقة مستجدات اليوم.. ولا أخاله يوماً قرأ عن تاريخ الحشاشين وقلعة الموت، فتحالف مع أرباب الخيانة وأساتذة الاغتيالات في العالم، فكانت صورته الأخيرة محمولاً في رداء كبير يمسك الحوثيون بأطراف.. وانقضت به تجربة مريرة لعل اليمنيون يقرؤون مغبتها فيقضوا على الظلم ويقيموا دولة العدل في يمنهم السعيد؛ فرغم دهاء قتلة صالح إلا أنهم ربما – دون إدراك معهم – قد صنعوا منه في نظر أنصاره "شهيداً" يستحق المضي في طريق حربه الأخيرة مع الحوثيين، لربما حقاً يمكننا أن نشهد الخريطة قد تبدلت بسرعة لاسيما مع الحنق المتزايد لقبائل اليمن على الطائفيين والقتلة، ولربما شجع مقتله من قطع الأطراف الدولية والإقليمية كل أمل في تفجير تحالف صالح/الحوثيين من داخله، وأخذت استراتيجية تحجيم الحوثيين دافعية أكبر.
 

8 + 9 =