التعامل المادي بين الإخوة
8 ربيع الأول 1439
د. عامر الهوشان

لا شيء أهم لسير العلاقة بين الإخوة - في النسب والدم أو العقيدة والدين – بشكل إيجابي وسليم من التمسك بتعاليم دين الله تعالى كاملة غير مجتزأة ومن الفهم الصحيح لتلك التعاليم كما هي على الحقيقة في كتاب الله وسنة رسوله الخاتم صلى الله عليه وسلم .

 

 

في المقابل لا شيء أخطر على العلاقة بين الأخ وأخيه من تجزئة تعاليم الإسلام والأخذ ببعضها دون الآخر , ومن الفهم الخاطئ لبعض تلك التعاليم ومن ثمَّ الإصرار على عدم قبول الحق الناصع بشأنها لمجرد ما يترتب على ذلك من فقدان مصلحة مادية أو ذهاب منفعة دنيوية كانت مبنية على الفهم الخاطئ السابق .

 

 

بداية لا بد من التأكيد على أن للأخ في النسب والدم أو العقيدة والدين الكثير من الحقوق المعنوية كالصلة والدعاء والتغافل عن الزلات والملاطفة وحسن المعاشرة وتقديم النصح له وعيادته إذا مرض ومشاركته في الأفراح والأتراح و.....كما أن له حقوق مادية تتمثل في بره والإحسان إليه ومساعدته في الأزمات وتقديم العون له في الملمات .

 

 

جاء في الحديث عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ : رَدُّ السَّلَامِ وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ ) صحيح البخاري برقم/1240 

 

 

ومن الحقوق المادية للأخ على أخيه في النسب أو الدين أن يواسيه بماله إن افتقر وأن يسارع إلى سد جوعته وستر عورته , فقد جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) صحيح البخاري برقم/2442

 

 

 

وفي حديث ابن الزبير رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( ليس المؤمن الذي يشبع وجارُه جائع ) صحيح الأدب المفرد للألباني برقم/52 ...فإذا كان للجار هذا الحق فإنه للأخ بالدم والنسب من باب أولى .

 

 

يقتصر بعض الإخوة على هذا الجزء من هدي الإسلام في التعامل مع الأخ والجار والمسلم بشكل عام فيما يخص الجانب المادي دون الأخذ بالاعتبار الجانب الآخر من التوجيهات النبوية التي تأمر بالتعفف بما في يد الأخ والصديق ابتداء وترشد إلى استنفاذ الجهد في طرق أبواب الكسب الحلال قبل السؤال أو طلب المال .

 

 

هذا السلوك الخاطئ قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى نوع من توتر العلاقة الأخوية وإلى شيء من الجمود في المشاعر والأحاسيس ونزعة إلى التباعد بعد التواصل تهربا مما يمكن وصفه بالاستغلال أو الابتزاز الأخوي إن صح التعبير .

 

 

في مثل هذه الصورة السلبية للعلاقة المادية بين الإخوة تكثر طلبات الأخ – بالدم والنسب أو بالدين - وتزداد دون أن تكون هناك حاجة ماسة حسب الظاهر ودون أن تأتي بعد استنفاذ الجهد في الكسب والتحصيل المادي المنوط والمكلف به , الأمر الذي قد يدفع الطرف الآخر بعد مدة للابتعاد تهربا مما يعتبره تواكلا أو ربما استغلالا في بعض الأحيان .

 

 

صورة سلبية أخرى للتعامل المادي بين الإخوة يمكن ملاحظة انتشارها بين الأشقاء  وبعض الأشخاص الذين تجمعهم الأخوة في الله وتتمثل في استقراض بعضهم للمال من أخيه لشراء حاجة ترفيهية أو كمالية قد لا يملكها الأخ الذي يملك المال , أو لتوسيع تجارته أو زيادة استثماراته أو سداد شيء من ديوانه المستحقة بسبب ما سبق , ليأتي الأجل المتفق عليه ولتبدأ رحلة المماطلة التي لا علاقة لها بالإعسار بقدر علاقتها بعدم الرغبة ببيع شيء من الأملاك أو حتى الضغط على ميزانية المصروفات لسداد ذلك الدين بذريعة أن الدائن أخ شقيق أو حبيب !!

 

 

لعل أخطر ما في هاتين الصورتين السلبيتين للتعامل المادي بين الإخوة يتمثل بتلك التجزئة لتعاليم دين الله الإسلام فيما يخص هذا الموضوع , وذلك الفهم الخاطئ الذي لا يرى في تلك التعاليم إلا ما يريده هو وتهواه نفسه .

 

 

لا أرى نموذجا أرقى ولا أروع في التعامل المادي بين الإخوة من مشهد الصحابيين الجليلين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع رضي الله عنهما , آخا بينهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة , فضربا للمسلمين وللبشرية جمعاء مثالا يحتذى في التعامل المادي الراقي المنسجم مع تعاليم دين الله الحنيف .

 

 

ورد في الحديث عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ فَآخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ دُلَّنِي عَلَى السُّوقِ . فَرَبِحَ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَسَمْنٍ فَرَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أَيَّامٍ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَهْيَمْ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ ) قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ . قَالَ : فَمَا سُقْتَ فِيهَا ؟ فَقَالَ : وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ ) . صحيح البخاري برقم/3937 

 

 

وفي رواية مسند أبي يعلى قال سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ : يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ : إِنِّي مِنْ أَكْثَرِ الأَنْصَارِ مَالا وَأَنَا مُقَاسِمُكَ , وَلِي امْرَأَتَانِ فَأَنَا أُطَلِّقُ لَكَ إِحْدَاهُما فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَتَزَوَّجْهَا فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ : بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ وَلَكِنْ دُلَّنِي عَلَى السُّوقِ .... الحديث .

 

5 + 4 =