مخاوف الإغراق الوعظي في وسائل التواصل
2 ربيع الأول 1439
أمير سعيد

لغلبة المادية وحب الدنيا والأثرة السائدة..

لتوافر وسائل سهلة للوعظ والإرشاد..

لأسباب عديدة أخرى، ربما يمكن تفسير هذا السيل الجارف من الخطاب الوعظي المتدفق في وسائل التواصل الاجتماعي، لاسيما مجموعات الواتساب ونظائرها. بحر متلاطم من الرسائل الوعظية يفيض في أجهزة التواصل يقصد من خلفها مطلقوها إلى مناهضة ما هو أكثر منها بكثير من الرسائل العبثية المنتشرة، ومقاومة دعاوى شر كثيرة تجد طريقها في المقابل في وسائل التواصل، لموازنة ذلك، ولتحمل جزء من مسؤولية الدعوة إلى الله والتذكير بطريقه يتحمس كثيرون لنقل رسائل الوعظ بصورة دورية ومتنامية، لدي هؤلاء نوايا طيبة، فهذا جهد المقلين – كما يرون – وبحسبهم أن يبلغوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو آية، كما في الحديث الذي رواه البخاري عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: (بلغوا عني ولو آية).

 

بيد أن معظم هؤلاء قد فاتهم أن مقام البلاغ غير مقام الوعظ، ومقام التعليم يختلف عن حديث القصاص ومستدري الدموع بالرقائق بما تضمه من واسع التحديث بالحكايات والأعاجيب إلى جانب الثابت وغير الثابت من حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

 

لكن بأية حال، ليس المقصد هنا الحديث عن الغرائب والأعاجيب مما يذكره الوعاظ سواء أكان في المساجد ومجالس الناس أو في وسائل التواصل المتنوعة، إنما المراد من هذه السطور القليلة هو التذكير بقول عبدالله بن مسعود رضي الله عنه فيما رواه البخاري: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا"، فلقد كان رضي الله عنه يذكر الناس كل خميس فلما طلبوا ذلك منه كل يوم، وهو من هو من قربه من النبي صلى الله عليه وسلم وإدراكه للسنة وهدي النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم، وإني أخولكم بالموعظة، كما كان النبي- صلى الله عليه وسم- يتخولنا بها؛ مخافة السامة علينا." قال ابن حجر العسقلاني في قوله "كان يتخولنا": "والمعنى كان يراعي الأوقات في تذكيرنا، ولا يفعل ذلك كل يوم؛ لئلا نمل". وفي اللغة: أي يتعهدنا.

 

وما رواه البخاري أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنه أن قال: "حدث الناس كل جمعة مرة فإن أكثرت فمرتين، فإن أكثرت فثلاثا ولا تمل الناس من هذا القرآن ولتأت القوم وهم في حديث فتقطع عليهم حديثهم وقال: أنصت فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه، وإياك والسجع في الدعاء فإني عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يفعلونه".

 

 وأورد ابن مفلح في الآداب الشرعية عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول على المنبر: "أيها الناس لا تبغضوا الله إلى عباده، فقيل كيف ذاك أصلحك الله قال يجلس أحدكم قاصا فيطول على الناس حتى يبغض إليهم ما هم فيه، ويقوم أحدكم إماما فيطول على الناس حتى يبغض إليهم ما هم فيه"، وقول عائشة رضي الله عنها لعبيد بن عمير: "إياك وإملال الناس وتقنيطهم"، وقول ابن عبدالبر: "يقال ستة إذا أهينوا فلا يلوموا أنفسهم: الذاهب إلى مائدة لم يدع إليها وطالب الفضل من اللئام. والداخل بين اثنين في حديثهما من غير أن يدخلاه فيه، والمستخف بالسلطان، والجالس مجلسا ليس له بأهل، والمقبل بحديثه على من لا يسمع منه ولا يصغي إليه".

 

لكن ماذا عسى الواعظون الحاذقون أن يفعلوا إذا كانوا يبنون وغيرهم من عامة الناس وممن تصدروا بوعظ الآخرين فملؤوا الفضاء بمقاطعهم وتدويناتهم الوعظية المتعاقبة، يهدمون؟! إنها في الحقيقة معضلة، ولحلها ولو جزئياً ينبغي لأهل العلم تبيان الوجه الصحيح للوعظ والالتزام بسلوك ابن مسعود رضي الله عنه في المراوحة بين الموعظة والتي تليها، وتحين الفرص الملائمة للوعظ عند الناس في حال الالتقاء بهم ومعرفة أحوالهم، أو في حال التوجه إليهم بخطاب عام (سواء أكان إعلامياً أو غيره)؛ فإنه بخلاف ضبط الفترات الزمنية للوعظ ولتركه، يحسن أن يلتفت إلى مادة البلاغ الذي يوصله للناس من خلال منابر التواصل ونحوها، إذ الحاصل أنه بأخذ عينات كثيرة من الرسائل الدعوية المتداولة يلاحظ أنها تصب في جانب الرقائق والأذكار ونحوها دون الإيغال في الأصول الشرعية الغائبة عن أذهان كثير من الناس، بما يمكن أن ينتج في صورة المتلقين حالة غير متجانسة من المعرفة الشرعية تشبه الصورة النمطية للتصوف دون التعرف إلى أصول شرعية ربما كانت بحاجة إلى إحياء أكبر وتنبيه أوسع، هذا على فرضية إخراج هذه الرسائل المتدفقة لثمرة إيجابية في نفوس المتلقين، وعدم إنتاجها لآثار سلبية كالتي حذر منها ابن مسعود وغيره من الصحابة رضوان الله تعالى عليه، كمثل السأم واللامبالاة ومحو كثير من هذه الرسائل بمجرد وصولها أو التعرف على محتواها الوعظي المتكرر والنمطي، وكمثل إضاعة وهج الخطاب الوعظي المتباعد والعميق بطمره وسط كمّ هائل من الرسائل غير المدروسة والمتكررة والباهتة والمحبطة أحياناً!

 

من جانب آخر، وبخلاف تبيان أهل العلم؛ فإن المتلقي يقع عليه دور هو الآخر في عدم تعريض نفسه بشكل مكثف لوعظ يدرك خبراء السلف من قبل، ومن قبلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يفضي إلى السأم والملل؛ فيحسن بالأريب العاقل ألا يغرق هو الآخر في السماح لنفسه بسماع ومشاهدة وقراءة ما يزيد عن طاقته وظروفه لتقبل الوعظ، وأن يتجه من تلقاء ذاته إلى عمل الصالحات؛ فيناسب بذلك بين حظه من التلقي وحظه من العمل، اقتداءً بخير سلف، صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين كانوا لا يجاوزون عشر آيات من القرآن إلى غيرها حتى يعملوا بما فيها.

 

الله عز وجل قد أنزل القرآن موعظة، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يعظنا به، وفضل الوعظ والاستماع إليه لا يماري فيه عاقل، لكن في مقابل ذلك فالتوسط مندوب، والحكمة في تحين الأوقات للتدبر والخشوع والتنفيذ والاقتصاد في ومضات الرقائق رجاء الانتفاع بها. وما من شك أن كثيراً من الرسائل المتداولة قد بينت للناس ما كانوا يجهلونه وأحيت سنناً وذكرت أقواماً بصيام وذكر وتلاوة ونحوها، وهذا أمر معلوم لا ينكر، وجزى الله خيراً من أحيا السنن وأمات البدع ونشر العلم، غير أنه في مقابل هذا على الواعظين أن يدركوا مغبة الإغراق في الخطاب الوعظي وتكثير رسائلهم ومواعظهم على نحو يقلب جهدهم رأساً على عقب؛ فيسيئوا من حيث يريدون أن يحسنوا. 

 

 

سبحان الله وهل يترك مقام الوعظ خاليا وانت قلت بنفسك أن مناهضه من الرسائل العبثية اكبر ؟! والله هذا شيء عجيب وسوف اختصر على نقاط بسيطة لأخرج من ثنايا نقدك. أولا: الم تعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعيرة جعلتنا خير أمة اخرجت للناس قانونها أن يقوم بها من يكفي وقولك هذا يؤكد أننا لم نصل لمرحلة الكفاية. ثانيا: ألم تعلم أن الموعظة العامة أخت للبلاغ تعامل كما يعامل وعامة مافي وسائل الإتصالات من هذا الباب. ثالثا: تسقط دعوى السامة لطبيعة الانتقائية في هذا النوع من الإعلام. رابعا: وجوب البلاغ والإنكار هما زكاة علم طالب العلم قبل العالم. فعل بعد هذا وذاك تترك اللب وتتمسك بالقشور هذا لعمري أعجب من العجب.
2 + 7 =