الإسلام و"القيم" الفرنسية!! نحن نحدد لك طعامك..
22 شوال 1438
منذر الأسعد

اتفق العقلاء قديماً وحديثاً على أن الإنسان الموضوعي الذي يتحرى الإنصاف ويحرص على العدل؛ يعتمد مقاييس واحدة للحكم على المتماثلات . وهذا ما أجمعت لغات الأرض كافة على تسميته بالـ:مبادئ ، أي حماية الأحكام من  تقلبات الأمزجة والأهواء والمصالح الذاتية والفئوية ....

 

انصياع في كل حال
وهذه السمة منتشرة بقوة في المجتمعات الغربية لدى التعامل مع الأفكار والأشخاص، لكنها سرعان ما تسقط عند التعامل مع الإسلام والمسلمين.
فقد نجحت عمليات غسل الأدمغة في شحن عامة الناس بصور غير صحيحة عنا وعن ديننا، وهو ما يفسر اتساع مساحة العقليات الإقصائية  هناك والتي يعبر عنها الصعود الواضح لليمين العنصري في مختلف البلدان الغربية.

 

وتتجلى ازدواجية المعايير الغربية معنا، من خلال صورتين متقابلتين، فالمطلوب من الإسلام في تلك البلاد أن يتخلى عن ثوابته كافة، لكي ترضى المجتمعات الغربية به.. والمطلوب منه في ديار المسلمين أن يتخلى عن الثوابت لكي ترضى عنه الأقليات القديمة ( الـمِلَل الأخرى) والطارئة ( من زندقة وطعن في الدين وإلحاد جلي أو نصف خفي والشذوذ الجنسي والتهتك في العلاقات غير المشروعة ...)

 

ربما يريح الغربي " ضميره" الانتقائي بأنه مبدئي في تلك الازدواجية، باعتبار تخليص الإسلام من قطعياته هو القاسم المشترك في الحالتين.. متجاهلاً أن اشتراطاته الفوقية على الحضور الإسلامي المقبول في مجتمعاته، ينطلق من كون المسلمين هناك أقليات عددية.. لكن الميزان ينقلب 180 درجة في البلاد المسلمة، فتغدو قناعات الأقليات هي الأصل الذي ينبغي للأكثرية الرضوخ لمتطلباته!

 

 ولعل محنة الشعب السوري أقسى النماذج البشعة لهذا العوج المتأصل.. فالحرب العالمية تستهدف الأكثرية المسلمة بالقتل والتهجير والتعذيب المفضي إلى الموت، والقتلة المحليون من أبناء الأقليات الحاقدة مدعومين من مختلف القوى الأجنبية؛ ومع كل الجرائم غير المسبوقة، يصر الساسة الغربيون -تتبعهم المنظمات الأممية- على تقديم الأكثرية التي تتم إبادتها جماعياً ضماناتٍ للأقليات المتوحشة!

 

اتركوا شريعتكم  
كان شعار الصليبيين في الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1991م) في مخاطبة المسلمين هناك: ارجعوا إلى مكة !
بينما رفع الصفويون والنصيريون في محرقة الشام منذ 2011 في وجه ضحاياهم ما مفاده: خذوا شريعتكم وارحلوا..

 

إلا أن تطورات الحرب على الإسلام في السنوات الأخيرة، شجعت الأصوات الأشد صفاقةً، أن ترفض كل وجود للهوية الإسلامية في أي مكان، وإلا فالاتهام بالإرهاب جاهز وليس سوى ختم يمكن دمغ المسلمين به جماعات وأفراداً.

 

قبل أسبوعين، أجرت صحيفة لوموند الفرنسية دراسة لفائدة جريدة لوموند الفرنسية حول الشرخ الاجتماعي في المجتمع الفرنسي، ومن بين أهم ما ورد فيها تقييم الفرنسيين للإسلام في السياق الفرنسي. وهو تقييم سلبي يعكس إذ اعتبر نحو 60% من المستجوَبين أن الإسلام غير متأقلم مع قيم الجمهورية الفرنسية في حين اعتبر 74% منهم أن هذا الدين يريد فرض نمطه على الآخرين!

 

المفترض في أي مجتمع سوي أمام حالة كهذه، أن يبدأ في دراسة الأسباب واستكشاف السبل المثلى لعلاجها.. لكن النخبة الفرنسية لم تقف عند حد تبرير هذه الروح العدائية إزاء ملايين المسلمين من سكان فرنسا - من مواطنين ومقيمين - وإنما حرصت على اعتمادها لتعزيز الهجوم غير الأخلاقي على القيم الفرنسية نفسها.

 

علَّق بعض هؤلاء على الدراسة / الفاجعة بقولهم:
يعود القول بأن الإسلام غير متأقلم مع مبادئ الجمهورية في فرنسا، وبالتالي مع قيم الحداثة، إلى التداخل الكبير بين الإسلام والإسلام السياسي ليس فقط لدى الشعوب المضيّفة بل حتى لدى المسلمين أنفسهم. ووصل الأمر إلى أن الإسلام السياسي أخذ شيئا فشيئا مكان الإسلام الثقافة منذ بداية الثمانيات. فعدم التأقلم المتحدث عنه يحيل إلى وضعيات ظاهرة أصبحت هي عنوان الإسلام اليوم في حين لم تكن موجودة قبل ثلاثين عاما. حيث أصبح الإسلام السياسي نمطا من العيش الموازي داخل المجتمعات الغربية وذلك باسم الخصوصية حينا وباسم الحرية أحيانا أخرى وكأنه يستعيد مجتمع الجماعة الدينية على حساب مجتمع المواطنة. فمطلب اللحم الحلال في المدارس لم يكن مطروحا قبل الثمانينات والحال أن المسلمين كانوا يعيشون في فرنسا. كما أن ظاهرة الحجاب الإسلامي لم تكن موجودة قبل ذلك. هذا هو الإسلام السياسي المعياري سلوكيا واجتماعيا وسياسيا والذي أزاح إسلام الثقافة والتقليد الاجتماعي الذي كان سائدا خلال الأجيال الأولى من الهجرة العربية إلى فرنسا.

 

ثم يسأل القائل: كيف الخروج من هذا الوضع؟  ويجيب: نعتقد أن الحل يكمن في ضرورة أن يفصل المسلمون بين الإسلام الثقافة والإسلام السياسي وذلك بالتخلي نهائيا عن كل الرؤى المعيارية التنظيمية للشريعة وبالتالي تبني القوانين الوضعية للدولة. وهذا يتطلب استعادة حضور الإيمان على حساب الأحكام. فهل المسلمون مستعدون للتضحية بالشريعة؟

 

بعبارة أخرى: يتناقض الحرص على اللحم الحلال مع قيم الحرية الفرنسية المزعومة! سبحان الله.. أي حرية تبقى عندما يسقط حق المرء في اختيار طعامه ؟ إن السجون المحترمة تتيح له ذلك فكيف في بلد يدعي الريادة في تبني شعارات الحرية؟

 

طبعاً، لا تجرؤ النخبة المخاتلة أن تتخذ الموقف ذاته، من الممارسة اليهودية، فاليهود يصرون على الأكل المشروع عندهم " كوشير" وأساسه نحر الذبائح مثل المسلمين تماماً!

 

6 + 10 =