الحكمة والاستعجال ونتائج الأعمال
4 رمضان 1438
د. خالد رُوشه

معاني الصبر والحكمة هي المعاني الاساسية التي ينبني عليها سلوك المؤمن ونظرته للحياة من حوله وللكون والناس ، ومن افتقد الصبر والحكمة عاش متخبطا تلطمه الحوادث وتتلقفه أمواج التقلبات الحياتية المختلفة فيفقد بوصلته لهدفه ويضيق صدره بمن حوله .

 

 

فالمؤمن يعقد قلبه على عقيدته في الله ، انه سبحانه له الخلق والأمر ، وأن كل شىء بتقديره ومشيئته ، وأنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له ، وأن ماأصابه قدر مقدور .

 

 

فالصبر إذن في ميزان المؤمن هو رد الفعل الوحيد المقبول والمعقول تجاه الأحداث ، والحكمة هي صنو الصبر وقرينه وتوأمه ، فلا حكمة بغير صبر ، بل إن ميلاد الحكمة إنما يأتي من رحم الصبر والرضا ..

 

 

والله سبحانه قد جعل في كونه قانون النتائج المستقبلية ليس فقط مرتبطا بالاسباب ، بل ايضا يرتبط بتقديرات كونية لا يعلمها الناس ، فقد يرتب أحدنا لسفره ويأخذ اسبابه ثم تطرأ عليه طوارىء المرض فلا يسافر ، وقد يرتب المرء لعمله ثم يمنعه مانع ليس بحسبانه ولم يتوقع حصوله .

 

 

وعلى الجانب الآخر ، فقد يستبعد احدنا حصول الاشياء ثم يجدها قد تيسرت ، وقد انقضت ، بل قد يظن المرء الشىء مكروها ويجده خيرا له ، ويظنه محبوبا ويجده شرا له !

 

 

وعادة الناس أنه يحبون رؤية نتائج أعمالهم فور الانتهاء منها , وعادة الناس أنهم لايصبرون على ذلك , بل غالبهم يعتبر عدم ظهور النتائج بصورة عاجلة نوعا من الفشل .

 

 

تلك عادة بني البشر كافة , قال سبحانه " وخلق الإنسان عجولا " , وقال :" خلق الإنسان من عجل " , قال الشوكاني: أي جعل لفرط استعجاله كأنه مخلوق من العجل , وقال القرطبي : " طبع الإنسان العجلة فيستعجل كثيرا من الأشياء وإن كانت مضرة , ومن طبيعة الإِنسان العجلة، يتعجل بالدعاء على نفسه ويسارع لكل ما يخطر بباله، دون النظر في عاقبته."

 

 

وقال في التحرير والتنوير: " والمقصود من قوله : " وكان الإنسان عجولاً " الكناية عن عدم تبصره وأن الله أعلم بمقتضى الحكمة في توقيت الأشياء " ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم" , ولكنه دَرّج لهم وصول الخير والشر لطفاً بهم في الحالين " , وقال سبحانه : "وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ " ..

 

 

 

لكن الله سبحانه له سنن في كونه وفي خلقه وله حكم في غاية العظمة والإحكام ؛ فبعض الأمور يمكنك أن تزرعها اليوم وتحصد ثمارها غدًا , إلا أن هناك - وهو أكثرها - ما إن زرعته اليوم فلن يعطيك ثمارًا إلا بعد سنين طويلة, وعندئذ فمهما استعجلت فلا فائدة إلا أن يؤثر ذلك على قلبك فيمرضه.

 

 

قال ابن بطال في فتح الباري : " وفي تغييب خاتمة العمل عن العبد حكمة بالغة وتدبير لطيف، لأنه لو علم وكان ناجياً أعجب وكسل، وإن كان هالكاً ازداد عتوا، فحجب عنه ذلك ليكون بين الخوف والرجاء "

 

 

 

وهذه لطيفة للغاية من هذا العالم الجليل , فإنه يقول إن تغييب الخاتمة والنتيجة فيه حكمة عميقة , وفيه من لطف الله سبحانه وتدبيره وحكمته , فطبيعة المرء لو علم النتيجة السلبية لتمادى في السلبية , ولو علم النتيجة الإيجابية لقعد وكسل وأبطا , فأخفى عنه النتائج ليعمل بنية ويجتهد بإيجابية منتظرا النتيجة الحسنة ومعدا لها قدرما يستطيع .

 

 

 

لذلك فاستعجال المرء في أداء أعماله منه ما يحمد وهو ما كان قائما على تدبر للأمور والمواقف والظروف وتقرير الاختيار في أفضلها وأحسنها ووضوح الهدف بعد إمرارها على الحكمة ورأي الخبراء وهو عندئذ محمود كقوله تعالى لموسى " وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى " .

 

 

 

 وأما أكثر الاستعجال فهو مذموم غير محمود إذ إن غالبه يقوم على فورة النفس وعدم التدبر والتفكر في المآلات وتفنيد الخيارات والبحث في العواقب واستشارة العلماء والخبراء ..

 

 

 

وفي العبادات قد بين لنا الشرع الحنيف أن علينا الصبر والثبات على الصالح من الأعمال فقال سبحانه: " ياأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا " وقال: " واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا " وقال " واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم "

 

 

 

وقد ينشأ الاستعجال عند الإنسان بدافع الخلقة " خلق الإنسان من عجل " وقد ينشأ من فورة الإيمان عند مبتدئ في الطريق في لحظة رأى فيها انتفاش الباطل أو غلبة المعصية والظلم ثم لم يتدبر في عواقب فعله واستعجل أمره فوقع في الخطأ وخالف الصواب واعتمد على رأيه في تقدير المواقف فزلت قدمه .

 

 

 

لقد بعث صلى الله عليه وسلم والأصنام تملأ البيت الحرام ، وتحيط بالكعبة , وتعلوها من كل جانب، و إزالتها طوال إحدى وعشرين سنة , حتى جاء يوم فتح مكة ..

 

 

 

ذلك أنه أراد صلى الله عليه وسلم أن يهيىء النفوس لرفض الاصنام , واراد أن يحطمها في نفوس الناس قبل عيونهم وواقعهم , فإنه لو كان قد حطمها من قبل لاقبلوا على تشييدها وإعادتها بدرجة أكبر عما كانت عليه ولتعاظم الضرر .

 

 

 

وفي صحيح البخاري , رفض النبي صلى الله عليه وسلم ان يهدم الكعبة , ويعيد بناءها , رغم المصالح المرجوة في ذلك , قال  صلى الله عليه وسلم وهو يخاطب عائشة رضي الله عنها: " أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوْا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ" فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : " لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ"  , وفي رواية : " ...وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ] رواه البخاري ومسلم.

 

 

 

 بل إن المسلم حين يسكت عن تغيير منكر لعلمه أن إنكاره سيؤدي إلى منكر أكبر منه - مع الرفض القلبي والمقاطعة وبذل الجهد في النصح والبيان - لا يكون آثمًا بذلك، وصدق الله الذي يقول : " لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا" " فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ"

 

 

 

 فإذا نسي العامل أو الداعية فقه أسلوب تغيير المنكر وإزالته، وقع في الاستعجال لظنه، أو لتصوره أن الأمر يجب تنفيذه فوراً وأنه آثم ومذنب إن لم يقم بذلك "

 

 

 

كما قد ينشأ الاستعجال عندما يتربى المرء بعيدا عن العلماء والحكماء وذوي التجربة الناجحة والعقل الراجح أو أن يسلم نفسه لمرب مبتدئ غير خبير ولا عليم فيدفعه دفعا لاستعجال الثمار ولهفة الحرث ورؤية النتيجة والإلحاح في طلبها ..

 

 

وفي استعجال إجابة الدعاء , يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم فيقول : " يستجاب لأحدكم ما لم يَعْجل, يقول: دعوت ربي فلم يستجب لي" متفق عليه.

 

 

 

يقول ابن عثيمين رحمه الله : "فليصبر المؤمن ولينتظر الفرج, ولا يمل, ولا يضجر, بل يبقى راسيًا كالصخرة , والعاقبة للمتقين, والله تعالى مع الصابرين "



6 + 3 =
د. خالد رُوشه
أميمة الجابر
الشيخ أ.د. ناصر بن سليمان العمر