أسرى بلا حدود!
18 شعبان 1438
أمير سعيد

كم يجمع العرب من متناقضات!
في ربوع عالمنا العربي تتنسم الشعوب عبير الوحدة، لكن من داخل السجون!

 

أجيال درست عند الصغر "مقومات الوحدة العربية"، دين، ولغة، وجغرافيا.. الخ فتفاجأت عند الكبر باختفاء كل هذا، واستبقاء المحتل والأدوات لمقوم وحيد نافذ هو "وحدة القمع" و"اتحاد السجون"؛ فاتحدت فيها مصائر الأحرار، وامتزج فيها مستقبل الأسرى؛ فصارت أنباء إضرابات السجناء والأسرى هي عنوان الوحدة عبر الحدود المصطنعة!

 

في فلسطين، لم يزل "إضراب الكرامة" مستمراً منذ نحو شهر، حيث يطالب المضربون بإنهاء سياسة الاعتقال الإداري، والإهمال الطبي، وإلغاء سياسة العزل الانفرادي، ومنع زيارات العائلات. وهي مطالب بدهية ومشروعة دون النظر عن الحديث عن توظيف ذلك من أجل تحقيق مكاسب فتحاوية، لاسيما على صعيد الدور السياسي للسجين الفتحاوي الأشهر مروان البرغوثي.

 

وفي لبنان، وصل عدد المضربين عن الطعام في سجن رومية أكثر من 570 سجيناً ونحو 200 آخرين في سجن طرابلس ونحو 50 في سجن جزين، بعضهم خاطوا شفاههم تأكيداً على جديتهم في "معركة الأمعاء الخاوية"، حيث رفض المضربون ومعظمهم متدينون تسلم وجباتهم اليومية احتجاجاً على سجنهم في سجون لا آدمية دون محاكمة أو بمحاكمات صورية، تنفيذاً لأوامر من قيادة "حزب الله" التي تمارس اضطهاداً ضد المتدينين السنة يغيب كثيراً عن عدسات الإعلام.  

 

في سوريا والعراق، حيث أكبر الجرائم ضد الإنسانية، وأعلى معدل من السجناء والأسرى (يفوق مائتي ألف سجين) تضمهم السجون الطائفية التي يمارس فيها أبشع أنواع التعذيب في العالم.. العديد من الدول العربية تحاكي النماذج السابقة لمنظومة أسر ذاتي تمارسها الأنظمة الفاشية ضد مناضلين ومعارضين سياسيين لا يملكون إلا آراءهم وحناجرهم.

 

وفي اليمن، حيث لا يقل عدد السجناء تعسفياً والمختطفين عن 15 ألف سني بحسب وزارة حقوق الإنسان اليمنية قضى منهم العشرات تحت التعذيب، تحتجزهم ميليشيات الانقلاب الحوثي.

 

وكما الحوثيين الذين حولوا أكثر من 400 مرفق حكومي وخاص (مدارس ومراكز طبية ومرافق حكومية ومنازل خاصة ) إلى أماكن للاعتقال والاحتجاز والتعذيب؛ فإن عدداً من الدول العربية القمعية تضع في أعلى هرم "إنجازاتها" بناء العشرات من السجون التي لا تعكس كثرتها إلا قمعاً أو إخفاقاً في إنفاذ مهمة تحقيق الأمن في أقل تقدير، وغني عن البيان أن هذا عادة ما يحصل بالترافق مع غياب أي تنمية حقيقية في البلاد أو وجود مشاريع تطويرية على الأصعدة التعليمية والصحية والاقتصادية والثقافية ونحوها.

 

في معظم الدول العربية يبلغ عدد السجناء السياسيين أضعاف أعداد السجناء الجنائيين، وهذا منطقي في الحقيقة؛ فالتوجه العام في تلك الدول ليس هو الحفاظ على الأمن الاجتماعي للشعوب، وإنما الحفاظ على الأنظمة ودورها الوظيفي التي اضطلعت به تكليفاً من دول إقليمية ودولية تقوم مشاريعها على منع قيام أي نهضة عربية أو إسلامية مستقلة يمكنها أن تهدد مطامع تلك الدول، وتقوض مشاريعها الاستنزافية لتلك الدول، وفي قلب أهدافها، وقف أي قيام لمشروع إسلامي حضاري ناهض.

 

والأمر في الواقع لا يتوقف على أعداد، ولا على سجون تمثل لافتاتٍ لمشاريع الأنظمة القمعية، وإنما إدخال هؤلاء الأسرى المظلومين في دائرة من التعذيب والقمع لإرهاب بقية الشعوب من جهة، ومن جهة مقابلة، إيقاف حدود طموحات الأسرى عند خطوط تحسين وضع السجون لا أكثر من هذا، وإدخال المعارضات في دوائر المطالبات بالإفراج عن الأسرى والسجناء، أو تحسين أوضاعهم دون رفع سقف التطلعات ليصل لإجراء إصلاحات سياسية أو تبني مشاريع مستقلة عن الخارج الحاكم فعلياً في تلك الدول التابعة.

 

معظم ما تقدم من تلك الدول يدور في فلك النظام الإيراني الطائفي، وغيرها في أفلاك إقليمية ودولية أخرى. لا فرق كبيراً بين هذه وتلك، إلا بمستويات القمع والترهيب، ويبقى القاسم المشترك أن تلك المنطقة العربية قد صارت مجمعاً عالمياً لأنواع السجون، وألوان القمع، وأشكال التعذيب، بها تحققت "الوحدة العربية" أخيراً في مقوم بغيض دخيل على طبيعة العرب وكرامتهم ومروءتهم، فتطابقت نماذج القمع، حتى بين العرب والكيان الصهيوني، والكيانات الصفوية، وصار سجناء العرب، أسرى بلا حدود!

 

 

3 + 10 =