في الهند أيضاً.. المسلمون إذ يدفعون ضريبة الصمت
22 ذو القعدة 1439
أمير سعيد

سوى المطر وحده إذا زاد وخيفت عواقبه، لم يدعُ رسولنا المقدام صلى الله عليه وسلم بدعاء "اللهم حوالينا ولا علينا"، فلم يكن – حاشاه – يواجه التحديات والمؤامرات والاعتداءات حين قامت دولته في المدينة بغير التصدي والجهاد والممانعة، وعلى هذا النهج سار صحابته رضوان الله تعالى عليهم وتابعيهم؛ فظلت أمتنا الإسلامية أمة عزيزة منيعة مرهوبة الجانب، يخشى غضبها وانتقامها كل معتدٍ أثيم.

 

لكن لما ترك معظم المسلمين كل هذا ورضوا بالزرع واتبعوا أذناب البقر وآثروها بذلتها عن ظهور الخيل العزيزة، تلاحقت ألوان الذل على الأمة الإسلامية، وسلطه الله عليها حتى تؤوب لربها، وتمسك بأعنة خيلها وأسباب قوتها ونهضتها الحضارية من جديد.

 

هذا المعنى، وإن كان مستقراً لدى كثيرين إلا أن اللافت فيه للنظر أن هذه المناخ الذليل الذي تعيش فيه أمتنا الإسلامية ليس وليد ممارسات منفردة منبتة عن بعضها البعض تمارسها القوى والدول المعادية للإسلام، وإنما هو نتاج حالة مركبة ومتوالية هندسية تصاعدية بشكل مطرد كلما أظهر المسلمون خفة وقلة اكتراث بما ينزل بساحتهم ويعترض طريقهم. تتضافر جميعها مع بعض ويشجع أطرافها أنفسهم وتتناسل سرطانياً كلما لمس بعض أطرافها نجاحاً في "تجارب الإذلال" هنا أو هناك.

 

الحالة السورية، نموذج لهذا التشجيع الذي أفرز الصمت عنه وعدم ممانعته قمعاً وحشياً هائلاً في غير ما بلد اقتداء بما فعله النظام السوري من جرائم رعيبة، ما جرأ الآخرين على محاكاة هذا الطراز القميء من المذابح والجرائم. الانقلابات والممارسات الاستبدادية، هي أيضاً مما تتناقله العدوى من دولة "إسلامية" إلى أخرى، ويمتد أثره لينال حتى من المسلمين في الغرب الذين يتضاءل أي تهميش أو ظلم يطالهم أمام ما يرتكب في أوطانهم فتتجرأ الدول "الديمقراطية" على ارتكابه وممارسته داخلياً وخارجياً.

 

ومؤخراً، تنولت أخبار اعتزام السلطات الهندية نزع الجنسية عن 4 ملايين مسلم من مواطنيها دفعة واحدة، بقلة اكتراث واضحة من المسلمين حول العالم؛ إذ في ظل الشقاء الذي بات يحيق بالمسلم في وطنه صار الاهتمام بأخيه في البلدان القريبة فضلاً على البعيدة نوعاً من "الترف" الذي لم يعد يمارسه!

 

ولهذا مر الخبر اعتيادياً، ولربما سنسمع أفظع منه قريباً طالما اطمأن الجناة إلى صمت الضحايا عن حقوقهم، وطالما استشعر الأعداء بهشاشة الوشائج التي كانت تربط بين مسلمي الشرق والغرب إلى ما قبل قرن من الزمان بقوة، تضعضعت كلما نقضت من بنية الأخوة الإيمانية عروة من بعد عروة.

 

فعلى تخوم الهند، كان نظام نايبيدوا العنصري الفاشي يدمر الأراكان ويذبح عشرات الآلاف من المسلمين كقرابين لمعابد بوذيي ماينيمار ويهجر الملايين في واحدة من أبشع الجرائم الإنسانية وسط صمت مطبق من العالم الإسلامي الذليل، وكان الفارين من الجحيم يلجؤون إلى دول بعضها لا يقل شراسة عن النظام الاستبدادي في ميانمار، ومنه نظام مودي الهندي، الذي يهيمن عليه حزب بهاراتيا جاناتا اليميني المتطرف، الذي ساهم الكيان الصهيوني في تمهيد الطريق له لحكم الهند بعد جريمة هدم المسجد البابري الذي نفذها كجواز سفر قاده للسلطة من بعد ذلك لتحجيم الأقلية المسلمة التي تفوق العرب عدداً.

 

وبعد جرائم حرق القرى الأراكانية وإرغام مسلميها على مغادرة قراهم واعتبارهم مهاجرين غير شرعيين، ثم ملاحقتهم في منافيهم البنغالية والهندية؛ فإن الهند قد شجعتها معاملة نظام ميانمار لمسلمي الأراكان (الروهينغيا)، والذين أضحوا كالكرة المشتعلة التي تتقاذفها الأنظمة الهندية والميانمارية والبنغالية، فلجأ نظام مودي العنصري ليس إلى طرد اللاجئين المسلمين الروهينغيا فقط من الأراضي الهندية فحسب، وإنما إلى توسيع نطاق اضطهاد المسلمين ليشمل طرد ملايين المسلمين الهنود من أراضي ولاية أسام الهندية بزعم أنهم ليسوا هنوداً أصليين وإنما مهاجرين بنغال غير شرعيين، يتعين عليهم أن يثبتوا "هنديتهم" قبل نحو نصف قرن!

 

استحدث نظام مودي المعادي للإسلام قانوناً يفرض على كل سكان الولاية تقديم وثائق تثبت أنهم أو أفراد أسرهم كانوا يعيشون في البلاد قبل الـ 24 من مارس 1971 أي قبل استقلال بنغلاديش، وذلك لإثبات أنهم مواطنون هنود.

 

القانون جائر، ويبدو واضحاً استهدافه لأربعة ملايين مسلم يتعذر على معظم إثبات هذا الشرط والتنقيب في وثائق قديمة، ويبدو إجرامياً أكثر حين يلامس القضية الروهينغية ويتجاسر على المسلمين بسبب ما وفرته هي من أجواء مريحة جداً لحملة إقصاء المسلمين وتهجيرهم حول العالم في مناطق مختلفة وسط صمت مخجل للمسلمين الذين أضحوا خلوا من أي رابطة عالمية حقيقية تقوم على حقوقهم وتسعى لإعادتها والمطالبة بالحدود الدنيا من العدالة.

 

ما تجترحه الهند من خطايا التطرف الديني، والعنصرية المتنامية، ليس بعيداً عما ينفذ هنا أو هناك في سوريا والعراق ووسط إفريقيا.. وهلم جرا، والأسباب عديدة، أبرزها الضعف والهوان، لكن يبقى ما أشير إليه هنا بالغ الأهمية أيضاً؛ فإن ذبول الأخوة الإيمانية حتى لدى المستضعفين قد جعلت الأعداء يتجرؤون أكثر وأكثر، ولعل ما قد صار في قلب العالم الإسلامي، سوريا والعراق وفلسطين، وفي شرقه أراكان وتركستان الشرقية، من مآسٍ هو أكبر محفز لكل اضطهاد آني أو مقبل، وصمتنا مغرٍ، مغرٍ لحد يجعل أي استراتيجية إجرامية للإضرار بالعالم الإسلامي تحرق مراحلها بسرعة ما دامت الطريق معبدة هكذا؛ فأي شهية يمكنها أن تقاوم قصعتنا المستباحة ولا يتداعى أصحابها زرافات عليها؟!

 

1 + 2 =