العلم أفيون الشعوب
3 رجب 1439
منذر الأسعد

أعلم –مسبقاً- أن هذا العنوان سيستفز بعض الناس، وخاصة أولئك الذين يتعجلون من جماعة القول الشائع: المكتوب يتضح من عنوانه. وهو قول لا يصح تعميمه.
 

وأقل اتهام قد يوجهونه إليَّ، هو أن عنوان المقال مستوحى من مقولة كارل ماركس الشهيرة: "الدين أفيون الشعوب"!
 

وسوف يحاكمني هؤلاء على أنني مقتنع بجملة ماركس التي أطلقها ليبرر بها عداءه الشديد للدين، رغم أن مقولته ستكون صحيحة لو حصرها في الـمِلَل التي جرى تحريفها، وفي توظيف الدين لخدمة أغراض دنيوية لفائدة طبقات متنفذة أو سلطات مستبدة...
 

التهويل والترهيب
قال أحد المهووسين بالعلم الحديث لصاحبه: العلم لا يخطئ فألقمه الرجل بجواب صاعق حيث قال: العلم لا يخطئ لكن العلماء يخطئون!

***

هذه الحكمة تلخص حالة التضليل المنتشرة عالمياً؛ لكن نصيب البلاد العربية والمسلمة منها أكبر كثيراً لأنها متعمدة وتقوم على تأجيجها جهات أجنبية ومحلية، بعضها معلَنة وأخرى خفية!
 

ففي الدول المتقدمة تجد قلة من المنتسبين إلى الحقل العلمي، ذات طبيعة عُصابية، تريد فرض قناعاتها الذاتية على الآخرين باسم العلم؛ لكنها لا تلقى استجابة واسعة بحكم صرامة القواعد التي يخضع لها البحث العلمي هناك.
 

هذا بالرغم من أن في تلك البلدان جيوباً –في المقابل- متناثرة وضئيلة الحجم والتأثير، تعيش مع أوهامها المناوئة للعلم وحقائقه المؤكدة مثل كروية الأرض ودورانها وقانون جاذبية الأجسام وغزو الفضاء.
 

أما في ديار العرب والمسلمين فإن مصطلح "العلم" يجري استخدامه مزاجياً لفرض ضلالات على طريقة الأحزاب الشمولية، التي تقهر المجتمع على الخضوع لقوالبها مسبقة الصنع، وكل من يخالفها خائن وعميل للأعداء!
 

وكل ما يعرفه هؤلاء من العلم المزعوم أنه ينسب أصلهم إلى القرود وأنه يبيح لهم الزواج من الحيوانات وسائر الانحرافات الشائنة في العلاقات الجنسية.
 

وهنا يتذكر المرء مقولة الفيلسوف البريطاني الشهير برتراند راسل: "مشكلة العالَـم أن الأغبياء واثقون بأنفسهم أشد الثقة دائماً، أما الحكماء فتملؤهم الشكوك..".
 

اللعب بالأركان!
كل من اطلع على أبجديات مناهج البحث العلمي، يعرف أن هنالك فروقاً دقيقة حاسمة بين مراحل: الفرّضية ثم النظرية ثم قبول أهل الاختصاص لتلك النظرية مبدئياً كمساحة للمناقشة الموضوعية.. فإذا استقرت القناعة لدى المجتمع العلمي بصواب النظرية وتماسكها ونهضت الأدلة اليقينية على سلامتها، تصبح حقيقة علمية لا مجال للتشكيك فيها.

 

أما أشياع الدين الوضعي الجديد، فيتعاملون مع العلم بمنطق انتقائي فج؛ فما وافق أهواءهم يعلنونه حقيقة علمية قطعية مع أنه لم يتجاوز عتبة الفرضية –أو النظرية في أحسن الاحتمالات- ؛ والذي لا يروق لهم ينسفونه ويسفهونه ولو كان حقيقة علمية راسخة، أو نظرية قوية تحظى بتأييد أكثرية أعضاء المجتمع العلمي في حقل تخصصها.
 

نماذج واسعة الانتشار
يستطيع المراقب المنصف أن يعثر على شواهد يومية لهذه الظاهرة السيئة، وخاصة عند المتعصبين لأساطير الداروينية والذين يفترون على العلم أنه يعيد كل الشذوذ الأخلاقي في العلاقات الجنسية إلى أسباب وراثية "جينية" لا إرادية.

 

وأقل ما يقال في هذه المسائل: إنها موضع جدل في المجتمع العلمي ولو كانت حقائق كما يدَّعي المتدينون بالدين الخرافي الجديد، لما وجدنا علماء بارزين يعارضونها استناداً إلى قناعات علمية وليست فكرية أو دينية أو ذاتية.
 

وفي هذه العجالة، أكتفي بالإشارة إلى مقال تخصصي بديع كتبه الدكتور أشرف قطب (الباحث في جامعة Leicester‎‏) يبيِّن فيه خداع واحد من أدعياء العلم لجمهور الناس، وخلاصة المقال –مع تنحية جوانبه الدقيقة التي لا يستوعبها القارئ غير المتخصص- أن المخادع تكلم عن حفرية "الأركيوبتركس" على أنها (الحلقة الوسيطة) بين الزواحف ممثلة في الديناصورات وبين الطيور، وادعى أنها محل (إجماع علمي) في حين أن الحقيقة عكس ذلك تماماً!
 

فالأركيوبتركس-وهو كائن يقدر عمره بحوالي 140 مليون سنة- أول ما تم اكتشافه كانت معظم حفرياته ناقصة، وافترض التطوريون وقتها أنه يمثل شكلاً انتقالياً بين الزواحف والطيور لأن عظمة الصدر كانت مفقودة من الحفريات الأولية للكائن، فافترضوا أنها غائبة، وبنوا عليهاأنه شكل انتقالي! لكنهم في الحفرية السابعة للأركيوبتركس المكتشفة سنة 1992 عثروا على عظمة القص موجودة وكاملة مثلما لدى الطيور الحالية تماماً.
 

 وبعد تفصيلات علمية عميقة موثقة، ينتهي الدكتور قطب إلى سؤال حيوي هو: هل هناك اعتراضات من "المجتمع العلمي" على موضوع تطور الطيور من الديناصورات بأكمله؟! ويجيب: طبعاً، مثل كل فرضية علمية لها مؤيدون ومعارضون! ثم يورد الرجل حشداً من أسماء المعترضين وخلاصة لأبحاثهم التي شيدوا مواقفهم عليها.

2 + 0 =