الإقطاعيات الفرنسية في إفريقيا
7 ربيع الأول 1439
مجلة البيان

 الهوية الدينية والثقافية دائماً تشكل الأسس التي تقوم عليها هوية المجتمعات، لكن في افريقيا ومنذ قدوم المستعمر الفرنسي إلى تلك المنطقة اختلفت تلك النظرية وأصبحت الفرنكفونية هي وجهة الحراك الثقافي والأمني والاقتصادي في بلدان القارة السمراء. بدأ ذلك الحراك منذ أسست فرنسا الفيلق الأجنبي في جيشها عام 1831م حيث أرسل عشرات الآلاف من مقاتليه إلى الجزائر. كانت الغاية من تلك العصابات تحويل افريقيا إلى منجم ذهب يصب في الخزينة الفرنسية، دون أن يدفع الفرنسيين ثمناً لحروب استعمارهم في افريقيا. فقد تم تشكيل ذلك الجيش من مرتزقة في الغالب من الولايات المتحدة وأوروبا وغيرها من البلدان الأوروبية.

يقول الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك"بدون أفريقيا، فرنسا سوف تنزلق إلى مرتبة دول العالم الثالث"، وانطلاقاً من هذه الحكمة سعت النخب الحاكمة في فرنسا إلى الهيمنة على افريقيا من خلال عدة محاور تضمنت الأمن والاقتصاد والفرنسة. فعلى صعيد اللغة والثقافة أنشأت فرنسا " المنظمة الدولية للفرانكفونية" وهي منظمة تشرف عليها وزارة الخارجية الفرنسية ويعمل في إطارها العديد من المنظمات التي تمارس الغزو الثقافي للمجتمع الافريقي.  ومثلما شارك العديد من أعضاء الفيلق الأجنبي في الجيش الفرنسي في محاولات انقلاب و حروب أهلية في بلدان افريقية مختلفة تماشياً مع رغبات المخابرات الفرنسية، فقد مارست نخب ثقافية افريقية ذلك الدور على صعيد تغيير الهوية الثقافية والدينية للشعوب، فقبل عدة أشهر طالبت وزيرة التربية الجزائرية نورية بن غبريط  بإستبدال اللغة العربية باللغة العامية في التعليم العام الجزائري، و إذا ما نظرنا بعمق للفرنكفونية في الجزائر فإننا سنجد الفرنسية لغة سائدة في ذلك البلد، فمن السنة الثالثة من التعليم الأساسي إلى الصحف هناك احتفاء بالفرنسية، و بحسب وزارة الاتصال الجزائرية فإن 63 صحيفة يومية تصدر بلغة فولتير، بينما تصدر باللغة العربية 86 صحيفة.

وفي تونس لا يختلف الوضع، فرغم أن دستور البلاد ينصّ صراحة على أن "تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة، الإسلام دينها والعربية لغتها والجمهورية نظامها"، لكن جولة سريعة في مؤسساتها التعليمية ومؤسساتها الحكومية سنجد أن الحكومة غير جادة في الحفاظ على اللغة العربية. وفي المغرب حالة شبيهة بما يجري في الجزائر وتونس، ففي القارة السمراء أكثر من 20 دولة تتخذ من اللغة الفرنسية لغة رسمية لها.

في عام 2011 أسس العديد من المقاتلين الطوارق الحركة الوطنية لتحرير أزواد ونجحوا بالسيطرة على الكثير من المدن والمرافق التابعة للدولة، لكن بالتزامن مع هذا الحراك ظهرت خلال عام 2013 قوى أخرى قريبة من تنظيم القاعدة وبدأت بالاقتراب مع العاصمة باماكو، إثر ذلك اطلقت فرنسا عملية عسكرية أطلقت عليها اسم "سيرفال"، وخلال شهر نشرت قواتها في المدن التي تم طرد المتمردين منها.

خلال الخمسين عاما السابقة حدث ما مجموعُه 67 انقلابًا في 26 دولة إفريقية. 16 منها كانت ترزح تحت الاستعمار الفرنسي، ما يعنى أن ٪61 من الانقلابات حدثت في إفريقيا الناطقة بالفرنسية وهذا يثبت أن تلك الانقلابات حدثت بتدبير فرنسي، فحينما لورينت جباجبو رئيس دولة ساحل العاج إنهاء الاستغلال الفرنسي لدولته قامت فرنسا بتدبير انقلاب ضده. خلال العملية الطويلة للإطاحة به، الدبابات الفرنسية والمروحيات المقاتلة والقوات الخاصة تدخلوا بشكل مباشر في الصراع وقامت بإطلاق النار على المدنيين وقتل العديد منهم. وللمزيد من الإهانة، فرنسا قامت بتقديرات تفيد بأن رجال الأعمال الفرنسيين في ساحل العاج تكبدوا خسائر بملايين الدولارات خلال رحيلهم المتعجل من أبيدجان عام 2006، وقام الجيش الفرنسي وقتها بقتل 65 مدنيًّا أعزل، وجرح قرابة 1200 آخرين. بعد أن نجح الانقلاب المُدبر من فرنسا، وانتقال السلطة إلى أليسان أوتارا، طلبت فرنسا من حكومة أوتارا أن تدفع تعويضات لرجال الأعمال الفرنسيين جراء خسائرهم خلال الحرب الأهلية. التعويضات المالية التي ألزمت فرنسا حكومة ساحل العاج بدفعها لم تكن سوى قطر في بحر الاستغلال الفرنسي لثروات افريقيا، فبحسب الخبير الاقتصادي السنغالي، سيري سي، إن 14 دولة افريقية ومنذ استقلالها لا تزال تضخ عبر مصارفها المركزية 50 % من احتياطاتها من العملة، في الخزينة الفرنسية، وفقا لبنود المعاهدة الاستعمارية السارية، برغم عدم الإفصاح عن تفاصيلها رسميا من جانب باريس.

وقال في تصريح نشرته صحيفة الأهرام المصرية، إنّه يرتكز إلى معاهدة ببنود علنية وأخرى سرّية لا تزال توجّه العلاقات الفرنسية - الإفريقية، وتخدم مصالح الطرف الأقوى في المعادلة، على حساب مصالح البلدان والأمم الإفريقية، فهي تفرض على الدول الإفريقية "عبودية" تنفيها باريس بشكل قاطع، وعلاوة على حصّة الـ 50 % التي تضخّها البلدان الإفريقية بالعملة الصعبة في خزينة الدولة الفرنسية، فإنّ خضوع عملات تلك البلدان (الفرنك الإفريقي) لمراقبة باريس، يضمن للأخيرة الحصول حصريا على الصادرات الإفريقية من المواد الأولية المحلية، وإنعاش السوق المحلّية بمختلف الواردات، إلى جانب رسم السياسات التي سيتم اعتمادها مع البلدان الإفريقية بهذا الشأن.

 تقول الباحثة الإماراتية المتخصصة في الشأن الافريقي أمينة العريمي، إن باريس تلجئ إلى ورقة المتمردين في أي دولة إفريقية تخالف الرغبة الفرنسية، فعلى سبيل المثال الرئيس الأسبق لإفريقيا الوسطى (فرانسو بوزيزيه) تم الانقلاب عليه، وشهدت العاصمة بانغى مجازر وحرب أهليه راح ضحيتها الآلاف من أبناء إفريقيا الوسطى، وذلك عندما قام الرئيس بالاستعانة بشركات أجنبية لاستخراج اليورانيوم، بعد أن أعلنت باريس بأنها ستجمد استخراج اليورانيوم من إفريقيا الوسطى حتى عام 2032 .

بالإضافة إلى ماسبق فإن الأسواق الافريقية لا تعرف سوى الشركات الفرنسية في مجالات الصناعة والطاقة والتجهيزات العسكرية. ومن أبرز البنود التي نشرت حول الاتفاقية الاستعمارية التي تخضع لها البلدان الافريقية، أن تقوم الأخيرة بدفع تعويضات للدولة الفرنسية نظير البنية التحتية التي شيدتها فرنسيا قبل فترة الاستقلال. كما تلتزم تلك البلدان بإيداع احتياطاتها النقدية في البنك الفرنسي الوطني، ومنذ 1960 وفرنسا تحتفظ بالاحتياطات الوطنية من ثروات الدول الإفريقية التالية: بنين، بوركينا فاسو، غينيا بيساو، ساحل العاج، مالي، النيجر، السنغال، توجو، الكاميرون، جمهورية إفريقيا الوسطى، تشاد، الكونغو وغينيا الاستوائية والجابون.

ويقدر حجم المبالغ التي تسيطر عليها الحكومة الفرنسية 500 مليار من أموال خزانات الدول الإفريقية، ولا تستطيع الدول الإفريقية الوصول إلى تلك الأموال.

الحكومة الفرنسية تسمح للدول الإفريقية بالوصول إلى ٪15 فقط من مجموع الأموال السنوية المحولة إلى فرنسا، وإذا احتاجت هذه البلدان إلى مبالغ إضافية، فعليهم اقتراضها من ٪65 من أموالهم الخاصة في الخزانة الفرنسية وبأسعار تجارية. كما تنص الاتفاقية على أن لفرنسا الأولوية في شراء الموارد الطبيعية المستخرجة من مستعمراتها السابقة، وفي حال إبداء فرنسا عدم اهتمامها بتلك الموارد يحق للبلدان الإفريقية البحث عن شركاء آخرين. وتمنح الشركات الفرنسية الأولوية في الحصول على العقود الحكومية دون أي اعتبارات أخرى. ونتيجة لذلك، فإنه وفى كثير من المستعمرات الفرنسية السابقة تكون العقود وفى جميع التخصصات الاقتصادية للبلدان في يد المغتربين الفرنسيين، ففي ساحل العاج مثلا، تسيطر الشركات الفرنسية على جميع المرافق الرئيسية كالمياه والكهرباء والهاتف والنقل والموانئ والبنوك الكبرى والشيء نفسه في التجارة والبناء والزراعة.  وتجبر فرنسا الجيوش الأفريقية على إرسال كبار الضباط للتدرب في فرنسا.  وشيد الجيش الفرنسي الكثير من القواعد العسكرية الفرنسية في تلك البلدان، كما أن الاتفاقية منحت الفرنسيين الحق القانوني للتدخل عسكرياً في أي وقت في تلك البلدان.  وتجبر فرنسا تلك البلدان على التحالف معها في الأزمات العالمية، كما تجبرها جعل اللغة الفرنسية في اللغة الرسمية في البلاد.

 

المصدر/  مجلة البيان

4 + 0 =