نحن وشهر رمضان.. هل أخطأنا العنوان؟
4 رمضان 1438
د. محمد الأمين مقراوي الوغليسي

مع أن المسلمين قد شهدوا صحوة عظيمة في العقود الأخيرة، إلا أن الكثير من العثرات قد وقفت دون تحولها إلى نهضة شاملة، بل إن التراجع الذي شهدته الصحوة الإسلامية أحد الأمور التي لم يكن ينتظرها الكثير ممّن عولوا على عودة الأمة وصحوها بعد سبات دام قرون طويلة، والتفصيل في أسباب هذا التراجع نفسه يحتاج إلى وقفة مستقلة.

 

ومن أهم العوامل التي ساهمت في تراجع الصحوة الإسلامية غياب المعاني الكبرى للإسلام عن الفرد المسلم، والمجتمع المسلم بصفة عامة، وغياب المعالم العظمى يعني سير الأمة في اتجاه واحد وهو السطحية، والسذاجة الحضارية.

 

وإذا ضيّقنا الدائرة وجدنا العبادات أهم مجال غابت عن المسلمين مقاصدها الكبرى، وغاياتها الجليلة، ولاشك أن غياب هذه المعالم يعني أن الفرد المسلم حين يقبل على العبادات سيقبل عليها بنفسية لا تختلف عن نفسية البوذي والنصراني، كيف ذلك؟ نعني بذلك أن الشعوب الأخرى لا ترى في دياناتها سوى عادات ورثتها عن أجدادها، أو وجدت مجتمعاتها تدين بها فتدينت بها، وهذا المعنى أحد أسباب تمسكهم بدينهم.

 

هل يشبه المسلم بقية البشر؟
بينما نحن المسلمون نختلف تماما عنهم وفكرة أن نرى الدين والتدين كعادات وأعراف وتقاليد وجدنا عليها آباءنا فأقبلنا عليها هي فكرة خطيرة قاتلة؛ لأنها فكرة معادية لحقيقة الإسلام، المبني على العلم والمعرفة، وعبادة الله تعالى على علم وبينة، ويرفض الإسلام رفضا تاما أن يعبد المسلم ربه بنفسية المجتمع الذي يمارسها العبادات ممارسة تشبه ممارسة العادات، حتى وإن أقر بلسانه أنها عبادات. فالعبادات الفارغة من معانيها تصبح مجرد طقوس وحركات وممارسات لا تنتج أي أثر في الواقع، وهذا من أخطر ما يهدد الإسلام؛ لأنه يجعله شكلا بلا مضمون، وصورة بلا روح.

 

ومن أقوى ما جاء في هذا الصدد الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده والطبراني في المعجم الكبير وابن حبان في صحيحه بإسناد جيد عن أبي أمامة الباهلي -رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها وأولهن نقضاً: الحكم، وآخرهن الصلاة" فالحديث يتحدث عن أن غياب الإسلام عن الحياة يرجع أساسا إلى غياب وتغييب معانيه الكبرى والصغرى التي جاء لأجلها. والغياب هنا يشمل الأمور السلبية للحياة والإيجابية، فغياب معنى الجاهلية عن العقل المسلم سبب قوي لوقوعه فيها، بل سبب هام لعدم إحساسه بنعمة الإسلام، ولذة الانتماء إلى دين سماوي حنيف عظيم.

 

كيف يغيب الإسلام عن الحياة؟
إن المعاني العميقة التي جاء بها محمد –صلى الله عليه وسلم- تعتبر المحرك الأهم والأساس للإسلام، حضورها يعني حضور الإسلام، وغيابها يعني غياب الإسلام عن الواقع، ويكون حضورها وغيابها متمثلا في الأفراد، فالفرد المسلم الذي يعي رسالة الإسلام بكل أبعادها وعيا سليما، يصبح فردا فعّالا، فيعطي للإسلام جانبها التطبيقي، ويجسده في الواقع تجسيدا جذابا وجميلا وفعالا،  أما الفرد الذي لا يدرك حقيقة الغايات التي جاء لأجلها الإسلام، فإنه لن ينجح في أن يكون يوما تجسيدا لهذا الدين العظيم.

 

المسلم عندما يتحوّل إلى معنى
فالإسلام يحول الفرد إلى معنى يمشي في الأرض، ورمزا لمعنى عبر التاريخ؛ ولهذا كان الصحابة محلا للقدوة، ولم يشر القرآن إلى إمكان اتخاذهم قدوة إلا لأنهم تحولوا إلى معاني تجسد رسالة الإسلام.

 

فعندما تذكر عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- هنا يتبارد إلى ذهنك معنى واحد إنه معنى العدل، والحاكم المسؤول عن رعيته، الرحيم بها، الشفوق الحريص عليها، وإذا مرّ عليك اسم مصعب بن عمير –رضي الله عنه- تتذكر الشاب الغني الذي ترك الترف وتحول إلى رمز للسمو الأخلاقي والإنساني، ولو ذكرت خالد بن الوليد –رضي الله عنه- لسبق إلى ذهنك معنى واحد "الشجاعة والدهاء العسكري" لنصرة الإسلام والمسلمين،  وعندما تقرأ سيرة علي –رضي الله عنه- تغوص بين معاني الحكمة والبطولة، ولو ذهبت تقلب صفحات عمر بن عبد العزيز –رحمه الله- لهرولت إلى عقلك معاني العفاف والعدل والرشد، وعندما تنظر في سيرة البخاري ومسلم –رحمهما الله- يقفز إلى بالك معاني التضحية بالغالي والنفيس من الوقت والمال لأجل جمع أحاديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، الكثير من المسلمين تحولوا إلى معاني تعتبر عطرا وعبقا يعبق بها التاريخ، فالناس عندما يتحدثون عن صلاح الدين الأيوبي وقطز مثلا إنما يتمنون ويرجون عودة تلك المعاني التي كانت فيهم.

 

إذن الإسلام يشع نوره في الأرض إذا تحول مجموع أفراده إلى منبع صافٍ تصدر منه المعاني السامية للحياة، وما لم يصبح المجتمع المسلم مصدرا للمعاني الراقية النابضة بالحياة، فإنه يبقى بعيدا عن الرسالة التي يُطلب منه أداؤها، فالمعاني هي الروح التي تحرك الجسد الكبير للأمة؛ ولذلك ركز الإسلام على غرسها في نفوس المجتمع الإسلامي أفرادا وجماعات.

 

رمضان ضحية العادات والتقاليد
مما سبق نصل إلى تقرير حقيقة مؤلمة بمناسبة شهر رمضان، حيث تغير تصور المسلمين إلى هذا الشهر الفضيل، وبتغير التصور تغيرت الممارسات التي يمارسها المسلمون خلال أيامه العظيمة.

 

فبينما كان رمضان في السابق يمثل شهرا خاصا بالعبادات، والتفرغ لقراءة القرآن الكريم وتدبر معانيه، وشهرا للبذل والصدقات، وشهرا للجهاد والفتوحات والرباط، وشهرا للجود والإيثار، وقيام الليل والإنفاق، أصبحت صورته الماثلة في الوعي الجمعي للمسلمين صورة مخالفة لكل ما سبق تقريره.
المسلم بين معاني الصيام وجنون الاستهلاك

 

فالتناقضات التي أصبح المسلمون يعيشونها في رمضان تعبر في الحقيقة عن أزمة غياب المعاني اللصيقة بالإسلام وشعائره، ولنضرب لذلك أمثلة حتى تتضح الصورة: فقد أصبح شهر رمضان الشهر الذي يشهد أكبر مظاهر التبذير، حيث تشير الاحصاءات التي قدمتها جمعيات المستهلكين في العالم العربي إلى أن المسلمين يرمون في هذا الشهر نصف الكمية التي يطبخونها، في واحد من أسوأ المشاهد التي تشهدها الأمة الإسلامية في العالم العربي، كما تشير إلى أن المسلمين يرمون نصف كمية الخبز الذين يشترونه،  وهذه صورة مناقضة تماما لأحد معاني هذا الشهر، والذي يعني الاقتصاد في الأكل والتفرغ للعبادة.

 

إلا أن الصورة النمطية لشهر رمضان هي أنه شهر للأكل بكل أنواعه، بل لا يوجد شهر في السنة الهجرية يشهد تنوعا في المأكولات وكثافة في الطبخ مثلما يشهده رمضان، والعجيب أن الكثير من الأسر تخرج زرافات ووحدانا قاصدة أكبر الأسواق والمولات لتدجيج المطبخ بترسانة هائلة من المواد التموينية والغذائية، وكأنها مقبلة على حرب ضروس، وحصار خانق من عدو قريب.

 

والحق يقال أن هذا أحد أهم الانحرافات التي طالت معاني الصيام، فبدل أن يرتاح المسلم من معاني الأكل والاستهلاك يذهب إلى مضاعفة حضورها في شهر الصيام، ودليل ذلك ضخامة الموائد التي تشهدها الأسرة المسلمة في شهر رمضان.

 

فهل يمكن لمجتمع قد حوّل شهر الصيام إلى شهر للاستهلاك المفرط أن يستفيد منه؟ هذا السؤال تجيب عنه دائما الشهور التي تلي رمضان، إجابة سلبية، ومن تأمل ذلك وطلبه وجده.

 

المسلمون في شهر القيام أم في شهر النوم؟
ومن المعاني التي جاء رمضان لترسيخها في الفرد المسلم مجاهدة نفسه على القيام، والتنفل، إلا أن الواقع يثبت أن شهر رمضان هو الشهر الذي يتحول في العالم الإسلامي إلى شهر للسهر في الليل، وليته سهر محمود، بل سهر في ما لا ينفع ولا فائدة منه، وهذا السهر أحد أهم أسباب عدم استفادة المسلمين من الصيام.

 

هل الصوم سبب ذلك الإرهاق الشديد؟
لأن المسلم الذي يسهر الليل كله يقضي معظم النهار في النوم؛ بسبب الإرهاق الشديد الذي يصيبهم خاصة في الفصول الحارة، والمؤسف في الأمر أن الكثير من المسلمين يربطون هذا الإرهاق الذي يصيبهم في شهر رمضان إلى الصيام، إلا أن الدراسات البريطانية التي أقامتها مراكز صحية بريطانية بالتعاون مع جمعيات إسلامية حول حقيقة التعب الذي يصيب المسلمين في شهر رمضان، أثبتت أن سبب ذلك يعود إلى اختلال الساعة البيولوجية التي تنظم النوم والاستيقاظ، حيث يؤدي تحويل الليل إلى محل للنشاط، وتحويل النهار إلى محل للنوم إلى اختلال أنشطة الجسم بسب اختلال الساعة البيولوجية؛ ما يؤدي إلى انهيار الجسم، وعجزه عن أداء نشاطاته أداء طبيعيا.

 

وهذا صحيح فالحركة التي تشهدها الشوارع ومراكز التسوق ليلا، خاصة في العشر الأوائل والأواخر من رمضان تثبت ذلك، خاصة في العشر الأواخر أين يتحول شهر رمضان إلى منطقة للتسوق، بينما يتحول في منازل كثيرة إلى فرصة لقضاء الوقت في تجريب صناعة عدد لا بأس به من الحلوى.
بالتالي نجد الأيام المعدودة التي يحويها رمضان قد تحولت إلى ما يشبه منطقة زمنية للدوران حول الماديات والاستهلاك ومفرداته.

 

شهر للتقوى أم للمجون والضياع؟

إن أحد أخطر الانحرافات التي مست المعاني الكبرى لرمضان كانت بسبب سرقة أهل المجون والضياع لأيامه، وإصرارهم على إفساده وإفساد المسلمين الصائمين فيه، ففي بعض المحطات التلفزيونية يتم بث أغاني شعبية مباشرة بعد نهاية آذان المغرب، والكثير من القنوات الفضائية في كل العالم العربي تخصص ميزانيات هائلة لإنتاج وشراء البرامج الترفيهية والغنائية، في تحدٍ صارخ للمعاني التي شرع الله تعالى لأجلها شهر الصيام.

 

في بعض الدول العربية تنشط المسارح التي تفتح للناس في الهواء الطلق، ويدعى إليها المغنون والمغنيات،  وفي أكثر الدول العربية تخصص أهم المسلسلات لتعرض في شهر رمضان، دون أن ننسى حصص الكاميرا الخفية، وحصص الضحك وغيرها.

 

لقد تم شفط معاني رمضان شفطا ممنهجا، في أكبر سرقة يتعرض إليها المسلمون، سرقة لم تمس أموالهم فقط، بل مست أوقاتهم الشريفة، وسرقت منهم فرصة كبيرة لغفران الذنوب والتقرب إلى المولى سبحانه وتعالى، وفرصة للعتق من النيران، وسرقت منهم فرصة كبيرة ليقتربوا من معاني الروحانية، ويتخلصوا من ثقل الأرض وأشيائها ومادياتها.

 

لماذا انحرفنا عن معاني رمضان وما الحل؟
إن الانحرافات التي مسّت شهر رمضان هي نتاج طبيعي لحياة لا يحكمها الإسلام، بل تحكمها قوانين وضعية متناقضة مع روحه، ويسهر على تشريعها وتطبيقها من لا يهمهم أمر الإسلام والمسلمين، ومن يرون الحياة مادة واستهلاكا وشهوات.

 

بالتالي بعيدا عن التهويل والتهوين يجب أن نعيد المسلمين إلى المعاني الحقيقية لشهر رمضان الكريم، يجب استعادة مسروقتنا، يجب الوقوف فيه وجوه لصوص رمضان، الذين لا يخشون في مؤمن إلا ولا ذمة، الذين دمروا معانيه الراقية، وقيمه السامية، وحولوه من شهر للعبادة إلى شهر عادات تعيسة، تبدأ من الأكل وتنتهي بالسهر والرقص والنوم.

 

نحتاج في الأخير إلى تنبيه كل من يهمه شأن المسلمين إلى إيجاد خطاب عميق يستعيد المسلمين الذين سلبت عقولهم في ظلام الشهوات، نحتاج إلى خطاب مدروس جذاب يتحدث بالغايات والمعاني التي جاء بها الصيام، يجب إعادة ربط المسلمين بمعاني العبادة وخاصة عبادة شهر رمضان الكريم.

 

المصدر/ الإسلام اليوم

كلمات ووصف لواقع الحال والله المستعان كيف انقلبت المعاني السامية والمقاصد العالية لعادات و تفاهات عند الكثر إلا من رحم الله ! اللهم أصلح قلوب وبيوت المسلمين
12 + 5 =