تحتشد أوروبا فهل يُجهَّز انقلاب قريب بتركيا؟
13 جمادى الثانية 1438
أمير سعيد

في خضم التراشق الدبلوماسي والسياسي بين تركيا وأوروبا الآن لا يمكننا تجاهل هذا التقرير الذي مر سريعاً قبل أسبوعين تقريباً دون نقاش ممتد. الصحفية المثيرة للجدل هاندي فرات التي اتصلت بالرئيس التركي أردوغان في المكالمة المرئية الشهيرة التي كان لها فضل كبير في إفشال الانقلاب في يوليو الماضي، عادت ونشرت تقريراً في صحيفة حرييت العلمانية العتيدة يتضمن معلومات من هيئة الأركان التركية، صدرته بعنوان "مقر أركان الجيش غير مرتاح من الأوضاع".وعلى الرغم من أن المدعي العام قد فتح تحقيقاً بشأن هذا التقرير، ورغم نفي الأركان لعدم ارتياحه متهماً الصحيفة بنشر معلومات مغلوطة، بعد اجتماع طارئ لرئيس الأركان الجنرال خلوصي مع الرئيس، إلا أن رد فعل مقر الأركان كان أدنى كثيراً من انزعاج أردوغان ورئيس حكومته يلدريم.

 

سبعة أسباب قيل إنها كانت وراء "عدم الارتياح" المزعوم، لم يرشح منها إلا مسألة سماح وزارة الدفاع للنساء في الجيش بارتداء "الحجاب المشروط"، لكن لن نحتاج جهداً كبيراً لتخمين أهم هذه الأسباب، وهو تقليص نفوذ الجيش لحساب الرئيس من خلال التعديلات الدستورية المزمع التصويت على استفتائها بعد نحو شهر من الآن. بوسعنا أن نستند أيضاً في تخميننا هذا إلى تصريح أردوغان نفسه منذ فترة وجيزة: "الإصرار على استمرار النظام الحالي يعني بقاء هذا البلد عرضة لتهديدات الانقلابات".. ثمة تلازم واضح إذن فيما يتعلق بحفاظ هذا النظام الحالي على هامش تحرك يسمح بالانقلابات، لاسيما أن التعديلات تطلق يد الإدارة المنتخبة (الرئاسة) في تعيين عدد أكبر من قادة الجيش والقضاء.

 

الدساتير المدنية تجلب الانقلابات العسكرية، هكذا تعودنا في بلدان العالم، ونحن كعرب ومسلمين في قلبه، خصوصاً لو جلبت هذه الدساتير سلطة مستقلة عن الغرب، المدبر الأول لمعظم انقلابات العالم المناهضة للاستقلال وخصوصية الهوية الدينية أو القومية. أهم انقلابات الإقليم كان بسبب إقرار دستور مدني يطلق الحريات السياسية ويحفظ هوية الشعب.

 

يمكن التقليل من هذا الهاجس كثيراً، إذا ما نُظر إلى الإجراءات الاستئصالية الناجعة التي قامت بها الحكومة التركية في أعقاب الانقلاب الفاشل قبل ثمانية أشهر. فالمنفذون هم من صاروا يدفعون ثمن فشل المخططين، وهم وحدهم من سيقادون إلى منصات الإعدام أو أقبية السجون بعد الحكم عليهم. يمكن أيضاً أخذ نفي الأركان للتصريح على محمل الجد.

 

لكن أيضاً يمكن وضع التصريح ضمن سياق بالونات الاختبار، حيث مردت قيادات الجيوش على تمرير مثل هذه الغيوم في مواقفها قبل تحضيرها للانقلابات المبرمجة، ثم يمكن توقع وجود هذا التململ بالفعل، فليس بالضرورة كامل المقر على قلب رجل واحد فيما يتعلق بالولاء للحكومة أو العداء لها.

 

ربما كان تصوراً مبالغاً به، لكن ماذا عن الفضاء الخارجي المحيط بتركيا إقليمياً ودولياً؟ إن ما يمكننا استنتاجه ببساطة أن الحنق الأوروبي على الإدارة التركية قد بلغ مستوى غير مسبوق، حتى فوق ذاك الذي سبق وأعقب الانقلاب الفاشل الذي كانت خلفه عدة دول غربية، وتبلغت به عواصم مؤثرة في أوروبا تحديداً قبل وقوعه.

 

من يطالع الأزمة التركية الهولندية بوسعه أن يلحظ أن هذا التعاطي الهولندي مع دولة مهمة في أوروبا ليس طارئاً ولا فردياً، وإنما هو كمن يستقوي ضعيفاً بمحيط أوروبي مساند لهذه الغطرسة الهولندية. وبدون عناء يتضح أن لاهاي تتعامل كمن يحرق مراكبه مع الأتراك، ولا يدع مجالاً كبيراً للرجوع أو إعادة العلاقات إلى سابق عهدها حتى لو تمت لملمة تلك الأزمة، فمنع هبوط طائرة وزير خارجية دولة كبيرة كتركيا أو تقييد حركة وزيرة أخرى لحد سحب سيارتها قسراً ليس مما يسهل التسامح التركي معه.

 

هولندة لا تتحرك من تلقاء نفسها، هذا لا يحتاج إلى "خبير استراتيجي" لاستنتاجه؛ فالجميع يعلم تنامي النفوذ الألماني في إقليمها الأصغر (الألماني)، والاتحاد الأوروبي الأكبر، خصوصاً بعد تراجع النفوذ الفرنسي في أوروبا بسبب الأزمة الاقتصادية الداخلية، وانسحاب بريطانيا من الاتحاد. ألمانيا تتحدث باسم أوروبا، ولديها أكثر من حافز سوى التعصب الديني يحثها على التضحية بتقاليدها الديمقراطية والكشف عن مكنوناتها "الدينية"، احتضانها لأكبر جالية تركية في أوروبا، نحو 4 ملايين تركي معظمهم يحمل الجنسيتين معاً، يشكلون شوكة تركية في خاصرتها، وورقة مهمة في يد أنقرة، وكذا التنافس المتنامي بين ألمانيا وتركيا على الأسواق الأوروبية حيث غزت الأخيرة أسواقاً كانت تظن برلين أنها ستبقى حكراً لها رغم ارتفاع أسعار سلعها.

 

وضعت محطة TRT التركية قائمة بعدد الفعاليات التي ألغتها – أو أجلتها - ألمانيا وهولندة لوزراء أتراك حاليين وسابقين، سعوا لمخاطبة الجاليات التركية لحثها على التصويت بنعم للاستفتاء، ضمت وزراء العدل والاقتصاد والطاقة والخارجية والأسرة، وكذلك تنوعت الفضائح الأوروبية في انحيازها السافر لرافضي التعديلات الدستورية في تركيا لتشمل الجانب الإعلامي كمثل منع برنامج تليفزيوني تركي في النمسا بسبب عرضه لآراء المؤيدين، أو الحملة التي نفذها التليفزيون الألماني لحث الأتراك على التصويت بـ"لا"!

 

التصعيد الأوروبي الخارق لكل حجب حريات التعبير والقواعد الديمقراطية ومبادئ الإعلام يشي بأن الأوروبيين لا يراهنون من فراغ على سقوط هذا الاستفتاء أو عدم وقوعه من الأساس، وهو استنتاج أيضاً له ما يعززه؛ فثمة مؤشرات ليست خارجية جميعها تومئ إلى شيء من هذا. للتمثيل: يبدو التصريح الذي أدلت به ميرال اكشنار زعيمة معارضي رئيس الحزب القومي دولت باهتشلي، والتي ستصوت ومن يتبعها بـ"لا" للتعديلات الدستورية بخلاف زعيم حزبها وحزبها الذي سيصوت بـ"نعم"، والذي قالت فيه رداً على سؤال: "سمعت من مصادر خاصة أن الاستفتاء سيلغى لعذر يقتضي إلغاءه!"، ثم عزت هذه المعلومة إلى "إحساسها الشخصي"!

 

لكن من دون أن نترك الاستنتاجات لـ"الإحساس الشخصي" للمسؤولة الحزبية البارزة؛ فثمة ما يمكن رصه إلى جوار بعضه ليصنع مدماك "الإحساس العام" الذي يغذيه تساؤلات حول:

-    التدفق الكبير لجنود أمريكيين بالآلاف نحو الكويت لدعم أكراد سوريا في منبج وغيرها، والحصار الذي بدأت واشنطن ضربه على حلفاء تركيا في الشمال السوري.
-    القلق الذي أبداه السفير الأمريكي في اليونان بشأن احتمال إشعال تركيا لحادث في بحر إيجه مع اليونان.
-    التقرير الصادر من الخارجية الأمريكية مؤخراً يدين تركيا فيما يتعلق بحقوق الإنسان، ويصف العمليات الإرهابية لحزب العمال الكردستاني في تركيا بـ"الصراعات الداخلية".
-    اتهام الأمم المتحدة لأنقرة بارتكاب "انتهاكات خطيرة" لحقوق الإنسان بحق الأكراد في مناطقهم بتركيا.
-    تأكيد خبراء المجلس الأوروبي أن التعديلات الدستورية التركية هي ردة عن الديمقراطية.
-    احتضان ألمانيا واليونان لفلول الانقلابيين من عسكريين ودبلوماسيين وغيرهم.

 

كل هذا يدعو إلى القلق حول مستقبل تركيا القادم حيث تظل محطة التعديل الدستوري منطلقاً لقدر من الاستقرار لتركيا لا ترغب أوروبا لها بتحصيله، ومن ثم أصبح لزاماً عليها التحرك بأحد اتجاهين معاً، إما حث الأتراك على التصويت بـ"لا" بطرق شتى، أو إيقاف هذا المسار كلياً إذا لزم الأمر (وهنا لن يكون بغير قيادة الولايات المتحدة تحديداً).

 

ما يزعج حقيقة، أن أبجديات السياسة المعروفة، والتي تضع في اعتبارها طبيعة الشعب التركي وأنفته تفضي إلى الخلوص إلى بدهية فشل هذا التشنج الأوروبي في تحقيق مآربه بحرف إرادة الشعب التركي عن مسارها (إن حزم أمره بالتصويت الإيجابي على التعديلات)، واستطلاعات الرأي تبرهن على شيء من هذا؛ إذ يستفز الهجوم الأوروبي على مؤيدي التعديلات قطاعات شعبية تركية لتأييدها، ويدفع بملايين المترددين إلى التصويت بـ"نعم" على خلاف الخطة الأوروبية المتعصبة؛ فهل أضحى الساسة الأوروبيون بهذه السذاجة أم أنهم ينتظرون "خبراً سعيداً" بعد تسميم الأجواء التركية الخارجية والداخلية؟! نحن على مفترق طريق نتوقع فيه أي طارئ بما فيه سلسلة من العمليات الإرهابية التي كثيراً ما تسبق الاستحقاقات التصويتية في تركيا. ربما تحرك مجموعة أخرى من الجيش قد تدعم بشكل أوسع من الخارج..

 

وإذا لم يحصل لا هذا ولا ذاك؛ فقد يتوجه أردوغان وحكومته بالشكر للأوروبيين في الأسبوع الثالث من الشهر القادم لنجاحهم في حشد المؤيدين لمشروعه الاستقلالي من حيث لا يريدون!

18 + 0 =