إبادة الكتب في القرن العشرين
5 صفر 1440
منذر الأسعد

الكتاب: إبادة الكتب/ تدمير الكتب والمكتبات برعاية الأنظمة السياسية في القرن العشرين
تأليف: ربيكا نوث
ترجمة:عاطف سيد عثمان
الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب/ الكويت| سلسلة : عالم المعرفة / 461/ رمضان 1439-  يونيو 2018م

*******

يستفزك الكتاب بدءًا من عنوانه، فالصورة السائدة في الأذهان بعامة، أن إبادة الكتب عمدًا ممارسة همجية تنتمي إلى عصور سحيقة، ظن البشر أنهم ودَّعوها إلى غير رجعة!
 

ليست شرًّا خالصًا؟
في تمهيدها للكتاب، تفاجئنا المؤلفة بأن المكتبات ما زالت تتعرض للكوارث التي تُجهز عليها من دون تعمد، كفيضانات فلورنسا الإيطالية 1966 التي قضت على مليونَيْ كتاب، وحريق لينينغراد الروسية –السوفياتية حينئذ 1988- والذي أزهق 3,6 مليون كتاب.

 

وتقوم فكرة الكتاب على أن الإبادة المتعمدة للمكتبات تحتاج إلى تفسير أعمق من وصفها الطبيعي بأنه شرٌّ محض. فهي في رأيها تماثل الإبادة الجماعية والإبادة العرقية، باعتبارهما ظاهرتين معقدتين. ولا يعني ذلك أن المؤلفة تستسهل القضية، فهي تعدها جريمة من وزن الإبادتين اللتين تجزم بأن إبادة الكتب تشبههما.
 

وتركيز الكتاب على القرن العشرين ليس مرتجلًا .. فأسباب الاختيار جلية، حيث شهد القرن الميلادي الماضي أبشع جرائم الإبادة للجماعات الإنسانية وللكتب والسجلات التاريخية والآثار المادية التي يسعى المتعصبون المهووسون إلى محوها لأنها تحمل ما ينقض أفكارهم المنحرفة، ورؤيتهم للماضي الذي يجب "تنقيته" من كل ما يشير إلى وجود خصومهم! وهذه الحملات بدأها الغرب ضد السكان الأصليين في جنوب إفريقيا سنة 1907م واستمرت حتى نهايات القرن ( 1992-1995 في البوسنة في قلب البلقان).
 

نماذج فظيعة
رغم إشارات المؤلفة تكرارًا إلى جرائم النظم الشيوعية ضد الكتب ( الاتحاد السوفياتي البائد والصين الشيوعية والخمير الحمر سابقًا في كمبوديا)، آثرتْ التفصيل في النموذج النازي العنصري البشع،المرتبط بالداروينية الاجتماعية التي تبرر التخلص من الأجناس " الأدنى" بقشرة من العلم الزائف، وشعار جهنمي غير أخلاقي: البقاء للأقوى!.

 

والمثال الثاني الذي تناقشه المؤلفة أوربي كذلك، هو جرائم الصرب تحديدًا ضد البوشناق المسلمين.. ولم تكن موفقة في امتناعها عن تسليط الضوء على جرائم الكروات بذريعة أنها " أقل " من جرائم الصرب.
 

واختارت الكاتبة مثالًا عربيًّا مؤسفًا، هو جرائم الجيش العراقي خلال غزوه لدولة الكويت صيف 1991، إذ نسف مباني المكتبات والمتاحف في سياسة وحشية تبدو كانتقام بدائي.
 

ثم تخصص فصلًا مهمًّا لجرائم النظام الشيوعي الصيني بقيادة ماو تسي تونغ خلال ما سماه: الثورة الثقافية  التي بدأت سنة 1966، وكانت-ويا للمفارقة- نكبة على كل ما يمتّ إلى الثقافة بأدنى صلة.
 

ثم تعقد فصلًا موسعًا لجرائم الصين إزاء الثقافة البوذية في منطقة التيبت؛ متجاهلةً جرائم صينية أشد هولًا في حق مسلمي تركستان الشرقية المحتلة، وهم من قومية الأويغور ذات الأصول التركية. ولكي تكمل بكين طمس هويتهم تسمي المنطقة سينكيانغ، وتمنعهم من الصلاة والصيام ومن اقتناء المصاحف...
 

الصهيونية المغيَّبة
تتمثل أكبر ثغرة تنتقص من القيمة العلمية للكتاب- في رأيي المتواضع- في تغييب الحديث كليًّا عن جرائم الصهيونية المستمرة في فلسطين منذ سبعين سنة، وخاصة أنه احتلال استيطاني يسعى لاستئصال أهل البلد وكل ما يتصل بهويتهم وتاريخ وطنهم.. وجرائم الاحتلال الصهيوني في الحقل الثقافي استفزت باحثين يهودًا مثل إسرائيل شاحاك صاحب كتاب: وطأة 3000 عام ؛ ونورمان فينكلشتاين مؤلف كتاب: صناعة الهولوكوست: تأملات في استغلال المعاناة اليهودية .. وقد تعرض الرجل إلى اضطهاد في حياته العلمية وموارد رزقه، لأنه تجرأ على تعرية الكيان الصهيوني بأبحاث أكاديمية رصينة.

7 + 12 =