من باع الغوطة؟
8 رجب 1439
منذر الأسعد

هذا العنوان لا يمثل المقال وإنما قصدتُ منه التنبيه مسبقاً من هذه "الألغام" النفسية / الفكرية، التي تتخذ من منابر الإعلام جسراً لها لكي تحدد نطاق التفكير وردود الأفعال، فلا تغادر الصندوق الذي هيأه خبراء لا شك في خبثهم وسوء مقصدهم.

 

فالسؤال مرفوض إعلامياً كما يعلم كل من يعمل في هذا الحقل، لأنه سؤال إيحائي يصادر على المطلوب ويفرض على المتلقي إجابة لا يمكنها التحرر من أغلاله.. فهو –هنا- يقطع بأن الغوطة بيعت ويحصر الاستفهام في تحديد بائعها – أو: بائعيها!!-.

 

وفيه إهانة متعمدة لتضحيات يندر مثيلها، بذلها أهل الغوطة، فاحتملوا أصنافاً من المعاناة تجعل الحليم حيران.

 

ويراد من هذا التزوير المكشوف كذلك، منح صك براءة لسائر المجرمين المتورطين في ذبح الغوطة – بل ذبح السوريين لأن نحر الغوطة على أهميتها ليس سوى مشهد يتكرر كل مدة في مناطق مختلفة سبق للسوريين أن حرروها منتصرين على جيش ضخم وغابة من أجهزة القمع أضخم منه وأشد فتكاً-.

 

"شرعنة" الإبادة الجماعية
لم تسقط الغوطة وإنما سقط العالَم بمنظماته ومؤسساته ودوله وشعاراته.

مع بدايات الهجمة الوحشية الأخيرة على الغوطة، أصدرت منظمة اليونيسيف بياناً احتوى عدة سطور فارغة، اعترافاً من المؤسسات الأممية بالعجز عن القيام بأي من واجباتها.

 

أما المشهد ما قبل الختامي فظهر فيه بشار الأسد متوجهاً  نحو  الغوطة  النازفة ليتشفى بأهلها الذين أحرقهم بوتن وخامنئي، فدوره في هذا " النصر" لا يتجاوز لحظات التمثيل السادية هذه.. وظهرت  سيارات  الصليب الأحمر الدولي -رمز الحياد في الأسطورة الغربية السائدة- في مقدمة موكب السفاح  لإسدال الستار على محرقة الإنسانية في الغوطة . والعذر الأقبح من ذنب كان : "المصادفة" ، فلما شعروا أن النكتة أشد سماجة من تصديقها لما يعلمه الكافة من طبيعة تحركات الطاغية حتى في زمن الاستكانة قبل الثورة؛ اضطروا إلى رمي القناع ليقولوا : نحن نتعامل مع حكومة "شرعية" تعترف بها الأمم المتحدة!!

 

وهنا نقف عند نقطة حاسمة في تعرية المجتمع الدولي : كيف تبقى " شرعية دولية" لمجرم يقتل شعبه سبع سنوات متصلة بكل الأسلحة بما فيها المحظور دولياً الكيماوي والعنقودي والفوسفور والنابالم الحارق ؟

 

وتخللت مراحلَ نحر الغوطة مسرحياتٌ ضربة أمريكية مفتراة لتمرير المحرقة واضطر مسؤول أمريكي كبير إلى القول: عدونا داعش حتى بعد انتهاء دوره ودحره وليس الجزار.. ومصلحتنا في سوريا محصورة في مثلث النفط والغاز والماء وليس لدى أهل الغوطة واحد منها..

 

وما لم يقله: هؤلاء عائق أمام الحزام المجوسي لحماية الصهاينة .. لم يقله لأنه نقيض النشيد الأمريكي المثير للشفقة عن عزم واشنطن على طرد طهران من سوريا، والفصل الأكثر كوميدية لطميات نتنياهو عن تحديد مسافة لوجود قاسم سليماني تبين أنها فرية كبرى .. فما يجري هو تأسيس الحزام المجوسي " النقي" " المتجانس" لضمان أمن إستراتيجي  الكيان الغاصب لم تعد تبعية بيت الأسد كافية لضمانه بعد ما فعلوه بالمسلمين  !!

 

إقصاء أهل السنة
ما عاد الغرب يطمئن إلى المنحدرين من جذور سنية بعد الدرس السوري..

 

خمسون سنة من القهر الخبيث وغسل الدماغ الممنهج منذ ما قبل سن التمييز .. تغربوا كثيراً وكثيراً جداً .. لكنهم بسهولة عادوا في أيام معدودات نقيضاً لكل ذلك المسخ المديد..

 

لا بد من أناس ليس لهم أعداء سوى الإسلام .. العدو المشترك لليهود والصليبيين والمجوس.. كان أعضاء هذا المثلث الحقود أعداء  ثم اكتشفوا أن عدوهم واحد وأن ثاراتهم هي نفسها مع الإسلام: خيبر- القادسية- اليرموك!

 

نسي المسلمون –أو أكثرهم- لكن القوم لا ينسون. لم يعد هنالك مبرر لحرب بين الفرس والروم .. نجح اليهود في فتل الحبل المشترك.. تغاضوا عن اضطهاد الصليبيين لهم مئات السنين .. وأقنعوا الروم بأنهم يضمنون ولاء الفرس .. وذكَّروهم بنجاح تحالفهم قبل 500 سنة الذي أجبر العثمانيين على التراجع عن مرور سكينهم في قلب أوربا فلم يغادروا شرقها.

 

صحيح أن الغرب اليوم لا تحكمه الكنيسة التي كانت تهيمن عليه في زمن إسماعيل الصفوي وخلفائه الدمويين .. لكن الحقد نفسه لم يتزحزح بالرغم من تبدل الخطاب الديني إلى علماني فالعلمانية الغربية تبعد المنفعة حيثما كانت وليس لها أعداء دائمون إلا الإسلام وأهله.. هؤلاء العنيدون الذين أبوا الرضوخ للغرب في محطتيه: الصليبية والعلمانية.. أسروا لويس التاسع قائد الحملة الصليبية في دار ابن لقمان بالمنصورة.. وهزموا نابليون اللا ديني وأخلافه من غزاة مصر .

علاج هؤلاء : ذبحهم على يد الطاغية وفرق القتل الطائفي برعاية ملالي قم ومشاركة طيران روسيا، وتعامي المتباكين على الإنسانية!

 

العار الغربي المقيم
نتالي نوغيريد صحفية فرنسية شهيرة وهي أول امرأة تُنتخَبُ لإدارة صحيفة لوموند ذائعة الصيت سنة 2013م.
كتبتْ نوغيريد بتاريخ 28/2/2018م في الغارديان البريطانية مقالاً نارياً نادراً في الصحافة الغربية.

ومما قالته: هناك نصف مليون قتيل في سوريا، والعدد في ازدياد، ونحن نجلس لمشاهدة الصور التلفزيونية للأطفال الذين تعرضوا للقصف في أَسِرَّة المستشفيات في الغوطة الشرقية، دون مبالاة من الغرب وأوربا تحديدًا، لكننا مرتبطون بهذه الجرائم بطريقة أو بأخرى.

 

وأضافت: يبدو أن الأوربيين لم يفهموا بعد أن الكارثة السورية قد أثرت على كيفية ارتباطهم بالعالم.... لقد أصبحت سوريا دليلًا واضحًا على عجزنا في مواجهة الصمت الدولي إزاء نظام الأسد، وينبغي أن يهمنا ذلك كثيرًا لأن أوربا لها مصلحة أكبر من أمريكا في الحفاظ على منظومة الأمم المتحدة وصدقيتها، فعندما تنهار قواعدها كما حدث مع عصبة الأمم في الثلاثينيات من القرن الماضي، ندرك جيدًا كيف يمكن للوحوش أن تطل برؤوسها.

 

سوريا تقوض أي زعمٍ لأوربا بأنها قوة أخلاقية، الغرب بكامله مذنب، وطيارونا مجرمون مثل بوتين، عندما لا يكترثون للقصف المتعمد والمتكرر لمستشفيات الغوطة الشرقية، وبالطبع هناك إدانات وتصريحات لوزراء الخارجية، ولكن مجتمعاتنا سقطت فريسة للقصور الذاتي والارتباك.

 
وفي يوم من الأيام سنحتاج إلى النظر عن كثب في التسلسل الزمني للأحداث التي أصبحت فيها "مكافحة الإرهاب"، وليس المفهوم المدعوم من الأمم المتحدة "المسؤولية عن حماية المدنيين"، أولويتنا الوحيدة؛ وأصبح التدخل العسكري ضد داعش مستساغا سياسيا في عام 2014 ليس بسبب تعرض العرب واليزيديين للذبح، ولكن بسبب قطع رؤوس الرهائن الغربيين.

 
وتتابع : سوريا مأساة حقيقة لأوربا لا لأنها أربكت ساسة قارتنا بسبب اللاجئين، بل لأنها جزء لا يتجزأ منا؛ لأننا بينما نود أن نعتقد أننا قادرون على النظر إلى أنفسنا في المرآة بعد مذابح أوربا في القرن العشرين، فقد تخلينا عن إنسانيتنا بغض الطرف عما يحدث في سوريا وتسلل إلينا جزء من ويلاته.. سوريا هي عار علينا وهزيمة أخلاقية لأوربا.

 

4 + 0 =