إرتريا ... رحيل أمة
18 جمادى الثانية 1439
محمد رمضان

(1)
كثيرون يذهبون من حياتنا دون أن يبقى لهم أثر، وقليلون جداً من يسجلون أسماءهم بأحرفٍ من نُور على صفحات تاريخ بُلدانهم وشُعوبهم ، فيعيشون في ذاكرة الأجيال على مرِّ العُصور فيبقون خالدين في الذاكرة ، والشيخ موسى محمد نور أصبح من الذين نحتت اسمائهم فى جِدار التاريخ الإرترى وسُطر إسمه فى الخالدين من رجال أرتريا ورموزها.

(2)
أن تترك تاريخاً خالداً لشعبك لتتوارثه الأجيال لايكون ذلك مُصادفة بل هو إيمان عميق بالحُقوق وتُقيد صارم بالقِيم والمبادىء، وثبات راسخ يُعبر عن الإعتزاز، وإرادة صلبة قوية ترتكز على موروث قيمى خالد فى الدفاع عن كل ماهو مقدس ، ورفضُ للظلم وصونُ للكرامة مُمتد ومُتأصل ، كل ذلك كفيل بصناعة موقف ومواجهة نتائجه مهما كانت التحديات والمخاطر والظروف وهو ماحدث بالضبط مع شيخنا الراحل موسى محمد نور فى مواجهة نظام قمعى لايحكم بقانون ولا يتقيد بُعرف ولا يمتثِل لقيم المُجتمع.

(3)
إن الشيخ محمد نور لمن لايعرف سيرته كان من الناشطين فى العمل الوطنى فى بواكير شبابه عضواً فى الرابطة الإسلامية وحركة تحرير إرتريا، وعند قيام الثورة كان عضواً بجبهة التحرير الإرترية يقدم المساعدات لرجالها فى قلب العاصمة الإرترية وكان بيته مُنطلقاً للعمليات الفدائية وتعرض نتيجة ذلك للإعتقال فى عهد الإستعمار الإثيوبى ، وفوق ذلك فالرجل كان سنداً للفقراء دون تمييز، وسباقاً فى عمل البِر والإحسان ، كان شيخنا التسعيني الذى أنتقل إلى رحمة مولاه فى الثالث من مارس الجارى رئيساً لمجلس الآباء بمدرسة الضياء الإسلامية بالعاصمة أسمرا وهى مدرسة أهلية قامت بجُهداٍ ذاتي من الأهالي
وقد طالب النظام الحاكم فى ارتريا إدارة المدرسة بعدم تدريس التربية الإسلامية لطلابها ومنع لبس الحجاب لطالباتها فوجد هذا القرار إستنكاراً كبيراً ورفضاً من الأهالى ، فقام الشيخ محمد نور بمخاطبة الآباء فى إجتماع خُصص لمناقشة القرار وحينها أعلن الشيخ الراحل برفضه لقرار النظام جُملةً وتفصيلاً وقال قولته المشهورة: (نحن مُستعدون لتحمل المسؤولية ونحن على أتم الإستعداد للإعتقال أو الموت في سبيل ديننا). وتم إعتقاله بعد ذلك اللقاء فكانت إنتفاضة وتظاهرة لفت شوارع العاصمة بتاريخ 31/10/2017 مُعلنين تضامنهم الكامل مع شيخهم ورمزهم مؤكدين مشروعية حقوقهم كمواطنين فى وطنهم وكان نتائج ذلك إعتقالات واسعة فى وسط الشباب والرجال وحتى النساء ولم ينجوا منها كبار السِن ولا يزال الكثيرين منهم فى مُعتقلات النظام بلا محاكمة ، وقد طُلب من شيخنا الراحل التوقيع على ورقة إعتذار ليطلقوا سراحه من المُعتقل فكان رده إن الموقف الذى إتخذته هو موقف ثابت لارجعة فيه وهو حق لاتنازل ولا رجعة عنه وهكذا مات شيخنا الراحل الخالد شامخاً فى مُعتقله ليكون شهيدا بقامة وطن .

(4)
وهكذا رحل الشيخ التسعيني بعد أن سطر موقف الكرامة فى جبين التاريخ الإرترى .
رحل بعد أن ختم حياته بموقفٍ خالد ستتناقله الأجيال الإرترية على إمتداد التاريخ .
رحل وقد كتب تاريخاً جديداً للشعب لينهض من وهدة التردى والإنكسار ليصنع تاريخاً للعزة من جديد .
رحل الشيخ الحاج موسي محمد نور بعد ان إختار الإنحياز لدينه وكرامة مواطنيه حين أراد النظام إنتهاك المُقدسات فكسر بذلك حاجز الخوف وغرس فى الشعب جذوة المقاومة وعدم الرُكون للمُستبد. رحل وقد صار شهيداً شامخاً كنخيل بلادى بإذن الله ، صامداً كجبالها ، باسقاً كتاريخ نضالها ، ولهذا سيظل إسمه معلماً للقادمين من الأجيال ونبراساً للسالكين ودفعاً جديداً لمسيرة التغيير، ورسالة لنظام القمع بأن للظلم نهاية ، وسجل برحيله وسمة عار للنظام الظلامى بوفاة شيخ تجاوز التسعين من العُمر فى زنزانةٍ بالُمعتقل.
رحم الله شيخنا وزعيمنا بِمقدار وقفته العظيمة وشجاعته النادرة وتعازينا للشعب الإرترى كافة ولرفاقه وأسرته الكريمة المُناضلة وإنا لله وإنا إليه لراجعون .

 

المصدر/ سودانيز أونلاين

3 + 11 =