11 ذو الحجه 1440

السؤال

كيف أتصرف مع زوجي أنا متزوجة منذ 9 سنوات ورزقت بـ5 أطفال، الحياة مع زوجي أصبحت لا تطاق يحاسبني على جميع تصرفاتي على كل كلمة أقولها، كيف ولماذا وماذا تقصدين من هذا الكلام، ولماذا أتعامل معه ببرود عندما يكون متعصب ويهجرني بالشهر والشهرين على أسباب تافه لا يأكل من أكلي ولا يتعامل معي في أي شيء.
يصبح أبني هو المرسال بيننا وعندما يصالحني يذكر لي أسبابا تافهة لخصامه، لا يساعدني في أي شيء في البيت عندما أطلب منه مساعدتي في تدريس الأطفال يقوم بالضرب، أو في البيت يقول هذا شغل نساء ليس للرجال، لا أعرف كيف أتعامل معه دائماً أدعو من الله أن يصلح بيننا ويحنن قلبه علي..
وشكراً لكم.

أجاب عنها:
سميحة محمود

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً..
أما بعد:
ابنتي الحبيبة.. ذكرتِ أنك متزوجة منذ (9 سنوات) وأن لديك (5 أطفال) وأن زوجك من النوع الذي يحاسب على كل كبيرة وصغيرة، وفوق ذلك سريع الغضب، أي يتعصب لأتفه الأمور، فهذا النوع من الأزواج يحتاج المرأة الذكية التي تعرف متي تتكلم ومتي يكون الصمت أفضل، لأنك في ظل ظروفك وأعبائك من مهام البيت المختلفة ورعاية خمسة أبناء وزوج، لن تستطيعي الصمود ومواصلة مسيرة الحياة، وأنتي خلال هذه المسيرة تفقدي طاقتك ودافعيتك الإيجابية وتستبدليها بطاقة سلبية وعزيمة منهكة، وأبناؤك يحتاجون أما قوية قادرة علي العناية بهم وتلبية متطلباتهم، ورعايتهم، وتنشئهم النشأة السليمة وزرع القيم والأخلاق في نفوسهم، ومتابعتهم دراسيا وحل مشاكلهم المختلفة ومتابعهم تربويا وصحيا وسلوكيا... حقيقي أنتي عليك مسئولية عظيمة وأمامك مشروع استثماري ضخم قوامة خمسة أبناء سيكونون لك سندا وظهيرا وحجابا لك من النار بإذن الله يوم القيامة.

 

لهذا أريد منك يا قرة العين أن تخلي بنفسك بعض الوقت وتسترجعي بذاكرتك بعض المواقف التي تعصب فيها زوجك والحوار الذي سبق الموقف وردود أفعالك اللفظية والحركية ونظراتك له أثناء الموقف، وتحاولي من خلال تلك المراجعات معرفة الأسباب التي تجعل زوجك يتعصب، كما أريد منك من خلال تلك المراجعات أن تحددي أسباب ملاحقة زوجك لك بالأسئلة، وهل طريقة إجاباتك تجعله يتعصب عليك، فلربما أنتي أثناء حواركما تبادليه سؤالا بسؤال، أو تحاولي أن تجبيه بطريقة مجملة وهو يريد معرفة ما يسأل عنه بطريقة شاملة أو إجمالية أو تفصيلية، أو ربما يصدر منك إيماءات أو إشارات تدل على عدم اكتراثك بسؤاله أو عدم اهتمامك بما يطلب أو أي شيء من هذا القبيل. المهم من خلال تلك المراجعات والتي أريد منك الإنصاف فيها والحيادية ربما يتضح لك بعض الكلمات أو الإشارات التي تستفز زوجك وتجعله يتعصب وينكد عليك لدرجة الخصام والمقاطعة. كما أريد منك معرفة أسباب التعصب والخصام، أريد منك أيضا أن تفتشي عن الأشياء التي تسعده، وما هي الأوقات التي يكون فيها صاحب مزاج رايق أو علي الأقل معتدل.. فربما بهذه الوقفة مع نفسك تكتشفي أمور تجعلك تعيدي النظر في الكثير من تصرفاتك ومواقفك.
 

على العموم يجب أن تعلمي تماما أنك بالنسبة لزوجك شيء عظيم، فهو قد اختارك وقدمك علي سائر النساء؛ فارتبط بك عقلا وقلبا، وأستأمنك علي أسمه وشرفه، وأنتي أم أطفاله وشريكة حياته ورفيقة دربه، فإن كان لديه بعض الطباع التي لا تعجبك، فكل رجل يحمل من موروثات بيئته ما لا يستطيع التخلي عنها، فإن كان عصبي المزاج ومستفزا في تعاملاته، فهو بلا شك يحمل قلبا حنونا عليك وعلي أطفاله، وإن كان لا يظهر هذا الحنان إلا وقت الشدة والأزمات، لأنه ربما قد تربي علي أن إظهار عواطف الرجل لزوجته وأطفاله ينتقص من رجولته.. ربما هو تربي علي ذلك فكوني صبورة ولا تتوقعي منه تغيير ما شبّ عليه، والتمسي له العذر عند غضبه ولا تنسي أن الرجل تقع عليه أعباء العمل، وربما يتعرض لمضايقات واستفزازات من أناس يفقدونه صبره وحلمه فلا يستطيع أن ينفث عن غضبه في مكان عمله؛ فإذا ما عاد إلي بيته أنفجر مفرغا كل شحنات الغضب التي قد أختزنها طوال اليوم.. فكوني أنتي البلسم الشافي والصدر الحنون الذي يستوعب كل انفعالاته، ولا تغضبي إذا كان غاضبا، بل كوني دائما الوجه المشرق والعقل الواعي الذي يفهم ما يريد دون أن يتكلم، رتبي حاجياته واحترمي رغباته وضعيه علي أولوياتك.. اصمتي إذا أحب منك الصمت، وأنصتي إليه إذا تكلم، وتحاوري معه بوعي إذا تحدث معك، وأجبيه على أسئلته بكل اهتمام.
 

ابنتي الكريمة.. شيء طبيعي أن يكون هناك وقت صفاء بينك وبين زوجك، فلماذا لا تستغلين هذا الوقت وتخبري زوجك أنك تتألمين من حدة غضبه، وأن الأبناء يحاكونه في ذلك ومن الأفضل أن يشب الأطفال في جو هادئ حتى تكون التنشئة مستقرة والنفسية سوية. كما تحدثي معه في بعض مشاكل الأبناء والتحديات التي تواجه تربية الأبناء في هذا الزمان، كما أطلب منك أن تعربي لزوجك عن شكرك وامتنانك للمجهود الذي يبذله من أجل تلبية طلبات المعيشة، ثم تطرقي إلي أن دور الأب ليس محصورا في جلب المال فقط، بل هو مطالب أيضا برعاية أولاده وتربيتهم والقيام بتعليمهم وتوجيههم ثم أذكري له حديث الرسول صلي الله عليه وسلم: ".... وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ.."، والله تعالى أمر المؤمنين بأن يقوا أنفسهم وأهليهم نارا فقال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ". فمن الخطأ البين القول بأن الأب ليس مطالبا بتربية أولاده وأن التربية من مسؤولية الأم فقط، بل التربية مسؤولية مشتركة بين الزوج والزوجة. ومن ثم فلا يصح على الأب – مهما كانت مشاغله- أن يتخلى بالكلية على القيام بمهامه تجاه تربية أبنائه، وأن يلقي بالتبعة الثقيلة على الأم وحدها، فهذا ظلم كبير منه، وتقصير شديد سيحاسبه الله عليه. ثم أذكري له كيف كان رسولنا الكريم مع أهله، فقد سألت عائشة (رضي الله عنها) ما كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يصنع في بيته؟ فقالت: كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة يتوضأ ويخرج إلى الصلاة). وعن عائشة (رضي الله عنها) قالت: كان يخيط ثوبه ويخصف نعله ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم- رواه أحمد. وقال (صلى الله عليه وسلم): "إن من أعظم الأمور أجرًا النفقة على الأهل" رواه مسلم.
 

فإن لم تجدي من زوجك استجابة، فاعلمي أن هذا قدرك وابتلاء أراده الله بك لحكمة عظيمة فقابلي ذلك بالصبر واحتساب الأجر ولا تسخطي، وعليك بالدعاء واللجوء إلى الله لينير بصيرتك ويرشدك لما يرضاه. وما يرضاه الله هو الخير والسعادة، واعلمي أن كثيرا من الزوجات ابتلوا فصبروا وأحسنوا وفي النهاية كانت العاقبة لهم وصلح أبناؤهم ولا تظني أن كثيرا من البيوت خالية من المشاكل.
 

ابنتي الحبيبة.. بقيت نقطة مهمة تغفل عنها الكثير من الزوجات، فبعد مرور سنوات الزواج والانشغال بتربية الأبناء، تبدأ الزوجة بالانفصال روحيا وعاطفيا عن زوجها فتهمل زينتها وجمالها، بل أحيانا تبدو مرهقة ومتعبة فلا تلبي احتياجاته العاطفية، وهذا السبب في الحقيقة سبب معظم المشاكل الزوجية، لأن الزوج حين تهمل الزوجة رغباته يبدأ في افتعال الأزمات معها والتعصب علي كل كبيرة وصغيرة، وهي لا تدري أن السبب الرئيسي فيما وصلت إليه حالة الزوج يكمن في غرفة النوم، وفي حرمانه من حقوقه الطبيعية. ولهذا نصيحتي لك – ابنتي الجميلة – أن لا تنامي قبل ترطيب قلب زوجك وتليين مزاجه وتهدئة أعصابه، وثقي ثم ثقي أن هذا الأمر سيكون له مردودا جيدا علي علاقتكما.. لا تقولي أنا طوال اليوم منهكة ومتعبة من كثرة الأعباء التي علي كاهلي، فجهدك هذا تؤجرين عليه جنة عرضها السموات والأرض.. ألا تحبين أن يكون لك قدم في الجنة؟؟
وفي الختام.. أسأل الله أن يصلح زوجك ويحفظ أبنائك وينشئهم نشأة صالحة، ونحن في انتظار جديد أخبارك فطمئنينا عليك.

عبدالعزيز بن باز رحمه الله
د.عبدالكريم الخضير
عبد الرحمن البراك
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء