1 رمضان 1440

السؤال

أنا في 14 من عمري، كرهت حياتي بسبب الحجاب الذي ألبسَتْه لي أمي وأنا صغيرة (10 سنوات).. كنت حينها صغيرة ويبدو الأمر ممتعاً، ولكن بعد أربع سنوات أي الآن ندمت أكبر ندم وأتمنى أن يعود بي الزمان فلا ألبسه إلا عندما أكبر؛ فعندما أرى فتيات لا يرتدين الحجاب في نفس عمري أو أكبر أو أصغر، مثل زميلاتي أحسدهن وأنظر إليهن نظرة حزن وندم، فقد تقصف شعري وجف بسبب الحجاب ولم أعش طفولتي مثل باقي الفتيات، كرهت حياتي، لو الانتحار حلال لانتحرت.. هل يوجد حل؟!

أجاب عنها:
أميمة الجابر

الجواب

ابنتي الكريمة:
من الجيد أن يكون الإنسان واضحاً مع نفسه، وأن يكون صريحاً مع اختياراته، لكن بشرط أن تكون تلك الاختيارات وذلك الوضوح في رضا الله سبحانه وفي حدود ما أمر سبحانه.

 

والإنسان المؤمن يجب أن ينتصر في داخله في صراع الخير والشر، فينتصر الخير به على الشر، حتى لا يتيح للشر أن ينغص على الخير حياته وأفكاره، ولا يظل متردداً، يحب فعل هذا الذنب لكن يمنعني كونه حراماً، وهذا ينبغي أن يتنزه المؤمن عنه، بل يجب أن يبغض المؤمن ويكره كل حرام، ويتنصل من كل ما يغضب الله سبحانه.
 

لفت نظري في كلماتك قولك (وأتمنى أن يعود بي الزمان فلا ألبسه إلا عندما أكبر)، وهي جملة احتوت على قسم سلبي وآخر إيجابي، فأما الإيجابي فهو معناه أنك مؤمنة فعلا من داخلك بالحجاب إذ تريدين لبسه عندما تكبرين، وأما السلبي فهو أنك نادمة أنك لبستيه في الصغر!
 

ودعيني أسألك سؤالا: هل يضمن الإنسان أنه سيعيش عندما يكبر؟ إن العمر بيد خالقه وممكن تكون نهاية حياتنا الآن أو قريبة، فخسارة كل الخسارة أنك مؤمنة بالحجاب وتؤجلين ارتداءه فما يدريك بالمستقبل؟
 

أيضا كلمة مشابهة قولك: (لو الانتحار حلال لانتحرت) فأنت تعرفين حرمته وهذه الحرمة هي ما منعتك من الفعل، وهذا جيد ولا شك، لكن ينبغي أن يكره المؤمن الانتحار ويبغضه إذ هو يهوي بالمرء في نار جهنم، ففي الحديث "من احتسى سماً فهو في نار جهنم يحتسيه خالداً مخلداً فيها، ومن تردى من جبل فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً، ومن قتل نفسه بحديدة فهو بحديدته في نار جهنم خالداً مخلدا فيها..".
 

والخلود هنا معناه طول العذاب،
وفي الحديث القدسي: "عبدي بادرني بنفسه -أي: قتل نفسه- فقد حرمت عليه الجنة".

 

أيتها الابنة:
تقولين في رسالتك "كرهت حياتي"، وأقول لك: وما الحياة إن لم تكن في طاعة الله ورضاه؟ قال سبحانه: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [النحل:97].

 

لقد كنت وأنت صغيرة غير مفروض عليك الحجاب لكنك ارتديتيه، وهو فعل خير ومكرمة وفضيلة قد سابقت بها غيرك، والآن أنت في سن أعتقد بدأت منذ فترة في سن التكليف فقد فرض عليك الحجاب لقوله تعالى: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور:31].
 

فالحجاب طاعة لله عز وجل وطاعة لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، فما فرضه الإسلام ليقيد به حرية المرأة بل وقاية لها وعفة وطهارة وإيمان.
 

أما التبرج فهو معصية لله ورسوله، وضد فطرة المرأة، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" فقالوا يا رسول الله ومن يأبى؟!، قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" رواه البخاري.
 

الابنة الكريمة:
إذا كانت أمك ألبستك الحجاب وأنت صغيره فقد فعلَتْ ذلك لتعويدك عليه ولتشاركي في الشعيرة الإيمانية الرائعة، و ليس لحرمانك من طفولتك، واعلمي أن الله سبحانه سيعوضك هذه الطفولة التي تتحدثين عنها بركة وهدى، ولو سألتك عما منعك الحجاب منه في طفولتك؟! هل منعك عن لعب تلعبينه؟ أو عن علم تتعلمينه؟ أو عن تجربة تنفعك؟ فالإجابة لا ولاشك، فأين هو ما افتقدتيه؟!

 

أما زميلاتك اللاتي لم يرتدين الحجاب فهن غير قدوة لك، فهن على الخطأ وأنت على الخير، وأنت في الأعلى وهن لا، وأنت في أول الصف وهن في آخره.... لا تستوون.
 

أما شعرك الذي خيل لك أنه تقصف فقد صوره لك الشيطان اللعين بذلك حتى يكرهك في حجابك ويخرجك من النور إلى الظلام ويعكر عليك صفو حياتك، فالحل فيه قليل من الكريمات والاهتمام به والغذاء الجيد، لأنك أهملت غذاءك في هذه الفترة؛ فبالتأكيد كل ذلك سبب هذا الأثر.
 

عليك بالأمل فيما عند الله تعالى، فاليوم أفضل من الأمس، وغداً بحسن ظننا بالله سيكون إن شاء الله أفضل من اليوم ولا تنسي اللجوء إلى الله سبحانه والدعاء بأن يشرح صدرك للحجاب ومواصلته سبحانه بالمحافظة على الصلاة في مواعيدها والمحافظة على الأذكار اليومية، ومصاحبة الصديقات الصالحات فالمرء على دين خليله.

عبدالعزيز بن باز رحمه الله
عبد الله بن حميد
عبد الرزاق عفيفي رحمه الله
عبدالعزيز بن باز رحمه الله