6 شعبان 1439

السؤال

أنا طالب علم، أحب العلماء كثيرا، لكنني أجد في نفسي كثيرا عندما أجد أحدهم لا تطابق أعماله ما قرأت عنه من سير العلماء، وهذا يجعلني أستشعر بانتقاص لهم وأنهم ليسوا أهلاً لحمل رسالة العلم، في بعض الأحيان أشعر أن هذا من الشيطان لأبتعد عنهم وأتركهم، لكنني أقول في نفسي إنني أبحث عمن يعمل بما يقول وليس فقط يحفظ ما يقول، هل أنا على صواب أو خطأ؟

أجاب عنها:
الشيخ أ.د. ناصر بن سليمان العمر

الجواب

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:

فإن لي مع سؤالك وقفات:

أولا: مقام العلماء رفيع، يقول الله سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، وقال سبحانه وتعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}، ويقول عليه الصلاة والسلام: «مَثَل مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّة قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ» متفق عليه.

فهؤلاء هم أهل العلم الذين أخذوا عن النبي صلى الله عليه وسلم سنته، فانتفع الناس من هذا العلم بفضل حفظهم.

 

وقال صلى الله عليه وسلم: «وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» أخرجه أحمد.

 

قال شيخ الإسلام رحمه الله: "كل أمة قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم علماؤُها شرارها، إلا المسلمين فإن علماءَها خيارُها" رفع الملام.

 

يقول ابن القيم: "هذا دليل على أنهم أقرب الناس إلى الأنبياء؛ في الفضل والمكانة والمنزلة؛ لأن أقرب الناس إلى المورث ورثته، ولهذا كانوا أحقَّ بالميراث من غيرهم".

وقال الحسن: "الدنيا ظلمة إلا مجالس أهل العلم".

 

ثانيا: انتقاص العالم والوقوع فيه وقوع في مؤمن، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه" أخرجه مسلم، وأمر الله بحفظ أعراض المؤمنين، والعلماء هم صفوة الناس.

 

ثالثا: ما انتشر الفساد، ولا المنكرات، ولا اتسع الناس في الشهوات المحرمة إلا ببعدهم عن علمائهم، ولا انتشرت الشبهات ولا التساهل في المحرمات إلا بسبب ترك العلماء.

 

رابعا: لا يصح لأحد أن ينتقص طالب العلم المستقيم على علمه، لكن طالب العلم ولا شك ليس معصوماً من الخطأ، فينبغي إعذاره ما دام عرف عنه الاستقامة والفضل، وينبغي نصحه وتبصيره.

 

خامسا: كلنا ذوو خطأ، لكن المشكلة هي الإصرار على الخطأ بعد البيان والتبصير، وليست المشكلة في الخطأ ذاته.

 

سادسا: أنت لست محاسباً عن الناس ولا عن تصرفاتهم، يقول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} لكن لاحظ {إِذَا اهْتَدَيْتُمْ}، يقول النووي: معناه: أنكم إذا فعلتم ما كُلِّفتم به فلا يضركم تقصير غيركم.

 

سابعا: أنصحك ألا تنظر للناس بهذه النظرة ولا تقيم الناس فقط بما يظهر لك من أعمالهم فتذهب لتقول أبغضهم وأكرههم فأنت قد أخذت مظهراً استبدلته بحكم قلبي، وما يدريك عن هذا وقربه من الله جل وعلا، أو الخير الذي عنده وما هي الأسباب، فلا ينبغي لك ذلك.

 

فعن عمر رضي الله عنه: أَنَّ رَجُلاً َكَانَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ جَلَدَهُ فِى الشَّرَابِ، فَأُتِىَ بِهِ يَوْماً فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ، فَقَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم: "لاَ تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إلا أنه يحب الله وَرَسُولَهُ" أخرجه البخارى 

 

ثامنا: احذر أن يكون الشيطان أوقعك في أمرين: أن أَدْخَلَ في قلبك بغضاً لرجل مؤمن، أو حجبك عن طريق الخير.

فاستمر على محبتك لهؤلاء المؤمنين، ومن حبك لهم أن تدعوهم للخير، ولو اختلفْتَ مع أحد، فليكن خلافك منهجياً راقياً خلوقاً، وعليك أن تحب لهم الخير وتدعوهم إلى الخير.

 

تاسعا: علماء الأمة فيهم الخير الكثير، فاسلك طريق العلم وستجد مِن أهل الخير مَن ظاهرهم كباطنهم، وهم قدوة في القول والعمل، فابحث عمن يجتمع فيه الأخلاق والعلم وستجدهم كثر بإذن الله.

 

عاشرا: إذا رأيت تقصيراً من أحد من الدعاة أو طلاب العلم، فأرسِلْ إليه واستفسر منه، وانصحه، وبيِّن له، فلعل بيانه يشفي ما في صدرك، واعلم أن لكل إنسان ظروفاً قد لا تشبه الآخرين، فأحسن الظن في المؤمنين وفي أهل العلم، فهم يحبون الله ورسوله، فأعنهم على الخير. والله أعلم.

 

وأخيراً: لا تفرح الشيطان، ولا يظفر بك مرتين: عندما يفسد قلبك بانتقاص العلماء، وعندما يمنعك من طلب العلم؛ فاتق الله واطلب العلم، من أجل أن تكون قدوة وللمتقين إماماً.

وفقك الله وسددك وجعلك مباركاً أينما كنت.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عبد الله بن حميد
عبدالعزيز بن باز رحمه الله
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء