17 جمادى الثانية 1439

السؤال

كيف يرى فضيلتكم أهم النصائح للدعاة إلى الله تجاه الشباب وهل صواب ما يفعله بعض الدعاة من تقديم تنازلات لتسهيل التدين أمام الشباب؟

أجاب عنها:
الشيخ أ.د. ناصر بن سليمان العمر

الجواب

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:

هذه عدة نصائح مختصرة للدعاة إلى الله تجاه الشباب:

فأولها: مستفاد من قوله صلى الله عليه وسلم: "تركتُ فيكم أمرين لن تضلُّوا ما تمسَّكتم بهما: كتاب الله، وسُنَّة رسوله"، أخرجه مالكٌ في الموطأ، وفي حديث جابر عند مسلم "تركت فيكم ما لن تضلوا إن تمسكتم به كتاب الله"، وإذا ذُكر كتاب الله وحده فالمراد به الكتاب والسنة لأن في الكتاب {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} وهكذا.

 

فكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم هما أصلا النجاة، فلابد أن تنطلق الدعوة منهما، ولا تحيد عنهما بحال، يقول الإمام مالك: (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها).

 

فلندرس منهج النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله، في تعامله مع الشباب، وهذا موجود في السنة، وأكثر ما نجده في المدينة، كيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع شباب الصحابة.

 

ثانيا: المنهج لا جديد فيه، ربما تختلف الأساليب من زمن لزمن، ومن ظرف لظرف، ومن مجتمع لمجتمع؛ فالوسائل لها أحكامها ولا مانع من التجديد فيها، بخلاف الأصول فإنها ثابتة.

 

ثالثا: الرفق في التعامل مع الشباب ودعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة هو الأصل؛ فما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع عن شيء إلا شانه كما في قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم.

 

وانظر إلى تعامله صلى الله عليه وسلم مع الشاب صاحب المعصية الذي يقول ائذن لي في الزنا كيف تعامل معه النبي صلى الله عليه وسلم بالرفق والنصح والإقناع (الحديث في مسند أحمد).

 

رابعا: فيما يتعلق بسؤالك عن التنازل، فلي هنا وقفات:

أ - التنازل يجر على الإسلام مضرة كبيرة، فنحن ندعو الناس للإسلام فيجب أن نقدم الإسلام -كما هو - غضاً طرياً، وكما في الحديث "تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك" ابن ماجه.

 

ب - إذا كان التنازل مقصوداً به التيسير مما له دليل ثابت معتبر، فلا حرج؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما إن لم يكن إثماً، وسفيان رحمه الله يقول: " أما التشديد فكل أحد يحسنه ولكن الفقه هو الرخصة بدليل".

 

ج - أما التنازل والتساهل في ثوابت الدين، كما يحصل من بعض الدعاة فهذا ما لا يُقبل، بل هو انحراف عن الطريق.

 

د - وبغض النظر عن النيات الطيبة للبعض، فالنية وحدها لا تصحح العمل، إذا لم يكن معها الاتباع.

 

هـ - من أخطار التنازل أنه لا نهاية له، فإذا بدأ فستستمر سلسلة من التنازلات متتابعة كانفراط العقد، وتذهب ثوابت الدين، ويقدِّم ديناً مشوهاً.

 

و - الثوابت في الشريعة لا تتغير، وضوابط الوسائل والمتغيرات موجودة في الشريعة بيّنها العلماء، لكن بشرط أن يكون لها دليل.

 

ز - في الحديث: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، فكذلك أيضاً التنازل عن شيء هو بدعة لأنه أحدث شيئاً، وجاء بشيء لم يأت به النبي صلى الله عليه وسلم سواء وجوداً أو عدماً، فكلاهما يدخل في الانحراف والإحداث والبدعة.

 

ح - هناك فرق بين هذا وبين التدرج الذي جاءت به الشريعة، فالتدرج له منهج شرعي منضبط.

 

ط - نحن مطالبون بتقديم قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ}، والحق هو الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وقال سبحانه: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}، وقال سبحانه: {وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}، فهذه الآيات ترسم منهجاً للثبات.

 

ي - تحدثت عن هذا في كتابي "وما بدلوا تبديلاً"، وبيَّنت أسبابه، وكذلك بيَّنته في كتاب "حقيقة الانتصار".. والله أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

د. عبد الله الجبرين رحمه الله
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء