د. أحمد الغامدي | 7/1/1429
أولاً: المقدمة:
الحمد لله ما أشرق صباح، وما غرد بلبل صداح، الحمد لله ما انساب نهر، وما أورق شجر، وما تلألأ نجم وقمر، والصلاة والسلام على الخليل المجتبى، والرسول المصطفى محمد وعلى آله وصحبة أجمعين، أما بعد:
فإن هذه محاضرة بعنوان: (سمات المرأة المسلمة المعاصرة، والتحديات التي تواجهها). ألقيت على مسامع أخواتنا الفاضلات، في كلية التربية للبنات بالباحة، الأقسام الأدبية يوم الاثنين الموافق: 13/2/1427هـ وحيث إنها لاقت استحسان ثلة من المستمعات، عمدت إلى كتابة أطرافها، رجاء أن ينفع بها من تراها من أخواتي المسلمات الكريمات.
أهمية المحاضرة:
إن هذه المحاضرة بعنوانها الكريم تأخذ أهمية قصوى تبرز عبر الآتي:
1. إن المستهدف بها هو النصف الآخر من المجتمع، والذي يلد النصف الآخر، تمثله النخبة المتعلمة من أخواتنا الموفقات.
2. إنها تعالج محورين شموليين، كل واحد منهما حري بالبحث والدراسة العلمية، والتربوية والاجتماعية الرصينة.
3. تركيز المؤسسات التغريبية بقيادة الصهيونية العالمية، ومؤسسات الاحتلال، وعملاؤهم على عنصر المرأة الآن، باعتبارها كما يزعمون صيداً سهلاً، فاعلاً في الحياة سلباً، غفل عنه مخططو الحروب الصليبية السابقة.
4. إن سمات المرأة المسلمة المعاصرة أخذت بعض أبعاد، هي بحاجة ماسة إلى مراجعات، في ضوء ثوابتها الشرعية.
5. إن بعض أوساط نسوية قلة في مجتمعنا، تجاوبت وبشدة مع دعوات تحريرية؛ علمانية لبرالية وجودية ذرائعية نفعية مادية شهوانية.
ثانياً: محاور المحاضرة: المحور الأول: المرأة المسلمة المعاصرة والثوابت: مما لا يشك فيه عند كل مسلمة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن هناك ثوابت شرعية ترسم حياة الناس عموماً، ومن ذلك حياة المرأة على الخصوص وهي في الجملة كالآتي:
1. اليقين التام بأن المرأة مخلوقة لله تعالى مكلفة مأمورة بعبادته وحده دون سواه كما أراد هو جل وعلا لا كما أرادت هي قال تعالى: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ}الأعراف54 وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}الذاريات56
2. اليقين التام بأن القرآن الكريم والثابت من السنة النبوية والإجماع الصادق والقياس المنضبط بشروطه هي مصادر التشريع في حياة المرأة المسلمة المعاصرة وأنها الدالة على الخير والسعادة في الدنيا والآخرة والتي يجب التسليم والانقياد لها محبة ورغبة وإجلالاً كما قال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً}النساء65.
3. اليقين التام بأن هذا الدين هو الخاتم الذي لا دين بعده، وأنه الحق الذي لا يسع أحد غيره، وأنه صالح لكل زمان ومكان في الاعتقاد والتشريع وشؤون الحياة النسوية بعامة. وأن ما سواه جاهلية مقيتة كما قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}المائدة50.
4. اليقين التام بأن الصورة التطبيقية لحياة المرأة المثالية هي ما كان عليه أمهات المؤمنين والصحابيات رضي الله عنهن وأرضاهن. وعليه فإن المرأة المسلمة المعاصرة في اعتقادها وعباداتها ومعاملاتها وسلوكياتها بين أمرين:
الأول: إمكانية أتباع أمهات المؤمنين في ذلك كله أم لا فإن أمكنها ذلك فلا يخلو إما أن يكون المقتدى فيه واجب أم مستحب أم مباح فإن كان واجباً فالإقتداء فيه واجب وإن كان مستحباً فالاقتداء فيه مستحب وإن كان مباحاً مما لم يرد فيه أمر ولا نهي فإنها تفعل ما تراه أقرب إلى سمات الصحابيات رضي الله عنهن جميعاً.
ثانياً: إن كان مما لا يمكن الاقتداء فيه بالصحابيات مما هو محدث من المخترعات والوسائل الحديثة التي لم تكن في عهد الصحابيات والصالحات من بعدهن فإن المرأة المسلمة المعاصرة تقدم درء المفاسد على جلب المصالح، وتستفتي العلماء الراسخين في العلم المشهود لهم بالعدالة والصيانة والديانة، فإن لم يكن ذلك استفتت قلبها فما حز في الصدر وكرهت أن يطلع عليه الآخرون تدعه. ففي الصحيح قال _صلى الله علية وسلم_: "... من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه".
5. اليقين التام بأن جميع المناهج الوضعية مهما زينها أصحابها بالشهوات والشبهات هي مزاحمة للشريعة الربانية لا يجتمع في قلب مسلمة حبها وحب الشريعة أبداً، وأن تلك المناهج قاصرة جائرة متناقضة كما قال تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً}النساء82 وعلية فإن ما في تلك المناهج من خير فإن الشريعة قد سبقت إلية فالله أعلم بمصالح عباده من أنفسهم، قال تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}الملك14.
6. اليقين التام بأن ما شرعه الله من حقوق للمرأة هو قمة العدل والإحسان حيث ساوى بين الرجل والمرأة فيما يمكن فيه التسوية والاشتراك ومايز بينهما فيما يوجب ذلك باعتبار الخلقة والاستعدادات النفسية والجسدية قال تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ}النحل90.
7. اليقين التام بأن ما لم يكن ديناً على عهد الرسول صلى الله علية وسلم لا يكون ديناً الآن حيث إن المرأة المسلمة عاشت أحقاباً من الدهر إلى زمننا هذا لم تعرف الدعاوى الباطلة الآثمة التي تنازع الله _جل وعلا_ في أمره ونهيه وقدره باسم الحرية وحقوق المرأة.
8. اليقين التام بأن الخير والشر في صراع دائم إلى قيام الساعة وأن المرأة المسلمة المعاصرة في معركة دائب مستعر أوارها، وعلية فإن أعداء الله تعالى ما برحوا يوجدون الخصومة بين المرأة والرجل والمرأة وكتاب ربها تعالى وهذا خلاف الحقيقة الصادقة. قال الله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ}البقرة228.
9. إن ما نال المرأة من ظلم واستبداد قديماً وحديثاً ترفضه الشريعة الإسلامية وتنكره أشد النكير وتوجب تغييره، فكيف تلام وهي التي حمت حمى المرأة قديماً وحديثاً.
10. إن المرأة المسلمة المعاصرة محاسبة على أعمالها إن خيراً فخير وإن شراً فشر قال الله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}الزلزلة8
المحور الثاني: المتغيرات في حياة المرأة المسلمة المعاصرة الآن:
إن حياة المرأة المسلمة المعاصرة الآن وفي نواحي شتى لم تعد تلك الحياة البسيطة السهلة كما كانت لأخواتها من ذي قبل، بل طرأ عليها متغيرات عدة مركبة، ساهمت إلى حد بعيد في ملامح شخصيتها، و من أبرزها الآتي:
1. خفاء جملة وافرة من أحكام الشريعة الإسلامية ذات المساس بحياة المرأة باطناً وظاهراً.
2. الميل الشديد إلى الترف ومحاكاة الآخرين، ولا ريب أن الترف مذموم شرعاً لما يحدثه من بطالة ودعة وسكون انعكست على الروح بالضنك والشقاء النفسي، وعلى الجسد بالخمول والترهل والأمراض العصرية الفاتكة، ناهيك أختي الفاضلة عن استجابة المترفات إلى محاكاة الآخرين حتى أصبحت إحداهن صورة طبق الأصل للسافرات الماجنات، بل تعدى الأمر إلى التشبه بالفساق من الرجال. وقد نهيت المرأة عن ذلك كما في الصحيح: "من تشبه بقوم فهو منهم" وقوله صلى الله علية وسلم: "لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال".
3. سيطرة النزعة المادية النفعية على كثير من مناشط الحياة النسوية، فلم تعد المنفعة الأخروية حافزاً قوياً عند بعض النساء كما كانت عند الصحابيات رضي الله عنهن، ولا شك أن ذلك استجابة قوية للوجه الاجتماعي للعلمانية حيث إنها لا تؤمن بالغيب ولا بموعود الله جل وعلا لأوليائه في الآخرة، كل ذلك جعل فئات من النساء تمارس سلوكيات وسمات غير محمودة شرعاً. والله تعالى يقول: {وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى}الضحى4.
4. ثورة الوسائط المعلوماتية المتعددة في العلم والثقافة والتربية والاجتماع بما تحمله من توجهات فكرية وسلوكية متباينة على المجتمعات، و قد لحق المرأة المسلمة المعاصرة نصيب وافر مما هو مؤثر في حياتها سلباً، لذا كان لا بد لها أن تقف بحزم وشجاعة إيمانية تنتقى من تلك الوسائط النافع في حياتها ومعادها، ففي الحديث الصحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى في يد عمر بن الخطاب رضي الله عنة صحيفة من كتاب اليهود فغضب النبي صلى الله علية وسلم وقال: "أفي شك منها يا ابن الخطاب والله لقد جئت بها بيضاء نقية ولو كان أخي موسى حياً ما وسعة إلا أن يتبعني".
5. ما أحدثته الآلة بعد الثورة الصناعية من وفرة الإنتاج وجودة عالية في المنتج مما ساهم بشدة في اختزال الوقت والجهد السابق إلى نسبة عالية، كل ذلك استدعى برامج حياتية نسائية جديدة تميل إلى الترفه والنزهة والراحة واللهو، لذا يجب على المرأة المسلمة المعاصرة إعادة النظر في الإفادة من وقت الفراغ واستحداث برامج عقلية وجسدية نافعة في الحياة الدنيا والآخرة.
المحور الثالث: سمات المرأة المسلمة المعاصرة:
إن الله تعالى بعلمه وحكمته وقدرته البالغة قد رسم للمرأة المسلمة سمات تتميز بها عن غيرها سواء في الباطن أم الظاهر، وإن الناظرة المنصفة لتلمح ذلك في الكتاب العزيز والسنة النبوية الصحيحة من أول وهلة، وكل هذه السمات على وجه الإجمال دائرة بين العدل والإحسان، وأما على شيء من التفصيل فهي كالآتي:
السمة الأولى: (الوسطية):
وهي العدالة والخيرية، والوقوف وسطاً بين طرفي الإفراط والتفريط، الذي هو العدل، وفعل الخير والحسن في كل شيء الذي هو الإحسان. قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً}البقرة143 وتتمثل هذه الوسطية في الاستقامة على طريق الحق، باجتناب ما هو محذور ديناً، وتسوية الحقوق بين المستحقين في حقوقهم، وبذل الحقوق الواجبة للغير، وأخذه دون زيادة، وفصل الخصومات على ما في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله علية وسلم لا الحكم بالهوى و الرأي المجرد.
ويشمل العدل كل مجال من عقائد وشرائع وتعامل مع الناس بامتثال الحق وترك الظلم والإنصاف من النفس وإعطاء الحقوق. قال الله تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ}الأعراف29 والعدل هنا هو أدني مراتب الوسطية، وأما أعلاها فهو الإحسان الذي يشمل العدل ويزيد عليه، إذ العدل أن تأخذ المرأة المسلمة المعاصرة ما لها وتعطي أكثر مما عليها، والعدل يكون في الأحكام، والإحسان يكون في المكارم. وكلا الأمرين مأمورة به المرأة المسلمة المعاصرة كما قال تعالى:{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ}النحل90. هذا وإن للإحسان معان باعتبار السياق الذي يرد فيه في الكتاب والسنة وتلك المعاني هي كالأتي:
المعني الأول: أن يقترن بشيء من حقوق الله تعالى وما يجب له من العبادة، فيكون المراد به ما عرفه به النبي صلى الله علية وسلم عندما سأله جبريل عليه السلام عن الإحسان فقال: "أن تعبد الله كأنك تراه" والمعنى عبادة المسلمة ربها في الدنيا على وجه الحضور والخشوع، والمراقبة، والإتقان، وهي على حالة من الإخلاص والمتابعة حتى يغلب عليها وكأنها تشاهد الله تعالى بقلبها لا بعيني رأسها، فإذا حصل لها ذلك فإنها لا تدع شيئاً مما تقدر عليه إلا فعلته دون تكلف ودون روية. ففي الصحيح عن النبي صلى الله علية وسلم: "اعبد الله كأنك تراه".
المعنى الثاني: أن لا يقترن لفظ الإحسان في الكتاب والسنة بشيء من حقوق الله تعالى أو ما يجب له من الطاعة مطلقاً، فيكون المراد به: فعل ما ينبغي فعله من الإنعام على الغير، وما تصير به الفاعلة حسنةً في نفسها وعملها.
وهنا تجد الباحثة المدققة من أخواتي المسلمات المعاصرات أن النصوص الكريمة الواردة في الإحسان والعدل تشكل علاقة المسلمة المعاصرة بربها جل وعلا، وأنها علاقة عبودية له دون غيره بكمال الطاعة وإتقانها وإخلاصها له تعالى على أكمل وجه تقدر عليه في جمال الظاهر والباطن وكأنها تراه جل وعلا بقلبها قال تعالى: {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}الإسراء7.
كما تشكل علاقتها بقرابتها الأدنيين وهم الوالدان، والزوج، والأولاد، كما قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى}البقرة83.
وتشكل علاقتها بقرابتها الأبعد وهم الإخوان والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات وأبناؤهم وبقية الأنساب والأصهار والآية الأولى تصلح دليلا على ذلك.
وتشمل الإحسان إلى من سوى أولئك من المسلمين الجيران والأخوات في الله تعالى وبقية أفراد المجتمع الذي تعيش فيه لا سيما الفقراء واليتامى والأرامل والمساكين وابن السبيل والمماليك قال الله تعالى: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً}النساء36. كل ذلك تفعله المؤمنة تواضعاً دون اختيال أو تكبر. ابتغاء مرضات الله تعالى لا لعوض من الدنيا.
وتشكل العلاقة مع غير المسلمين ممن لم يحمل السلاح على الإسلام والمسلمين كما قال تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}الممتحنة8
وتشمل المرأة المسلمة المعاصرة بعدلها وإحسانها غير الإنسان كالملائكة الكرام عليهم السلام، فلا تكشف شيئاً من عورتها، ولا يشم كريهاً من رائحتها، ولا تقيم على معصية لله تعالى، وكذا تشمل بالإحسان النباتات والحيوانات والجمادات وغيرها، كما قال تعالى: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}الأعراف56.
إن المرأة المسلمة المعاصرة إذا استطاعت تحقيق سمة الوسطية في الباطن بالإيمان بالله تعالى، والإخلاص له، واتباع الكتاب والسنة الصحيحة، بعد العلم بهما، ومراقبة الله تعالى، والصبر بجميع أنواعه، والتأمل والتفكير والتدبر في آيات الله المنظورة والمقروءة، والخوف من عذاب الله تعالى، والخشية له، وعلو الهمة والعزم فيما يقرب إلية سبحانه، والتوكل عليه والتواضع للمؤمنين والزهد فيها يؤخرها عن الدار الآخرة، ومحبة الله تعالى ومحبة ما يحبه، والرجاء فيما عنده، والتقوى مما يسخطه، والخشوع بين يديه، وتعظم شعائره وأمره ونهيه، وحسن الظن به، والفرح بفضله ورحمته، وموالاة أولياءه ومعاداة أعدائه، واليقين بما أخبر به وأعده لمن أطاعه وعصاه، والإحسان إلى النفس بدوام تزكيتها وشدة محاسبتها ثم أعقبت ذلك بسمات الوسطية في الظاهر بكثرة تلاوة القرآن، وذكر الله تعالى، وحمده وشكره، ودعائه والصدق في الحديث، والاستقامة على الأمر والنهي، والطاعة المطلقة لله ورسوله، وعمل الصالحات، والمسارعة والمسابقة والمنافسة في الخيرات، وتطهرت من النجاسات، وإقامة الصلوات، وأطالت القنوت، وآتت الزكاة وتصدقت وأنفقت في سبيل الله، وصامت الفرض واتبعته بالنوافل، وحجت البيت واعتمرت، وهجرت السوء، وأحسنت إلى نفسها بالطيبات من المأكل والمراكب والمساكن والمناكح، وكانت شجاعة في قول الحق لا تخاف في الله لومه لائم، قائمة بالعدل، تدعوا إلى الله تعالى، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ناصحة توصي بالخير، ساعية بالإصلاح بين الناس، محسنة إلى والديها وزوجها وأقاربها والضعفة من المسلمين، حسنة الخلق والمعاملة والمعاشرة لكل أحد، تكظم الغيظ، تعفو وتصفح عن المسيء، متحلية بالحلم، والرحمة والأمانة، عفيفة حيية، سمحة، تستأذن فيما يستأذن فيه.
إن المرأة المسلمة إذا فعلت ذلك كله ابتغاء مرضات الله تعالى وكأنها ترى الله تعالى بقلبها حين فعله فقد استكملت الوسطية بحذافيرها وهي القدوة في عبادتها لربها.
السمة الثانية: (الشمولية والتوازن):
إن المرأة المسلمة المعاصرة شمولية متوازنة في تعاطيها مع الحياة والتكاليف جميعاً، ترى صورة الحياة كاملة، بكل ما تحويه من تنوع وألوان، تضرب بسهم وافر في كل فضيلة، لا تلهيها طاعة عن طاعة، ولا فضيلة عن فضيلة، تأخذ بكتاب ربها جميعاً، كما قال تعالى:{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}البقرة85.
وهي متوازنة لا تضخم جانباً من حياتها على الآخر، تزن الأمور بموازين الشريعة، فلا تقدم النوافل على الفرائض، ولا المباح على النوافل، تأخذ بحضها من العبادة والترويح المباح، لا توغل في زينة الظاهر دون الباطن، بل تجمع بين صلاح الباطن والظاهر.
السمة الثالثة: (الواقعية):
إن المرأة المسلمة المعاصرة واقعية في تصوراتها وقدراتها لنفسها والآخرين، فهي لا تنزع إلى المثالية التي لا يمكن تطبيقها في واقع الحياة، لعلمها أن تلك الواقعية حماية لها من الوقوع في براثن الأمراض النفسية والجسدية، ولما تراه في النساء اللواتي جنحن إلى الخيال المفرط فأرهقن أنفسهم وأجسادهن، وحملن المحيط الأسرى من حولهن أعباء جسيمة، كانت سبباً في الشقاء وتقطع أواصر المودة، كل ذلك قد تجره نظرات إلى من فاقها قدره مالية أو خلقية، ناسية أن الله تعالى يبتلى عبادة بالخير والشر، وأنه قسم بين الناس معايشهم وأرزاقهم، فعلى المرأة المسلمة المعاصرة أن ترضى عن الله تعالى بالصورة التي خلقها عليها، وبالزوج الذي قدره لها، وبالأولاد الذين هم نصيبها من الدنيا، ولا تنظر إلى من فوقها حتى لا تزدري نعمة الله عليها كما قال تعالى: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً}النساء32.
وهي كذلك واقعة في طروحاتها للآخرين تراهم بشراً يخطئون ويصيبون، تأهب خطأ الناس لصوابهم، تخالطهم وتصبر على أذاهم، تقول للمحسن أحسنت وللمسيء أسأت، بعبارة لطيفة، متفائلة بخير لمستقبلها ولمستقبل مجتمعها بعامة.
السمة الرابعة: (الإيجابية):
إن المرأة المسلمة المعاصرة ايجابية مبادرة لا تنتظر الأوامر من أحد ما دام أن ذلك فضيلة، تصنع الظروف المناسبة لتفوقها، كما قال يوسف علية السلام كما حكي الله عنه: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}يوسف55. لا يمنعها إن تعثرت مرات في الأداء، بل تجعل الإخفاق سبيلا إلى النجاح في التغيير والإصلاح المحمود، ولعلة من المناسب أن أطرح على أختي الفاضلة سؤالاً: أين إيجابيتك ومبادرتك الاجتماعية بالمشاركة الفاعلة في محاضن التربية والتعليم والعمل الاجتماعي في محيطك الجغرافي؟ وكم فكرة ايجابية بادرتي بتسجيلها لنفسك في جمعيات البر الخيرية، ودور التحفيظ واللجان الاجتماعية؟
| ولم أر في عيوب الناس عيباً | كنقص القادرين على التمام |
| كتب القتل والقتال علينا | وعلى الغانيات جر الذيول |
| أصون عرضي بمالي لا أدنسه | لا بارك الله بعد العرض في المال | |
| وكل كسر فإن الله جابره | وما لكسر قناة الدين جبران |
| ونحن أناس لا توسط بيننا | لنا الصدر دون العالمين أو القبر |
| ومن يتهيب صعود الجبال | يعيش أبدا الدهر بين الحفر |
| إن الشباب والفراغ والجدة | مفسدة للمرء أي مفسدة |
| قد نصبوك لأمر لو فطنت له | فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل | |
| إن أهنأ عيشة قضيتها | ذهبت لذاتها والإثم حل |
| من استكان إلى الأشرار نام وفي | قميصه منهم صل وثعبان |
| خدعوها بقولهم حسناء | والغواني يغرهن الثناء |