ما لكم لا ترجون لله وقاراً؟!
12/26/1428 - 10:18

دعا نوح ـ عليه السلام ـ أولُ رسول إلى أهل الأرض إلى تعظيم الله ـ عز وجل ـ فقال لقومه: "مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا" [نوح: ٣١] أي: ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته؟! كما دعا خاتم النبيين والمرسلين نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى تعظيم الله ـ تعالى ـ وتقديره حق قدره، كما في حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قرأ هذه الآية يوماً على المنبر: "وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ" [الزمر: ٧٦]، ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول هكذا بيده يحركها، يُقْبِل بها ويُدْبِر « يمجِّد الربُّ نفسه: أنا الجبّار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم » فرجف برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المنبر، حتى قلنا: لَيَخِرَّنَّ به(1).

وإذا كان تعظيم الله ـ عز وجل ـ هو سبيل المرسلين فقد ظهر في الآونة الأخيرة ما ينقض ذلك؛ إذ استفحل التطاول على ربنا ـ عز وجل ـ والانتقاص من جناب مقام نبينا الأكرم ـ صلى الله عليه وسلم ـ، والاستخفاف بالدين وشعائره وحرماته، وصارت هذه «الردة المغلَّظة» في مؤلفات وروايات ومجلات، وعبر قنوات ومواقع شبكات المعلومات. وتولّى كبر ذلك فئام من كفرة الغرب ومنافقي هذه الأمة وزنادقتها، كما نفر طائفة من المحتسِبين من أجل مدافعة هذا الفساد العريض والكفر الصريح.

وفي غمرة الانفتاح وانكباب المعلومات بعُجَرها وبُجَرها، ووفرة وسائل الاتصال وكثرتها؛ فإن بعض المُتديِّنة والمتسننة ـ فضلاً عمن دونهم ـ قد تساهلوا في اقتناء مؤلفات الزندقة والضلال، والاطلاع على روايات الكفر البواح، واعتادوا الدخول إلى مواقع إلكترونية تدعو إلى الردّة والانسلاخ من الإسلام والسنة، فأفضى بهم ذلك إلى استمراء سماع ومشاهدة الكفر والشرك والضلال، وهان عليهم التفوّه به ونشره، وتوسعوا في ذلك بدعوى الرصد والمتابعة لسبيل المجرمين.
فربما حذّر بعضهم من السحر، وضمّن هذا التحذير مشاهد مصورة للكفر المغلّظ الواقع من السحرة الأفاكين وأذنابهم، مثل: كتابة المصحف بدم الحيض، وتعليق هذه الصور الشنيعة في بيوت الله تعالى!

وقد يعمد البعض إلى بيان ضلال الرافضة وزندقتهم، فينقل طعنهم في الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ صوتاً وصورة، ومن ذلك: قذفهم أم المؤمنين عائشة الصدّيقة بنت الصدّيق ـ رضي الله عنهما ـ بما برّأها الله منه. مع أن التحذير متحقق دون الولوج في هذا المضيق، بل إن معاينة وسماع هذه المشاهد «الكفرية» في هذا السياق لا ينفك عن مفاسد متعددة؛ إذ إن الإفراط والإدمان في سماع ومشاهدة الردة المغلّظة ـ كالاستهزاء بالله ـ تعالى ـ وسبّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وتضليل الصحابة رضي الله عنهم، والتهكم والانتقاص من شعائر وحرمات الشرع المطهّر ـ قد يؤول بأقوام إلى ضعف الغيرة الإيمانية، ورقّة الدين، وتهوين شأن هذه النواقض، فلا يتمعّر وجهه غضباً لله ـ عز وجل ـ كما يجب، بل ربما علق القلب بشيء من ذلك الضلال، فالشُّبَهُ خطّافة، والقلوب ضعيفة؛ فواغوثاه بالله!

إن الإيمان بالله مبني على تعظيم الله وإجلاله، قال ـ سبحانه ـ: "وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً * إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً" [مريم: ٨٨ -93].
قال الضحاك بن مزاحم في تفسير قوله ـ تعالى ـ: "تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ": «يتشققن من عظمة الله عز وجل»(2).
قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ في تفسير هذه الآيات: «اقشعرت الجبال وما فيها من الأشجار، والبحار وما فيها من الحيتان، وفزعت السماوات والأرض، وجميع المخلوقات إلا الثقلين، وكادت أن تزول، وغضبت الملائكة، فاستعرت جهنم، واكفهرت الأرض حين قالوا: اتخذ الله ولداً»(3).

وقد سار سلف الأمة على سبيل الإجلال والتعظيم لله ـ عز وجل ـ وآياته وشعائره، فقال الإمام سفيان بن عيينة: «سمعت من جابر الجعفي (رافضي هلك سنة ٧٢١ه) كلاماً خشيت أن يقع عليّ وعليه البيت»(4).
ولما ناظر الإمام الشافعيُّ حفصاً الفردَ (أحد المتكلمين) قال الشافعي: «لقد سمعت من حفص كلاماً لا أقدر أن أحكيه»(5).
وناظر الإمام أحمد القائلين بخَلق القرآن، فكـان مما قاله ـ رحمه الله ـ: «ما رأيت أحداً طلب الكلام واشتهاه إلا أخرجه إلى أمر عظيم، لقد تكلموا بكلام واحتجوا بشيءٍ مَا يقوى قلبي ولا ينطق لساني أن أحكيه..»(6).

هكذا كان سلف الأمة يتورعون عن حكاية ضلالات المتكلمين، مع أن زندقة المعاصرين أشنع وأشنع من زندقة المتكلمين بمراحل، فإن بين هاتين الزندقتين مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي، فكيف يحلو للبعض أن يقتني كتب الردة وروايات الزندقة دون موجب شرعي؟! لقد قرر ابن القيم أن الكتب المشتملة على الكذب والبدعة يجب إتلافها وإعدامها، فلا ضمان في تحريق الكتب المضلة ومحقها(7).
فماذا يقال عن كتب الكفر والردة؟!

ومن طريف ما يُحكى في هذا المقام أن الأمير الصنعاني (ت ٢٨١١ه) أصابه داء أعيا الأطباء، فجيء له بكتاب «الإنسان الكامل» لعبد الكريم الجيلي، وكتاب «المضنون به على غير أهله» لأبي حامد الغزالي(8). قال الصنعاني: «فطالعت الكتابين، ورأيت فيهما ما هو والله كفر لا يتردد فيه إيمان، فحرّقتهما، ثم جعلت أوراقهما في التنور وخُبِزَ لي على نارهما خبزٌ نضيج، وأكلته بنيّة الشفاء من ذلك الداء، فذهب ـ بحمد الله ـ ذلك الألم، ونمت الليل أو أكثره، وحمدت الله على نصرة دينه وعلى العافية»(9).

ومع القناعة بأهمية معرفة سبيل المجرمين على سبيل التفصيل، واليقين بأن معرفة ذلك مما يزيد العبد إيماناً ورسوخاً، إلا أن المقصود هو مجانبة الإفراط والتوسع في ذلك، فلا يشتغل كل من هبَّ ودبَّ بحيازة علوم (الزندقة) وموادها، بل إنما يتولى ذلك عالم راسخ أو باحث ثقة ونحوهما، وبالقدر الذي تتحقق به معرفة الباطل، ومن أجل نقضه وهتكه، كما أن مخاطبة العامة وتحذيرهم من زندقةِ ورِدّةِ كُتّابٍ وحَمَلة أقلام ينبغي أن يكون بحذر وقدر، فالاسترسال بعرض باطلهم وزخرف قولهم وتزويق كلامهم قد يفضي بالعامة وأشباههم إلى انخداع وشكوك، ويوقع في جرأة ورعونة في التفوّه بهذه الضلالات.
نسأل الله الثبات. "رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ" [آل عمران: ٨].

_______________________
(1) أخرجه أحمد: ٢/٢٧. وابن خزيمة في كتاب التوحيد، ح (٥٩).
(2) أخرجه أبو الشيخ في العظمة: ١/١٤٣.
(3) انظر: تفسير القرطبي: ١١/٨٥١، وتفسير ابن كثير: ٣/٦٣١.
(4) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم: ٢/٦١١.
(5) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم: ٢/٦١١.
(6) الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية، لابن بطة، (ت: الوابل)، ٢/٥٥.
(7) انظر: الطرق الحكمية، ص ٤٥٢.
(8) هذان الكتابان حافلان بالضلال المبين والزندقة والشطح.
(9) مصلح اليمن محمد بن إسماعيل الصنعاني، لعبد الرحمن بعكر، ص ٩٢١.

مالكم لا ترجون لله وقارا

احسنت ياشيخ وبارك الله فيك على هذا التنبيه العظيم ذلك أن قريبا مما حذّرتم منه يقع فيه كثير من الوعاظ في ذكر القصص المخزية التي تحصل من بعض الشباب المتعلقة بالشهوات فيفصلون فيها تفصيلا غير مناسب حتى ان بعض الشباب اصبحوا (يتلذذون)بسماع هذه الاشرطة لا للفائدة والتذكر وانما لتحريك شهوتهم وجزيتم خيرا<br>

جزاك الله خير ياشيخ ونفع الله بك

كنت أحذف مواضيع تتضمن تحذير من فلان الذي قال كذا وكذا ( ويورد الكاتب ما قاله من كفر ) ولكن ليس دائما .. بعد مقال فضيلتكم المفيد بإذن الله سأحذفها دائما فليس لها في منتدانا محل .. جزاكم الله خيرا ونفع بعلمكم<br>

هذا ماعهدناه منك من نصرة الدين وتبيين الحق فجزاك الله خيراً.<br>

لم يبق شيء مما ينبغي ان يقال في الموضوع إلا تناولته هذه المقالة، جزى الله كاتبها خيرا عن الإسلام والمسلمين، ولكن تدعيما لما كتب فإن الأمر خطير جد خطير وعلى الجهات المسؤولة عن ضبط الأخلاق ونشر الثقافة الإسلامية ونشرها بين أفراد المجتمع بإعتبارها المنهج السليم في الدنيا والمنقذة من عذاب الله في الآخرة أن يقفوا أمام هذا السيل العارم من أنواع الإنحلال الخلقي الداعي إلى إفساد العقيدة والتخلي عن التمسك بمبدأ الدين الحق دين الإسلام، كل هذا يقع على مرأى من الحكومات والشعوب التي تدعي عنها تومن بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ،و إنا لله وإنا إليه راجعون، واله يعصمنا من الزيغ والزلل ، اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على الإيمان.<BR><br>

جزى الله الشيخ خير الجزاء,وحبذا لو تولت المواقع الإسلامية والقنوات الإسلامية هذه القضية وجلتها للمسلمين .نحبك في الله ياشيخ عبدالعزيز<br>

شكر الله للشيخ عبد العزيز هذا المقال فو الله نحن بحاجة دائمة لطرح مثل هذه المواضيع ، كذلك الايات بسورة مريم فقد كان لها تاثير عظيم على احدى المسئولات الامريكيات ومن اسباب اسلامها كماذكره الشيخ عبد المحسن الاحمد في احدى محاضراته.نرجو من الله ان ينفعنا بما نقرأ ونسمع ونشاهد وصلى الله على نبينا محمد.<br>

السلام عليكم وجزاكم الله خيرا فضيلة شيخنا على هذه الدروس والنصائح التي والله ان المسلمين في امس الحاجه لها خاصة وهناك امور ظاهرها خير ولكن في ثناياها بلاء عظيم <BR>نسال الله لكم خيري الدنيا والاّخره والسلام<br>

الرجال يعرفون بالحق :<BR><BR><br>

جزاك الله خيرا ايها الشيخ الفاضل<BR>حقيقةً ارى أن التحدث عن عظمة الله و كبريائه مما يزيد الايمان ولا شك<BR>لكن الملاحظ قلة من يطرق هذا الموضوع من الدعاة و خطباء الجمعة<BR>فليتهم يشتغلون بذلك فهو باذن الله الدرع الواقي لعامة المسلمين من هذه المزالق المروعة ....<br>

بسم الله الرحمن الرحيم <BR>الله يبارك لكم على هذه الكلمات المخلصة <BR><br>

غفر الله لك ياشيخ<br>

مقال رااائع.. نفع الله بك الامة..<br>

جزيت خيرا على تنبيهك لموضوع كثر التساهل فيه .. <BR><BR>ولكن أظن أن اظهار كلام الزنديق والمبتدع على الملأ فيه جانب كبير من كشف زيغه وكفره اذا ظهر للناس أن كلامه غير مشتبه بالحق ومن سمعه عرف منه الضلال والزندقة دون مواربة ..<BR>ومن ذلك ادعاء الرافضة أنهم لا يفرقون بين الصحابة أو عدم قولهم بتحريف القرآن أو نفيهم للضلال الذي ينسبه لهم أهل السنة ..<BR>فيكون الرد عليهم بلسان قومهم واقامة الحجة على أتباعهم ..<BR><BR>وفقنا الله جميعا لاتباع الحق<br>

وفق الله الشيخ الفاضل <BR>ولعل ما ذكره الشيخ حفظه الله من باب سد الذرائع والتي انفتحت بشكل كبير في الآونة الأخيرة ، لا سيما من المحسوبين على العلم والدعوة والخير .<BR>وكم من مريد للخير لا يدركه .<br>
4 + 3 =