| 9/2/1428
اختزل الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد سياسة بلاده ومضيها قدماً في برنامجها النووي قادماً، قائلاً: "حصلت إيران على التكنولوجيا الخاصة بتطوير الوقود النووي وحركة إيران مثل حركة قطار.. بلا مكابح ولا تراجع"، فردت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس على ذلك بقولها "إنهم ليسوا بحاجة إلى مكابح أو تراجع. إنهم بحاجة إلى الضغط على زر التوقف."
تبدو إيران إذن ماضية في سبيلها لحيازة سبق في المجال النووي قد يقودها إلى النادي النووي العسكري، وفي المقابل لا تكاد تجاوز الولايات المتحدة الأمريكية حدود الردود التناظرية، وقد لا يعني هذا عند نجاد شجاعة ولا عند رايس خنوعاً، فالمعلوم أن البرنامج النووي الإيراني لم يكن بعيداً عن أعين الولايات المتحدة الأمريكية؛ وأهم منشأة نووية في إيران هي مفاعل أبحاث طاقته خمسة ميجاوات, حصلت عليه إيران من الولايات المتحدة, وبدأ تشغيله عام1967, بمركز الأبحاث النووية شمال غرب طهران, أي منذ أربعين عاماً!!
القطار ماضٍ وكوابحه غير موجودة وقد لا تخف الولايات المتحدة لإصلاحها، وهذا قد يكون مهماً للمهتمين بالشأن السياسي، لكن غيرهم قد يأخذهم مشهد آخر، حرص الرئيس الإيراني على أن يراه العالم كذلك، وهو إطلاقه هذا التصريح المدوي في جمع غفير من علماء الشيعة يعد بالآلاف، كانوا حضوراً في شأن استراتيجي بالغ الحساسية، يخص ملفاً أضحى هماً قومياً يتشارك فيه الساسة وغير الساسة، ويرتبط فيه الشعب الإيراني بحبل واحد ومصير واحد يستدعي لحمة وتماسكاً في الجبهة الداخلية.
هذا المشهد الذي رأيناه لآلاف العمائم من ملالي وعلماء الشيعة في خطاب ثوري للرئيس الإيراني ينم عن تنبه قومي إيراني لمثل هذه القضايا التي يجد فيها الشعب قبالة أخطار محدقة أو حتى ظنية، وهو ما يجعلنا نتحول إلى السواد الأعظم من المسلمين السنة لنسأل ذواتنا هل يتحقق من ذلك شيء في بلداننا الإسلامية من المحيط إلى المحيط؟!
سيقول الناس: ولكن ظروفنا كسنة تغاير ظروف الشيعة الذين يحوطون علماءهم بهالات تقديس ومعصومية، ويمنحونهم من التقدير ما ينزلهم فوق منازلهم الأصلية بكثير.. وهذا صحيح كله، ولا أحد من السنة يطالب بأن يكون لعلماء السنة مثلِ ما لنظرائهم من الشيعة لأن ذلك ضد معتقداتنا وضد مفاهيمنا للرجال ـ مهما علا قدرهم ـ في نظر الإسلام ومعاييره..
والجميع يدرك الخصوصية الشيعية في هذا المضمار التي تمنح الملالي الدور الرئيس في تخطيط شؤون إيران، وأن هذا ليس جديداً على السياسة الإيرانية.. غير أن هذه الخصوصية وهذا المشهد كما أنهما لا يعنيان ضرورة محاكاتهما من السنة؛ فإنهما لا ينفيان حاجة البلدان الإسلامية السنية إلى إعادة النظر في أدوار قطاعات مهمة من نخبتها وحاجتها الدائمة إلى توسيع دائرة مساهمتهم في ترتيب البيت السني من الداخل وتوجيه جماهيره إلى ما يحفظ التماسك الداخلي ويوثق وشائجه إذ الأخطار بالجميع محيطة.
إن علماء السنة وإن كانوا في الجملة زاهدين في ممارسة السياسة إلا أنهم معنيون بتهيئة الأمة لكل جديد قادم، في ظل تموجات سياسية قد تتعاظم يوماً لتصبح طوفاناً ليس معه سبيل لنجاة إلا بحفظ الله، ثم بوعي الأمة بكل طبقاتها وأطيافها، وتلاحمها واصطفافها، وتقديرها لذوي الأحلام والنهى.
إن الملالي و علماء الشيعة أو جدوا كيانهم الديني الذي يستطيعون من خلاله تحقيق أهدافهم الدينية و السياسية و العسكرية فأصبحوا يعتقدون أن نظامهم هذا هو دين بالنسبة لهم فينبغي أن يجتمعوا عليه و لحمايته فتوحدوا حوله ومن أجله مع كثرة اختلافاتهم .
لكن علماء السنة ترى كثيرا منهم أو حتى أكثرهم لا يسعون من أجل تحقيق نظام إسلامي بل مرتبطون بأنظمة بلادهم التي لا تراعي حقوق الله في أكثر المجالات فلا هم وقفوا بقوة اتجاه هكذا أنظمة لإصلاحها و لا سعوا لكيان أسلامي بل يدعون دائما لطاعة هكذا أنظمة و الإلتفاف حولها و مايزيد هذا الأمة و على رأسها علماءها إلا ضعفا .
كيف يأخذ علماء السنة الدور الذي أخذه الملالي في إيران و كل مجموعة منهم في بلده لا يتحرك إلا ما يملى عليه من نظام بلده و في المجال الذي لا يجعل أنظمة بلدانهم تغضب عليهم . علماء الشيعة عندما أسسوا كيانهم في إيران والاهم كل علماء الشيعة في العالم مع اعتقادهم بأن هناك كثير من الأخطاء في نظام الملالي من أخطاء إلا أنهم أيقنوا أنه أقوى لهم و أنفع .أيقنوا أن خلافات تحت ظل نظام ديني لهم أنفع و أصلح.
أما علماء السنة و للأسف عندما قام نظام إسلامي عل يد حركة طالبان في أفغانستان بدأ كثير منهم بهجمة شرسة عليه قبل أميركا و قبل كل قوى الكفر العالمي بل و بعضهم طالب سريعا بالإطاحة به قبل أحداث 11 أيلول و أقاموا الدنيا و لم يقعدها كثير من علماء السنة عندما هدمت طالبان تماثيل بوذا شكلت و فودا ذهبت إلى أفغانستان من أجل إقناع طالبان بقبح هذا العمل و ردها عنه في وقت كان يموت 400 طفل أفغاني من الجوع بسبب الحصار و الفقر و لم يحرك علماء السنة ساكنا من أجل ذلك بل حركوا طاقاتهم كافة للهجوم على طالبان بأقدح العبارات و الألفاظ من أجل ((بوذا)) . رغم ما كان من أخطاء عند طالبان هل كان يجب أن تتعرض للعزلة من قبل علماء السنة . بل بعضهم أفتى لجنود مسلمين في الجيش الأميركي للمشاركة في ضرب طالبان بل طالبوا الأميركان بإقامة حد الحرابة على حركة طالبان بعد أحداث 11 أيلول. فكيف يوفق الله تعالى علماء السنة لدور عظيم و هو قيادة الأمة إذا كانوا بهذا الحال المزري و المؤسف و إذا كانوا يضيعون هكذا فرص ربانية بل منح ربانية.