أنت هنا

كل الكون يشهد..
9 ربيع الثاني 1427

في زمن الإثارة.. تنتشر ثقافة الغرائب، وتنفق بضاعة العجائب، وتبقى البراهين الواضحة والدلائل القاطعة محجوبة بسجوف الجهل والغفلة.
دخل علينا معلم الصف أيام الدراسة المنهجية، فأرانا – وبحسن نية – لوحة جمالية تحكي وحدانية الخالق وعظمته أشجار على جانب الطريق شكلت جذوعها وأغصانها كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) فقلنا: سبحان الله!!.- الله أعلم اللوحة باقية على طبيعتها أم تناولتها ريشة رسام-

ويأتينا بين الفينة والأخرى لفتة كريمة مباركة، فتوقظ فينا العظمة والوحدانية كلما خفتت أضواء الصور السابقة في نفوسنا... لتبقى دلائل الوحدانية محصورة لا يصل إليها إلا ثاقب النظر دقيق التركيز؟!
- حجر تلتقطه صورة مصور على هيئة ساجد لله!
- وطفل ماليزي رضيع يكتشف أبوه أن أذنه اليسرى قد شكلت بغضاريفها لفظ الجلالة (الله)!
- وأسد يزأر بلفظ الجلالة (الله)!.... وغيرها.

إننا لا نستعظم ذلك على القدرة الإلهية، ولا ننكرها بادي الرأي، كيف والنبي _صلى الله عليه وسلم_ أخبرنا بحوادث أعظم من ذلك، ذئب وبقرة ينطق بالفصيح ليس بلغة مموهة ممزوجة بالزئير لا تكاد تميز معها اللفظ المقصود بالتعظيم (الله)؟!. عن أبي هريرة _رضي الله عنه_ قال: قال رسول الله_صلى الله عليه وسلم_ "بينما راعٍ في غنمه عدا عليه الذئب فأخذ منها شاةً فطلبه الراعي، فالتفت إليه، فقال: من لها يوم السَبُع يوم ليس لها راعٍ غيري؟! وبينما رجل يسوق بقرة قد حمل عليها، فالتفتت إليه فكلمته، فقالت: إني لم أخلق لهذا ولكن خلقت للحرث، فقال الناس: سبحان الله! قال _صلى الله عليه وسلم_: فإني أومن بذلك وأبو بكر وعمر". متفق عليه.

إن اختزال أدلة وحدانية الله وعظمته بأشجار في غابات الصنوبر، أو في زئير أسد في أدغال أفريقيا، أو بأذن طفل في ماليزيا... هو اختزال للحقيقة العظمى بأدلة خفية غامضة لا تبين الحق بقدر ما تأكد الغفلة!. ذكر أن أحد أئمة الكلام مرَّ بضاحية من ضواحي المسلمين والطلاب به مطيفون فإذا امرأة عجوز ترقُب المشهد فقالت: من هذا؟! قالوا: هذا عنده ألف دليل على وجود الخالق!! قالت: بل عنده ألف دليل على شكه! أهـ. ورحم الله السلف حين قالوا: عليك بدين العجائز، وصبيان الكتاب (ذم الكلام وأهله للهروي 5/28). فالصبح لا يحتاج إلى دليل؟!


وهبني قلت هذا الصبح ليل   أيعمى العالمون عن الضياء؟!

إن كل ما في الكون شاهد على وجود الخالق ووحدانيته دال على قدرته وعظمته..


ولله في كل تحريكة   وفي كل تسكينة شاهد
وفي كل شيء له آية   تدل على أنه واحد

القلوب مفطورة على توحيده وتعظيمه "لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض...".
وقف فرعون أمام موسى يجحد الربوبية بلسانه وتمتنع عن ذلك نفسه "قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى" (طـه:49) فبماذا أجابه موسى؟ هل احتاج أن يأخذ بيد فرعون ويعبر به المحيط ليريه حجراً ساجداً هناك! أو يدخل به الغاب ليسمعه زئير أسد يدغم لفظ الجلالة ولا يكاد يبين!! كلا.. بل كانت الآيات متوافرة والدلائل واضحة، في السماء، وفي الأرض، وفي الأنفس، بل كل الكون يشهد...

أتى الجواب من موسى _عليه السلام_ بخطاب سهل ميسور يفهمه الجاهل المركب- فرعون - والجاهل البسيط: "رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى" (طـه: من الآية50).
هدى الطفل إلى ثدي أمه وقد خرج من بطنها لا يعلم شيئاً..
هدى الأسد إذا مشى وخاف أن يُقتفى أثره ويطلب، عفى أثر مشيته بذنبه..
هدى الثعلب إذ اشتد به الجوع أن يستلقي على ظهره ويختلس نَفَسه إلى داخل بدنه حتى ينتفخ فيظن الظان أنه ميتة فيقع عليه فيثب على من انقضى عمره منها..
هدى الدب إذا أصابه كَلْم أن يأتي إلى صبغ معروف فيأخذ منه ويضعه على جرحه كالمرهم..
هدى العنكبوت أن تنسج تلك الشبكة الرفيعة المحكمة.. "رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى"(1).
خلق الإنسان فصوره فأحسن صورته "وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ" (الذريات:21). وخلق السماء وزينها بالنجوم والكواكب، وبسط الأرض وجعلها صالحة للسكنى والمعاش، ونصب الجبال، وخلق البحار، وكور الشمس والقمر.... أفليس ذلك أعظم دلالةً وأكمل وضوحاً وأدوم إعجازاً؟!

ثم هنا مفسدة أخرى تقع بسبب اختزال دلائل الوحدانية والعظمة بمواقف محددة، ودلائل غامضة هو:إضفاء القداسة على هذه الدلائل في حين يراد منها أن تبعث في النفوس التقديس للعظيم _سبحانه_!
هذه الأشجار التي قيل أن سوقها وأغصانها سطرت كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) هل ترى أنها ستُقْطع؟! أم أن سامري زمانه سينفخ فيها روح العظمة، ويشنع على قاطعيها، ويجعل القلوب تقف لها تعظيماً؟!!، وإذا قطعت هل سيوقد الناس ناراً من سوقٍ وأغصانٍ زعموا أنها شكلت كلمة التوحيد؟!!
والطفل الذي ظهر على أذنه اليسرى لفظ الجلالة (الله) من خلال عدسة عين والده؟! كم سيكون له من القداسة في زمن ينتشر فيه الجهل، وتبحث فيه المتصوفة عن هدبة تتعلق بها! ثم تنفخ فيها مشعلةً نار فتنة التبرك والتعلق بالأشخاص (الصالحين!) وهو الشيء الذي خافه عليه أبوه حين قال: (آمل ألا يفسر البعض هذه العجيبة تفسيراً خاطئاً ولا يبتدعون بدعاً..) – هذا إن صح تجلي الرسم في أذنه، فقد نظرت في الصورة وأمعنت، فلم أر أنها واضحة وضوح الرسم على اللوح، بل ربما احتاج الناظر إلى رسم صورة تخيُّلة في فكره ليتجلى له المقصود!!، وكان بوسع الأب لو كتم الأمر وليته فعل اتقاء الفتنة به وعليه، إذ تحول الأمر كما ذكرت وكالة الأنباء الوطنية الماليزية أن الطفل أصبح مثار حديث الجماهير!!

"إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" (البقرة: 164).
_________________
(1) انظر كلام جميل وطويل حول الموضوع للعلامة ابن القيم في مفتاح دار السعادة.

CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
5 + 1 =