6 جمادى الثانية 1438

السؤال

هل لابد لكل إنسان مؤمن أن يبتلى؟! ولماذا نرى كثيرا ممن هم ليسوا على الإسلام يعيشون فيما نراه هناءة عيش بينما نحن في ضيق؟!

أجاب عنها:
الشيخ أ.د. ناصر بن سليمان العمر

الجواب

الحمد لله وبعد

فسنة الله سبحانه وحكمته في الخلق قد اقتضت أن يبتلي عباده ليتبين المؤمن من الكافر والتقي من الدعي والصادق من المنافق.

 

قال الله تعالى: {مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ}.

 

والتمييز: هو التفريق بين الشيئين، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "يميِّز أهل السعادة من أهل الشقاوة".

 

وقال ابن كثير: "لابد أن يعقد شيئاً من المحنة يظهر فيه وليه، ويفضح به عدوة، يعرف به المؤمن الصابر والمنافق الفاجر".

 

فلابد لكل مؤمن أن يبتلى، يقول سبحانه: {الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}.

 

ويقول سبحانه: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}.

 

ويقول تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}.

 

فلا بد من الابتلاء، لكن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم أن المؤمن يبتلى على قدرإيمانه، فأشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل.

 

والبلاء أحياناً يكون بلاءً ظاهراً وأحياناً يكون بلاءً باطناً، فعلى قدر إيمانه يثبت.

 

قال سبحانه: {وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ}، قال الطبري: أي: "وليختبر الله الذين صدقوا الله ورسوله، فيبتليهم بإدالة المشركين منهم حتى يتبين المؤمن منهم المخلص الصحيح الإيمان من المنافق".

 

وانظر إلى معدن الذهب، فعلى قدر صهره في النار يكون صفاؤه وعلى قدر ضعف صهره في النار يكون الغش فيه.

 

أما الشق الآخر من السؤال من قولك أن الذين هم على غير الإسلام سعداء!

 

فهذا لا أسلم لك به، ومن قال أنهم لا يبتلون ولا يألمون؟! هل لأنك ترى منهم بعض المعلن عنه تتصورهم في سعادة دائمة؟!

 

بل هم في بلاء وبلايا ومحن لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، ثم من أعظم البلاء هو البلاء الداخلي النفسي، يعيشون القلق والأمراض النفسية والانتحار وغيرها.

 

والابتلاء في الأصل إنما هو للمؤمنين ليبين الصادق من الكاذب، وليتميز المؤمنون درجات.

 

فالكفار قد يمتعهم الله سبحانه وتعالى،{نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا}، فهو تمتيع قليل زائل ناقص، ثم بعد ذلك مردهم إلى العذاب والعياذ بالله.

 

ولما قال إبراهيم عليه السلام: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ} قال الله: {قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}

 

فهؤلاء يمتعون كما تمتع الأنعام كما بيّن الله سبحانه وتعالى، فليس لهم جزاء صالح في الآخرة حتى يبتلوا من أجل أن ينالوا الجزاء، أما المؤمن فيبتلى حتى ينال الجزاء في الآخرة.

 

فالكفار يعطيهم الله جل وعلا من باب عدله سبحانه وتعالى ونعمته من الدنيا ما لا يُقدّر ثم هم يحاسبون به، والصالحون يبتلون فيرتقون عند ربهم وترفع درجاتهم {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ}.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عبدالعزيز بن باز رحمه الله
عبدالعزيز بن باز رحمه الله