3 شعبان 1437

السؤال

تزوجت رجلاً ملتزماً بالدين بوعي لا عن تقليد، أنجبنا أربع بنات، تدخلْتُ في تربيتهن صغيرات، عرفن الصلاة وتجويد القرآن.. في مراهقتهم تنحيت وقلت أبوهم أعلم مني بالواقع، رأيت بعض التجاوزات من مبيت عند الصديقات، اللباس الغير محتشم، أخبرني أنه سيجعلهن يطلعن على الواقع ليصبحن ملتزمات بوعي! اليوم بعد أن بلغت إحداهن عشرين سنة والأخرى تسعة عشر، يشجعهن على السهر في أماكن بها خمر، علاقات مع الجنس الآخر، سهر لوقت متأخر، مبيت عند أم مطلقة تدخن وتشرب، وابنها سيئ الأخلاق.. الأب راض لأنهن متفتحات نعم ولكن غير منحرفات، أنهن قويات لأن ما يقمن به تحت إشرافه!! ناقشت معه أنه غشني؛ فلم نتفق على هذا النوع من التربية. قال إنه لا يريد أن يشبهنني؛ فأنا خوافة وفات الأوان لتدخلي، سألت عن الصغيرات ثماني سنوات وست سنوات، قلت سأتدخل وعند بلوغهن سيحتجبن فأنا لا ينقصني الوعي بأسرار الحجاب والصلاة، لقد كتبت عنها مقالات. قال بلغة التهديد لن أسمح لك.. الصلاة لا مشكل عندي، لكن الحجاب بعد ثمانية عشر تقرر! لم أعد أعرف مَنْ تزوجت؟! أبعد ثلات وعشرين سنة زواج نختلف في تربية بناتنا؟! أمور كانت ثوابت فيما مضى يقول تغير ودينه غير الدين الذي أعرف!! أنا أتكلم كالوهابية، الاحتكام للسنة لا يقبله وللقرآن يقول كل يفهم حسب هواه، أي خاتمة هاته؟ كيف أنقذ الصغيرات؟ أنا أستغفر وأدعو الله، وألوم نفسي كيف سألقى ربي؟ أين ثقافتي الإسلامية؟ أين شعاراتي؟ أضعت بناتي!! زوجي يقول: أنا خائفة، والتحدي بعد أن يصلن سبع وعشرين من عمرهن، هناك سأرى عبقرية تربيته! هل أبالغ في خوفي؟ هل وصلت للنهاية؟!!

أجاب عنها:
أسماء عبدالرازق

الجواب

أهلا ومرحبا بك في موقع المسلم.
سرني حرصك على دين بناتك واهتمامك بإنقاذهن من لجة المعاصي التي تحيط بهن، أسأل الله أن يصلحك وزوجك وبناتكما. دعيني أيتها الفاضلة ألخص رسالتك في النقاط التالية:
 زوجك ملتزم بوعي لا عن تقليد.
 عندك أربع بنات علمتهن الصلاة والتجويد في صغرهن ووكلت أمر الكبيرتين لأبيهن في مرحلة المراهقة لأنه أعلم بالواقع منك.
 لاحظت أنهما تسهران في أماكن فيها منكرات مهلكة، وتبيتان في بيت جدتهما المدخنة السكيرة وعمهما المنحرف، وفي بيوت الصديقات المتبرجات، وزوجك راض عن هذا بحجة أنهما ستكونان قويتان غير منحرفتين!
 أخبرت زوجك بأنك ستحجبين البنتين الصغيرتين إذا ما بلغتا فهددك وسمح لك بتوجيهما في شأن الصلاة فقط، أما الحجاب فتقرر البنت ما تفعله بعد بلوغ الثامنة عشرة!
 يتهمك بأنك وهابية وخوافة.
 لا يحتكم للسنة ويقول كل يفهم القرآن حسب هواه!
 ما الحل؟

 أولاً: زوجك ملتزم بوعي لا عن تقليد.
أيتها الفاضلة! لم أفهم ما المقصود بالالتزام عن وعي لا عن تقليد؟ وعي بماذا؟ بالدين أم بالمنكرات؟! فهمت من الرسالة أن زوجك يريد أن تلتزم بناته عن وعي لا عن تقليد لذلك يشجعهن على مخالطة أهل المنكرات والموبقات، ومصاحبة العصاة والمبيت عندهم.
أهذا هو سبيل التدين سواء كان بوعي أو غير وعي؟ وهل أثر مثل هذا عن نبي أو عبد صالح؟ الله تعالى يصف عباده في آخر سورة الفرقان بعدة صفات منها قوله جل وعلا: "وإذا مروا باللغو مروا كراماً" واللغو في كلام العرب هو كل كلام أو فعل باطل فيشمل كل المعاصي كما ذكر الإمام الطبري رحمه الله في تفسيره. فعباد الله المؤمنون لا يقصدون أماكن اللغو والمنكرات، وإن مروا بها لم يتوقفوا عندها. والمسلم الذي يجد نفسه في مكان فيه منكر مأمور بتغيير المنكر الذي يشهده بيده إن قدر، وإلا فبلسانه، فإن عجز فلينكر بقلبه، ومن لم يفعل فما بقي من إيمانه حبة خردل. فكيف يدفع المسلم العاقل بناته المراهقات ليغشين أماكن السكر والفجور ليكن ملتزمات بدين الله بدلاً من حضهن على الالتزام بأمر الله بمفارقتها والإنكار على أهلها؟ ترى هل يدفع هذا الأب بناته ليخالطن الجهلة ممن لم ينالوا حظاً من التعليم ليروا خطورة الجهل فيصرن بذلك عالمات؟ أم أنه سيدقق في تفاصيل تعليمهن وتحصيلهن، ويحرص على أن تصادق بناته المتفوقات الحريصات على الجد والتحصيل؟ فكيف يكون السبيل العلم بالدين والتمسك به التردد على أماكن الفساق والعصاة والشواذ؟
قلت: ملتزم بوعي لا عن تقليد؟ يفهم من هذا أن الالتزام بوعي أفضل من الالتزام بالتقليد. ولكن ما المقصود بالتقليد؟ تقليد من؟ تقليد أدعياء العلم والدين الذين يريدون أن يحولوا الناس لقطعان من المريدين والأتباع، أو مصادر لجمع المال يدفعون خمس أموالهم لهذا الشيخ أو ذاك باسم الولاية وغيرها؟ لاشك أن هذا مرفوض لا يقبله دين ولا عقل.
أم تقليد النبي صلى الله عليه وسلم الذي أمر الله تعالى في كتابه بالتأسي به فقال: "قد كانت لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر"؟
أم تقليد الصحابة الذين ترضى الله عنهم في سورة التوبة فقال: "والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم"؟ الطريق التي سلكوها أوصلتهم بتوفيق الله للفوز العظيم، فما الذي يبتغيه من يستنكف عن تقليدهم؟!
أم تقليد العلماء الذين قضوا جل حياتهم في حفظ كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وخدمتهما والعمل بهما؟ أوَ يُترك طريق هؤلاء فراراً من التقليد ويُطرق سبيل العصاة من أهل الخمور والفجور؟! أهذا هو الوعي؟!
الله تعالى قص على النبي صلى الله عليه وسلم في سورة الأنعام جانباً من قصص بعض الأنبياء عليهم السلام ووصفهم بالعلم والهداية والإحسان والصلاح ثم عقب في آخرها بقوله: "أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده". يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم المسدد بالوحي، المعصوم عن الزلل بالاقتداء بسبيل الأنبياء العلماء المحسنين الصالحين المهديين. فكيف يأتي أحدهم ممن ليس لهم عهد عند الله بالعصمة ليتلمس الهدى في مواطن الفجور!
 ثانياً: عندك أربع بنات علمتيهن الصلاة والتجويد في صغرهن ووكلت أمر الكبيرتين لأبيهن في مرحلة المراهقة لأنه أعلم بالواقع منك.
 لاحظت أنهما تسهران في أماكن فيها منكرات مهلكة، وتبيتان في بيت جدتهما المدخنة السكيرة وعمهما المنحرف، وفي بيوت الصديقات المتبرجات، وزوجك راض عن هذا بحجة أنهما ستكونان قويتان غير منحرفتين!
شكر الله لك تعليمك لهن أهم أمور دينهن وتقبل منك وأقر عينك بصلاحهن. لكن ما كان ينبغي لك ترك توجيههن لما بلغن سن المراهقة، وهي من أكثر المراحل التي تحتاج فيها الفتيات لقرب الأم وتوجيهها المستمر. أما العلم بالواقع فلا أظن أنك تجهلين الواقع الذي تعيشين فيه. وليس المطلوب منك معرفة ما دق وجل من تفاصيل ما يجري في بلدك، بل لا أتوقع أن يحيط بمثل هذا أحد. وما المانع من أن تعتني بتربية بناتك وتوجيههن وتستشيري زوجك فيما قد تجهلينه من أمر الواقع كلما دعت لذلك حاجة، فهو زوجك، وأولى الناس بك. تربية الأبناء مسؤولية مشتركة بينكما، وليس لك التنازل عنها لاسيما في مثل هذه الحال، وليس له منعك منها لأنها تكليف رباني ليس لأحد أن يمنعك منه.
الطريق الذي تسلكه البنتان خطير جداً ينبغي أن تبذلي كل ما في وسعك في تحذير ابنتيك منه، وإبعادهما عنه، بالإقناع، وبتوفير البديل المناسب من برامج اجتماعية مع بعض الأخيار، وشغلهما ببرامج تعليمية تستهلك وقتهما وغير ذلك من الأساليب. ذكريهما بأن القوة لا تكتسب بمعرفة أساليب الفجور والغواية، لكنها تكتسب بالعلم والمعرفة؛ العلم الشرعي، والعلم بالسبل القانونية التي تحميهن مما قد يتعرضن لم من مخاطر في مثل هذا المجتمع.
الغاية لا تسوغ الوسيلة أبداً إذا افترضنا جدلاً أن السبيل لغاية الالتزام هو التردد على الحانات والبارات وما شاكلها. الذي يعبر مستنقعاً آسناً ليصل لحديقة جميلة سيصل إن وصل منتن الرائحة، دنس الثياب.
لا تصادمي زوجك وتناكفيه، لكن وجهي البنات دون علمه ابتداء، ودعيهن يرفضن ما يدعوهن إليه، واستفيدي من الفكرة التي يؤمن بها من أن البنت إذا بلغت الثامنة عشرة تقرر ما تشاء، وليس لأحد أن يحملها على خلاف ما تريد.
 ثالثاً: أخبرت زوجك بأنك ستحجبين البنتين الصغيرتين إذا ما بلغتا فهددك وسمح لك بتوجيهما في شأن الصلاة فقط، أما الحجاب فتقرر البنت ما تفعله بعد بلوغ الثامنة عشرة!
لا داعي للنقاش إن لم يكن يأت بنتيجة مرضية. علمي بناتك من الآن أن التكليف يبدأ بالبلوغ لا بسن الثامنة عشرة التي تحددها بعض المواثيق الدولية سناً لبلوغ الرشد. وعلميهن أن الحجاب واجب على كل بالغة، وأنه فريضة شأنه شأن الصلاة والصيام. والحجاب يسهل على الفتاة إذا ما عودت عليه منذ الصغر فشجعيهن وكافئيهن على لبسه واحرصي أن تبدي بناتك الاعتزاز بالحجاب والرغبة فيه حتى تسدي الطريق أمام زوجك فلا يتهمك بأنك تتحكمين في خياراتهن. الواجب عليك تعليمهن وحملهن على طاعة الله حتى لو لم يكن ذلك موافقاً لهواهن، فلوثة الحرية والخيارات الشخصية تخالف شرع الله، لكن كثرة طرقها في الإعلام ومناهج التعليم، والبرامج المجتمعية المختلفة حولها لعقيدة راسخة، والتهاون في إنكارها في كل المجامع حولها لمعروف وجعل الملتزمين بأمر الله محل التهمة والإنكار. فكوني ممن يسعى في إزالة هذه الفكرة الفاسدة من نفوس بناتك واغرسي تعظيم أمر الله في نفوسهن.
إن منع زوجك لك من حمل بناتك على لبس الحجاب بحجة حرية البنات بعد بلوغ السن القانوني للرشد في تحديد ما يرينه حجة لك عليه. فهو يفعل الشيء نفسه ويحملهن على نزع الحجاب وارتياد أماكن الفجور قبل أن يبلغن الثامنة عشرة ويحددن ما يردنه.
اعلمي أيتها الفاضلة أن السنوات المقبلة ستشهد ترويجاً رهيباً لما يسمى بحق الطفل في تحديد مصالحه الفضلى، وتشنيعاً لمهمة الوالدين في توجيه وتعليم أبنائهم، ودعوات سافرة تسندها القوانين لحرية المراهقين والمراهقات، وضمان سرية حياتهم الخاصة وتقديم خدمات ِالجنس الآمن بسبب الضغط على الدول لتطبيق اتفاقيتي سيداو والطفل التي وقعت عليهما المغرب، وسحبت تحفظاتها على سيداو، والأمم المتحدة للمرأة عازمة على حمل الدول على تطبيق أكبر قدر من المصائب التي تضمنتها هاتان الاتفاقيتان وغيرهما من الوثائق المتعلقة بهذا الأمر خلال 2014 استباقاً للمؤتمر الدولي للألفية في 2015. فاستعيني بالله وواجهي الطوفان واعلمي أنك في جهاد عظيم.
 رابعاً: يتهمك بأنك وهابية وخوافة.
لا عليك بمثل هذا الكلام فهو في الغالب محاولة منه لحملك على التردد، وتركه يفعل ما يراه في هذا الجانب. ما دمت ترجعين في سلوكك لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فقد اعتصمت بحبل الله المتين الذي ينجِّي اللهُ من تمسك به.
والخوف على ابنتيك ليس مذمة تدفعينها، بل هو جزء من واجباتك، وهو سلوك فطري يصدر عن كل سوي. ولا تدعي خوفك عليهن يقف عند حد القلق عليهن وحسب، بل لابد من العمل على إنقاذهن بشتى السبل.
 خامساً: زوجك لا يحتكم للسنة ويقول كل يفهم القرآن حسب هواه!
لا شك أن هذا خطأ كبير، وبلية بدأت تشيع في بعض البلدان. الله تعالى يقول في سورة النجم: "وماينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى". وشرائع الإسلام ومنها الصلاة أهم الأركان بعد الشهادتين على الإطلاق لا تعرف تفاصيلها إلا من السنة. والذي يشكك في السنة يشكك في القرآن كذلك، لأن الذي بلغ القرآن هو الذي علم السنة عليه الصلاة والسلام، فمصدرهما واحد ومبلغهما واحد، فليس لأحد أن يأخذ بأحدهما ويدع الآخر.
زوجك على خطر عظيم فسلي الله له الهداية، واستعيني ببعض أهل بلدتك من الصالحين وأهل العلم من يعينك على رده إلى سواء السبيل.
استعيني بالصبر والصلاة فهما وصيتا الله تعالى لعباده المؤمنين. وأكثري من الدعاء لك ولهن ولزوجك بالصلاح والهداية والثبات.
وفقك الله وسددك، وأجرى الخير على يديك، وسخرك لإخراج أسرتك إلى رحاب التدين الذي يرضاه الله، وجمعكم جميعاً في الدنيا على طاعته، وفي الأخرى في مستقر رحمته ودار كرامته.
ومرحبا بك في موقع المسلم في كل حين، ونعتذر لك عن التأخر في الرد لبعض الظروف.

عبدالعزيز بن عبد الله آل الشيخ
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء