أنت هنا

ملخص ورقة التقارب الأمريكي الغربي الإيراني وتداعياته
19 صفر 1435
هشام برغش

إعداد : د/ هشام برغش...عضو رابطة علماء المسلمين

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،
في هذه الورقة:
نتناول تداعيات هذا التقارب على أطراف الصـراع المختلفة عامة وعلى الوجود السني خاصة، بعد  اتفاق جنيف أو اتفاق إيران ومجموعة (5+1)، وهو ذلك الاتفاق الذي تم التوصل إليه في مؤتمر جنيف الذي عقد نهاية شهر نوفمبر 21013، والذي أعلن البيت الأبيض عقبه أنه بموجب الاتفاقية ستخفف العقوبات المفروضة على إيران، ولن تفرض عقوبات جديدة، وهو الاتفاق الذي اعتبره كثير من المراقبين والمحللين بمثابة صفعة قوية لدول الخليج عامة، وتدشيناً لمرحلة جديدة بالغة الخطورة من الهيمنة الإيرانية الرافضية على مناطق النفوذ السني التقليدية...
وسوف تنتظم هذه الورقة المحاور التالية: 
أولًا: الشق التاريخي.
ثانيًا: الشق العقدي.
ثالثًا: الشق السياسي.
فأما المحور التاريخي والعقدي؛ وذلك لأنه لايمكن دراسة الشق السياسي بصورة دقيقة كلية بعيدًا عن سياقها التاريخي ومنطلقها العقدي؛ سواء فيما يتعلق بتاريخ العلاقات بين أطراف ذلك التقارب أو القواسم العقدية المشتركة بين فصائله، وكذلك موقفهم جميعاً التاريخي والعقدي من أهل السنة.

 


أولاً: الشق التاريخي:

أ- نبذة تاريخية عن طبيعة العلاقات بين الدولة الفارسية الشيعية والدول اليهودية والنصرانية:
       أ-العلاقات اليهودية الفارسية الشيعية:
(العداوة بين إيران وإسرائيل ليست سوى شذوذ عن مسيرة العلاقات التاريخية بين الشعبين، فقد عملت الروابط الثقافية والمصالح الاستراتيجية بين الفرس واليهود على جعل إيران وإسرائيل حليفتين متضامنتين ...)... الباحث الأمريكي ذو الأصول اليهودية ستانلي فايس.
(إن إيران لم تنكرها أبدًا مشيرًا إلى أن الرجل الذي كان ينكر حدوثها –في إشارة لأحمدي نجاد– قد رحل ولم يعد موجودًا)...وزير الخارجية الإيراني الحالي ظريف يتحدث عن الهلوكست!!
أقوال الساسة والمفكرين اليهود عن العلاقة مع إيران:
-«...المصالح الإستراتيجية الثابتة تشير إلى أن إعادة إحياء الشـراكة الفارسية – اليهودية أمر محتوم، وإن لم يكن متوقعاً على المدى القريب».
- « ففي حالة نشوب حرب إقليمية واسعة بين الشيعة والسنة ستجد إيران وإسرائيل أنهما أصبحتا ثانية بمواجهة عدو مشترك»..الباحث الأمريكي ذو الأصول اليهودية ستانلي فايس
 -«...لم أرَ يوماً في الشيعة أعداء لإسرائيل على المدى البعيد...»!! السفاح آريل شارون.
 - «إسرائيل لم تقل في يوم من الأيام إن إيران هي العدو»!!. ديفيد ليفي وزير خارجية الكيان الصهيوني السابق.
اليهود في إيران وامتيازاتهم!!

 

 يوجد في إيران أكثر من 30 ألف يهودي:
1- مسموح لهم تعلم اللغة العبرية.
2- مسموح لهم بإنشاء مقرات ومؤسسات ومستشفيات ومكتبات خاصة بهم.
3-يتمتعون بحرية التنقل والسفر حتى إلى الكيان الصهيوني.
4-الاعتراف باليهود كأقلية دينية يسمح لها بممارسة شعائرها الدينية.
5- السماح لهم ببناء المعابد والكنس ففي طهران وحدها 36 معبدا من أصل 80 معبد في إيران.
6-السماح لهم بإنشاء قناة فضائية تنقل آراؤهم وآمالهم.
ب-العلاقات النصرانية الفارسية الشيعية:
(إني أقدر لك احترامك للمسيحيين في بلادك، وأعرض عليك الأسطول والجند والأسلحة لاستخدامها ضد قلاع الترك في الهند، وإذا أردت أن تنقضّ على بلاد العرب أو تهاجم مكة فستجدني بجانبك في البحر الأحمر أمام جدة أو في عدن أو في البحرين أو القطيف أو البصرة، وسيجدني الشاه بجانبه على امتداد الساحل الفارسي وسأنفذ له كل ما يريد)... رسالة البوكيرك قائد البرتغال النصـراني إلى الشاه إسماعيل الصفوي.
هل تغيرت طبيعةالعلاقات الإيرانية النصرانية اليهودية  في ظل ثورة الخميني؟
(إن الذين يطلبون من الولايات المتحدة أن تتدخل بشكل مباشر لوقف الأحداث مخطئون ولا يعرفون الحقائق القائمة في إيران!! لقد سبق أن أجرينا اتصالات مع أبرز زعمائها منذ بعض الوقت)...جيمي كارتر رئيس الولايات المتحدة الأمريكية!!
إن المصالح الأمريكية في إيران لم تتغير، ولنا مصلحة قوية في أن تبقى إيران دولة حرة مستقرة ومستقلة... مساعد وزير الخارجية الأمريكية (هارولد ساوندرز)
ولولا (التقية) التي كان يمارسها أحيانًا، لأصبح الخميني أبرز الزعماء الإيرانيين الموالين للولايات المتحدة...صحفي إيراني.
2 ـ دور الرافضة في الحروب على الدولة والشعوب الإسلامية السنية عبر التاريخ:
لولا الإيرانيون لكنا نقرأ القرآن في بلجيكا!!. مستشرق بلجيكي ممتنًا لدور الدولة الفارسية الصفوية الرافضية في إعاقة تقدم قوات الخلافة العثمانية في أوربا.
الشيعة تاريخ عريض من العدوان والتآمر على أهل السنة:
القرامطة: في الأحساء والبحرين واليمن وعمان وفي بلاد الشام ... ، فحرقوا بني عبد القيس في منازلهم، ودخلوا الكوفة عام293 هـ وأوقعوا فيها مذبحة رهيبة، وفي عام 294 هـ اعترضوا قافلة الحجاج في طريق مكة فقتلوا الرجال وسبوا النساء... وفي عام 311 دخل أبو طاهر القرمطي البصرة ووضع السيف في أهلها، وفي عام 317 وصل إلى مكة يوم التروية فقتل الحجاج في المسجد الحرام، واقتلع الحجر الأسود، الذي بقي بحوزتهم حتى عام 335
ولم يزل التاريخ يحفظ دور ابن العلقمي وزير الخليفة المستعصم  الذي وثق فيه وقربه- في دخول التتر بغداد.
وفي عهد الدولة العثمانية كان للرافضة دور مؤثر وخطير في الكيد للمسلمين، وإعانة الصليبيين عليهم، من خلال ما يعرف بالدولة الصفوية، التي كانت تحكم إيران آنذاك.
عداء وتآمر رافضي على أهل السنة لاينقطع في الحاضر وفي المستقبل!!
(لولا التعاون الإيرانى لما سقطت كابول وبغداد بهذه السهولة)... محمد علي أبطحي نائب الرئيس الإيرانى السابق محمد خاتمي
(وكذلك إذا صار لليهود دولة بالعراق وغيره تكون الرافضة من أعظم أعوانهم، فهم دائمًا يوالون الكفار من المشركين واليهود والنصارى ويعاونونهم على قتال المسلمين ومعاداتهم)...ابن تيمية.
3- علاقة الدولة الرافضية الحديثة في نشأتها بالدول الغربية وعلاقتها مع الدول السنية:
-الدولة البهلوية مرحلة جديدة وطورًا آخر من مراحل التقارب الغربي الفارسي.
-اغتنم رضا بهلوي فرصة سقوط الخلافة وعلمنة تركيا، وجعل يصيغ إيران وفق النموذج المنشود.
-في عام (1926م) ألغى رضا بهلوي الحجاب الشرعي، وأمر الشرطة بمضايقة المحجبات، وما كانت امرأة تخرج من بيتها محجبة إلا وعادت إليه سافرة.
-في عام (1935م) غيَّر اسم الدولة فأصبحت (إيران) بعد أن كانت (فارس)، وخدم رضا بهلوي أسياده الإنجليز وغيرهم حتى عام (1941م)، ثم اختاروا ابنه محمد رضا ملكًا لإيران.
-وكان شاه إيران الجديد على صلة وثيقة منذ أن كان طالبًا بعميل المخابرات البريطانية (مسيو براون)، وتقول زوجته "ثريا" في مذكراتها: (لم يحيرني ولم يدهشني في المدة التي قضيتها مع الشاه شيء أكثر من هـذا الاتصــال الوثيــق الغامض بينـه وبــين مسيو بـراون، لقــد كان باستطاعتي أن أسألـه عن أي شـيء إلا عن شخصية بــراون وعلاقته به).
-وفي عام (1948م) اعترف شاه إيران محمد رضا بهلوي بدولة يهود وأقام علاقات متينة معها، فلقد جاء الإنجليز بالشاه في الأربعينيات، وفي الخمسينيات تولى الأمريكان حمايته، وقدموا له الخبراء وأعادوه إلى الحكم بعد عهد (مصدق).

 

عهد الخميني:
 
كاتب إيراني: ولولا (التقية) التي كان يمارسها أحيانًا، لأصبح الخميني أبرز الزعماء الإيرانيين الموالين للولايات المتحدة
فضيحة إيران جيت!!
لقد أعطى الخميني عام (1984م) الضوء الأخضر لإجراء محادثات سرية مع الولايات المتحدة بواسطة إسرائيل، وأوضحت التقارير الصادرة حول فضيحة (إيران جيت) المدى الذي وصله الخميني من الاتفاقيات السـرية مع الأمريكيين

 
عهد الخاتمي:
إن أمريكا لها حضارة تستحق الاحترام، ويزداد احترامنا لها عندما نلاحظ جذور هذه الحضارة!!...محمد خاتمي الرئيس الإيراني السابق
وأخيرًا عهد روحاني!!
(روش هاشاناه مجيدًا) : في الوقت الذي تغرب فيه الشمس هنا في طهران، فإنني أود أن أتمنى لكل اليهود، وخاصة أولئك الذين يعيشون في إيران رأس سنة مبارك...الرئيس الإيراني الحالي روحاني.

 

ثانيًا: الشق العقدي:
-لايمكننا أن نكون صورة شاملة متكاملة الأركان وموضوعية في هذه الدراسة دون التطرق إلى البعد العقدي وأثره في مواقف أطراف الدراسة المختلفة.
- وكثير من الأحداث والمواقف التاريخية تبقى لغزًا محيراً إذا أغفل البعد العقدي في تناولها وتفسيرها.
-ولايمكن عندئذ الوقوف على تفسير صحيح لطبيعة علاقة الود بين الدولة الفارسية الصفوية الرافضية ونظيرتها اليهودية أو النصرانية، أو ما مقابلها من الغل والحقد مع الدول والشعوب السنية.
القواسم المشتركة بين عقيدة الرافضة والعقائد اليهودية والنصرانية:
•    متأخرو الرافضة أشبهوا النصارى في الشرك.
•    الرافضة أشبهوا النصارى في تفضيل أئمتهم وتسليم الدين لهم.
•    اليهود والنصارى حرفوا التوراة والإنجيل وكذلك الرافضة حرفوا القرآن.
•    وأعظم القواسم المشتركة بين هؤلاء وأولئك هي بغض أهل السنة وتربص الدوائر بهم والعمل الدءوب على استئصال شأفتهم وإبداتهم واستباحة مقدساتهم.
- نظرة الرافضة إلى أهل السنة:
-يعتبر أهل السنة في نظر الرافضة كفارًا مرتدين، كما هو مقرر في أصولهم ومراجعهم المعتمدة؛ ومن ثم فإنه لاحرمة لدمائهم وأعراضهم وأموالهم، كما أنهم في نظر الرافضة أمة ملعونة أو أمة خنازير.
-وتكاد تنحصر مهام مهديهم المزعوم في ذبح العرب السنة وهدم شعائر الإسلام واستحلال الكعبة والمسجد الحرام واقتلاع الحجر الأسود، وتحويل قبلة المسلمين إلى الكوفة بدلاً من الكعبة، وإقامة حكم آل داود بدلاً من شريعة محمد ﷺ.
والناظر في أصول دين الرافضة لايتردد في الحكم أنهم يدينون دينًا آخر غير دين الإسلام الذي أنزله الله على محمد ﷺ، فالخلاف بين دين الإسلام ودين الرافضة  خلاف في أصول الدين وفروعه.
خلاصة تجارب التاريخ وحقائق العقيدة الرافضية:
وهذه المقدمات التاريخية والعقدية تؤكد على حقيقة ناصعة لا لبس فيها ولاغموض، وهي أن العداء الفارسي الصفوي الرافضي لأهل السنة والتآمر عليهم أمر حتمي وقربى يتقربون بها إلى آلهتهم المزعومة!!

 


ثالثًا: الشق السياسي:

أولاً:طبيعة المشروع الإيراني ومرتكزاته في المنطقة العربية وأهدافه:
"كان الخميني يقول إنه يريد إقامة حزام شيعي للسيطرة على العالم الإسلامي، وكان هذا الحزام يتألف من إيران والعراق وسورية ولبنان، وعندما يصبح سيدًا لهذا الحزام يستخدم النفط وموقع الخليج العربي للسيطرة على بقية العالم الإسلامي»... أبو الحسن بني صدر أول رئيس للجمهورية الايرانية بعد الثورة .

 

الخطة الخمسينية الإيرانية: وهي خطة تستهدف أهل السنّة داخل إيران وخارجها، وهي خطة  ذات صبغةٍ ثقافيةٍ اجتماعيةٍ تاريخيةٍ سياسيةٍ اقتصادية دينية، وهي خطة:
1- تعتمد على تحسين العلاقات مع الآخرين، وعلى نقل أعدادٍ من العملاء إلى الدول المستهدَفَة.
2- وتدعو إلى زيادة النفوذ الشيعيّ في مناطق أهل السنة، عن طريق بناء الحسينيات والجمعيات الخيرية والمراكز الثقافية والمؤسّسات الطبية والصحية.. كما تدعو إلى تغيير التركيبة السكانية، بتشجيع الهجرة الشيعية إلى تلك المناطق، وبتهجير أهل تلك المناطق منها.
3- وتوزَّع على خمس مراحل، مدة كل مرحلةٍ عشرُ سنوات، ينفّذون في كل مرحلةٍ حزمةً من الإجراءات، كما يلي:
أ- المرحلة الأولى (مرحلة التأسيس ورعاية الجذور): يقومون خلالها بإيجاد السكن والعمل لأبناء الشيعة المهاجرين إلى الدول المستهدَفَة، ثم بإنشاء العلاقة والصداقة مع أصحاب رؤوس الأموال والمسؤولين الإداريين في تلك الدول، ثم بمحاولة خلخلة التركيبة السكانية عن طريق تشتيت مراكز تجمّعات أهل السنّة وإيجاد تجمّعاتٍ شيعيةٍ في الأماكن المهمّة.
ب- المرحلة الثانية (مرحلة البداية):
وهدفها: السعي للحصول على الجنسية المحلية للمهاجرين الشيعة، ومحاولة الانسلال إلى الأجهزة الأمنية والحكومية...مع التركيز على إحداث الوقيعة بين علماء السنة (الوهابيين -كما يصفونهم-) والدولة.
ج- المرحلة الثالثة (مرحلة الانطلاق):
ويتم خلالها ترسيخ العلاقة بين الحكام والمهاجرين الشيعة العملاء، وتعميق التغلغل في أجهزة الدولة. وتشجيع هجرة رؤوس الأموال السنية إلى إيران، لتحقيق المعاملة بالمثل، أي للسماح لرؤوس الأموال الإيرانية بالعمل في تلك البلدان السنيّة..ثم القيام بضرب اقتصاديات تلك الدول، بعد السيطرة عليها.
د- المرحلة الرابعة (بداية قطف الثمار):

وتتميّز بالوصول إلى المواقع الحكومية الحسّاسة، وشراء الأراضي والعقارات.
هـ- المرحلة الخامسة (مرحلة النضج):
وفيها تقع الاضطرابات الشديدة، وتفقد الدولة عوامل قوّتها (الأمن، والاقتصاد)، وبسبب الاضطرابات يتم اقتراح تأسيس (مجلسٍ شعبيٍ)، يسيطرون عليه ويقدّمون أنفسهم مخلِّصين لمساعدة الحكّام على ضبط البلاد.

 

ثانيًا: القواسم المشتركة بين المشروع الإيراني والغربي في المنطقة العربية:
تكشف "حروب الجيل الرابع" التي تبنتها الولايات المتحدة حديثًا العديد من القواسم المشتركة بين المشروع الإيراني والمشروع الصهيوني الغربي في المنطقة.
 وهذه الحروب تهدف إلى "إفشال الدولة" عبر استخدام المتضادات، ونقاط الاختلاف، وتوزيع نسب السكان، والأزمات في العلاقات، والإشكالات القائمة داخل الدول بغرض تضخيمها، وتكوين حالة من انعدام التوازن بين الأطراف المختلفة دينيًّا أو ثقافيًّا أو سياسيًّا.

 

أ‌-    المشروع الإيراني والمشروع الصهيوني:
يعتمد جوهر مشروع الكيان الصهيوني في المنطقة العربية على ثلاثة أهداف رئيسة:
• تأمين الكيان الصهيوني وإن استلزم ذلك شن حروب في داخل فلسطين أو في خارجها.
• الهيمنة على المنطقة وتكريس التفوق الصهيوني عبر القوة العسكرية أو عبر مشاريع متعددةكالشرق الأوسط الكبير.
• منع بروز أي قوّة في المنطقة العربية بما يقوّض الهيمنة أو التفوق الصهيوني.

 

وإذا أمعنا النظر بهذه الأسس الثلاثة، سنلاحظ أنّها تشترك مع المشروع الإيراني في عدد المحاور:
• ساحة العمل هي نفسها بالنسبة للمشروعين الصهيوني والإيراني مع تركيز الأولى على دائرة الشام ومصر كأولوية قصوى، وتركيز الثانية على الخليج والعراق كأولوية قصوى.
• كلا البلدين يعتمد إستراتيجية الدفاع عن نفسه خارج حدوده، ومرة أخرى في المنطقة العربية. فالأول يعتمد على التفوق العسكري الهائل، والثانية تعتمد على الأذرع الإقليمية والقدرات غير المتوازية في تحقيق هذا الهدف.
• كلا البلدين يرى أنه الأكفأ للسيطرة على المنطقة العربية.
• كلتا الدولتين تميلان إلى تقديم أنفسهما متفوقتين على جيرانهم العرب؛ إذ ينظر العديد من الإيرانيين إلى أنّ جيرانهم العرب في الغرب والجنوب أقل منهم شأنًا من الناحية الثقافية والتاريخية وفي مستوى دوني، ويعتبرون أن الوجود الفارسي على تخومهم ساعد في تحضرهم وتمدّنهم ولولاه لما كان لهم شأن يذكر.
في المقابل، يرى الصهاينة أنهم متفوقون على العرب بدليل أنهم انتصـروا عليهم في حروب كثيرة.
• إذا ما أمعنّا النظر في الوضع الجيـو-سياسي الذي تعيشه كل من إيران والكيان الصهيوني ضمن المحيط العربي، سنلاحظ أنهما يلتقيان أيضًا حاليًا في نظرية "لا حرب، لا سلام"؛ فالصهاينة لا يستطيعون إجبار أنفسهم على عقد سلام دائم مع من يظنون أنهم أقل منهم شأنًا، ولا يريدون أيضًا خوض حروب مادام أنّ الوضع لصالحهم، لذلك فإن نظرية "لا حرب، لا سلام" هي السائدة في المنظور الصهيوني.
 في المقابل، فقد توصّل الإيرانيون إلى هذا المفهوم من قبل، واعتبروا أنّ "العرب يريدون النيل منّا".
• الأهم من هذا كلّه، أنّ كلا الطرفين يعتقدان أنهما منفصلان عن باقي المحيط ثقافيًا وسياسيًّا وإثنيًا؛ الصهاينة محاطون ببحر من العرب ودينيًا محاطون بالمسلمين السنّة.
 أما بالنسبة لإيران، فالأمر مشابه نسبيًا؛ عرقيًا هم محاطون بمجموعة من الأعراق غالبها عربي خاصة إلى الجنوب والغرب، وطائفيًا محاطون ببحر من المسلمين السنّة.

 

إضافة إلى ذلك فإن كلا البلدين يعتمد موقفًا متطابقًا وبتكتيكات مشابهة إزاء نفس القضايا في العالم العربي:
1- على صعيد عملية السلام: ترفض دولة الكيان الصهيوني (إسرائيل) السلام العادل والشامل جملة وتفصيلًا؛ ذلك أنّ ذلك من شانه أن يحجّم (إسرائيل) ويسحب منها ورقة التميّز الإقليمي والسمو على القوانين والمواثيق الدولية.
في المقابل، تخشى إيران أن يؤدي أي سلام بين (إسرائيل) والعرب إلى تهميشها إقليميًا بحيث تصبح معزولة.
2- على صعيد البنية الاجتماعية للعالم العربي: تفتيت المجتمعات العربية والإسلامية السنية والدول العربية من الداخل يعتبر أولوية لدي المشروعين الإيراني والصهيوني، والمراجع لنشاط الدولتين على هذا الصعيد في العالم العربي منذ عقود وحتى اليوم سيلاحظ أنّ الأولى تعمل على سياسة إقليمية قوامها تفتيت المجتمعات العربية سياسيًّا على قاعدة الممانعة، وطائفيًّا على قاعدة شيعي-سني، وسنيًّا على قاعدة إخواني-سلفي.
 وأما الثانية فتعتمد نفس المنطق على أساس قومي- ديني – طائفي – أقليات.
3-على صعيد الاستقرار الإقليمي: فإن كلا البلدين يعتمد على سياسة "التوتير المضبوط"، الأول تحت عنوان "الممانعة" والثاني تحت عنوان محاربة "الإرهابين".
 فليس من مصلحتهم حصول فوضى شاملة تهدد أمنهم الداخلي، لكن التوتير المضبوط يستغلونه لتجييره في مكتسبات مشروعهم الإقليمي، ولذلك فإن كلا البلدين لا يجد في عامل الاستقرار الإقليمي عاملاً محفزًا لمشروعهم.
4-على صعيد الازدهار الاقتصادي الإقليمي: فإن كلا البلدين غير مهتم بذلك، فدولة الكيان الصهيوني تعتمد اقتصاديًّا على صلاتها مع العالم خارج الإطار الإقليمي لا سيما (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي)، كذلك على المساعدات الاقتصادية الأمريكية الاقتصادية والعسكرية ناهيك عن التسهيلات.
 أمّا إيران فهي دولة نفطية، واقتصادها يعتمد بشكل أساسي على تدفق النفط ولا حاجة لها إلى موضوع تكامل او ازدهار إقليمي شامل.
ومن أجل هذه المصالح والقواسم المشتركة، فإننا نجد من الوقائع ما يدل على تعاون جدي بين الكيان الإيراني والكيان الصهيوني.

 

ثالثًا: حقيقة العلاقات بين الدولة الإيرانية والدول الغربية والكيان الصهيوني:
إن إدراك طبيعة العلاقة الثلاثية بين كل من دولة الكيان الصهيوني المسماة إسرائيل، وإيران وأمريكا يستلزم:
 أولًا: فهم الاختلاف بين الخطاب الاستهلاكي العام والشعبوي (أي ما يسمى الأيديولوجيا هنا)، وبين المحادثات والاتفاقات السريّة التي يجريها الأطراف الثلاث غالبًا مع بعضهم البعض (أي ما يمكن تسميته الجيو-استراتيجيا هنا).
 ثانيًا: العلاقة بين المثلث الإسرائيلي- الإيراني – الأمريكي تقوم على المصالح والتنافس الإقليمي والجيو-استراتيجي، وليس على الأيديولوجيا والخطابات والشعارات التعبوية الحماسية.
 فإيران و(إسرائيل) ليستا في صراع أيديولوجي بقدر ما هو نزاع استراتيجي قابل للحل، وأحد من الطرفين (إسرائيل وإيران) لم يستخدم أو يطبّق خطاباته النارية، فالخطابات في واد والتصرفات في واد آخر معاكس.

 

طبيعة العلاقة الإيرانية الأمريكية:
هناك وجهان لسياسات التعامل الإيراني مع الولايات المتحدة في المنطقة:
سياسة المصالح المشتركة، وسياسة التدافع والصراع في المنطقة وذلك للتحقيق أهداف السياسات الخارجية الإيرانية.
وقد حددت الوثيقة المسربة طبيعة العلاقة بين إيران والقوى المهيمنة؛ حيث نصت صراحة أنها لن تسعى للمواجهة مع قوى الهيمنة الخارجية، إلا في الساحات التي توجد فيها مصالح متعارضة بينهما.
ولاشك أن استحضار السياق التاريخي في طبيعة العلاقة بين الدولة الفارسية الصفوية الرافضية التي تمثل دولة إيران الحديثة الوريث الشرعي والامتداد التاريخي لها وبين الدول النصرانية - لاشك أن ذلك يؤكد هذه السياسة.
وعندما كانت المصلحة الأيديولوجية تتصادم مع المصلحة الإستراتيجية كما حصل في الثمانينيات كانت المصلحة الإستراتيجية تتفوق باستمرار وقد رفض رفسنجاني أن تستند السياسة الخارجية الإيرانية إلى المبادئ الأيديولوجية بصرف النظر عن النتائج مادامت ذلك في سبيل مصلحتها.
ولقد شهدت العديد من ملفات منطقة الشرق الأوسط تعاونًا بين الولايات المتحدة وإيران، وهو مايؤكد هذه الحقيقة ؛ سواء في أفغانستان أو في العراق أو في مواجهة تنظيم القاعدة على وجه عام.

 

الصفقة الكبيرة:
تكشف وثائق ومعلومات سرية جدًّا، أنّ المسؤولين الرسميين الإيرانيين وجدوا أنّ الفرصة الوحيدة لكسب الإدارة الأمريكية تكمن في تقديم مساعدة أكبر وأهم لها في غزو العراق العام 2003 عبر الاستجابة لما تحتاجه، مقابل ما ستطلبه إيران منها، على أمل أن يؤدي ذلك إلى عقد صفقة متكاملة تعود العلاقات الطبيعية بموجبها بين البلدين وتنتهي مخاوف الطرفين.
وتمّ إرسال العرض الإيراني أو الوثيقة السريّة إلى واشنطن والذي تضمن مجموعة مثيرة من التنازلات السياسية التي ستقوم بها إيران في حال تمّت الموافقة على "الصفقة الكبرى" وهو يتناول عددًا من المواضيع منها: برنامجها النووي، سياستها تجاه إسرائيل، ومحاربة القاعدة.

 

هذا وتضمّنت الوثيقة السريّة الإيرانية لعام 2003 والتي مرّت بمراحل عديدة منذ 11 أيلول 2001 ما يلي:
1- عرض إيران استخدام نفوذها في العراق لـ (تحقيق الأمن والاستقرار، إنشاء مؤسسات ديمقراطية، وحكومة غير دينية).
2- عرض إيران (شفافية كاملة) لتوفير الاطمئنان والتأكيد بأنّها لا تطوّر أسلحة دمار شامل، والالتزام بما تطلبه الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشكل كامل ودون قيود.
3- عرض إيران إيقاف دعمها للمجموعات الفلسطينية المعارضة والضغط عليها لإيقاف عملياتها العنيفة ضدّ المدنيين الإسرائيليين داخل حدود إسرائيل العام 1967م.
4- التزام إيران بتحويل حزب الله اللبناني إلى حزب سياسي منخرط بشكل كامل في الإطار اللبناني.
5- قبول إيران بإعلان المبادرة العربية التي طرحت في قمّة بيروت عام 2002، أو ما يسمى "طرح الدولتين" والتي تنص على إقامة دولتين والقبول بعلاقات طبيعية وسلام مع (إسرائيل) مقابل انسحاب إسرائيل إلى ما بعد حدود 1967.
المفاجأة الكبرى في هذا العرض كانت تتمثل باستعداد إيران تقديم اعترافها بـ(إسرائيل) كدولة شرعية!!
ولقد حاولت إيران مرّات عديدة التقرب من الولايات المتّحدة لكن (إسرائيل) كانت تعطّل هذه المساعي دومًا خوفًا من أن تكون هذه العلاقة على حسابها في المنطقة.
لماذا يسعى الغرب وأمريكا لهذا التقارب؟
"أهمية إيران الاستراتيجية ونفوذها في العالم الإسلامي هما السبب الذي دفعنا إلى السعي إلى إقامة علاقة أفضل بين بلدَينا"... هذا الكلام الذي أطلقه الرئيس رونالد ريجان، منذ مايناهز عقود ثلاثة، يتردّد صداه اليوم.

 

أسباب حرص الجانب الأمريكي على هذا التقارب:
1- عدم استقرار الحلفاء القدامى والقلق من تركيا:
حيث أحدث ما يعرف بالربيع العربي واقعًا جديدًا في المشهد الإقليمي والدولي، مشهد عنوانه الأصلي عدم استقرار الأنظمة والتحالفات، فحلفاء واشنطن ابتداء من مصر إلى اليمن إلى تونس وحتى تلك الدول التي لم تعصف بها رياح الربيع العربي مباشرة في وضع لا يحسدون عليه.
ودفع الانهيار أو تراجع أدوار حلفاء واشنطن -مثل مصر والسعودية- بشكل قوي للاعتماد على الدور التركي، هذا الدور بدأ يشكل مصدر قلق أميركي، إيراني، إسرائيلي، وحتى عربي ولاسيما من بعض الحكومات القريبة إلى واشنطن.
وهذا القلق من الدور التركي التقت فيه إيران مع الولايات المتحدة التي بدت قلقلة من علاقات تركيا ولاسيما مع حركات الإسلام السياسي مثل حماس، وهي العلاقات التي كانت أحد أسباب أزمة سياسية في العلاقة بين تركيا وإسرائيل بشكل خاص.
وهذا القلق المشترك من الدور التركي المتنامي عامل قد يخفف من حدة الخصومة القائمة بين واشنطن والغرب من جهة وإيران من جهة أخرى.

 

2- تغير الإستراتيجية الأمريكية:
التراجع أو تقليص الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط، واعتماد إدارة أوباما سياسة الاستدارة شرقًا نحو آسيا.وما ترتب عليها من تأثيرات على توجّهات واشنطن في الشـرق الأوسط، حيث فرض عليها ذلك سحب كل قواتها من العراق وأفغانستان وإغلاق ملف الحرب فيهما، التي استنزفت الخزينة الأمريكية بمبلغ تجاوز التريليوني دولار.
وبالطبع فحين تقرر واشنطن الانسحاب من هاتين الحربين ونقل الموارد منهما إلى منطقة الباسيفيك، فلا يتوقع أحدٌ منها أن تنغمس في وقت قريب في حروب أو نزاعات أخرى في الشرق الأوسط، إلا إذا ما تطلّب الأمن القومي ذلك أو تعرَّض وجود ربيبتها (إسرائيل) أو المصالح النفطية إلى تهديد جدي.
وسيفعل أوباما تمامًا ما فعله ريتشارد نيكسون بعد فيتنام، حين عمد هذا الأخير إلى تقليص الالتزامات الأمنية - العسكرية الأمريكية المباشرة في العديد من بقاع العالم و"لزّمها" إلى قوى إقليمية مُوالية للولايات المتحدة؛
والآن في حال لم تتوصل المفاوضات الراهنة مع إيران إلى "صفقة كبرى" جديدة، يُتوقع أن يضطر أوباما إلى الأمر نفسه في الشرق الأوسط، وسيكون مضطرًا أكثر فأكثر للاعتماد على تركيا في منطقتي الشـرق الإسلامي (الدول العربية ودول آسيا الوسطى)؛ وهو ليس الخيار الأمثل لها.

 

موقف الكيان الصهيوني من هذا التقارب:   
إن الخطاب الإيراني الجديد وتجاوب الولايات المتحدة والدول الغربية معه يظل مبعث قلق شديد في (إسرائيل)؛ حيث تخشى (إسرائيل) أن يؤدي الانفراج في العلاقات بين إيران والولايات المتحدة إلى إحداث تغيير استراتيجي في المنطقة من شأنه إلحاق الضـرر بمكانتها ودورها، وفي الوقت نفسه يعزز مكانة إيران بوصفها دولة إقليمية ذات نفوذ واسع في الشـرق الأوسط.
بواعث قلق(إسرائيل) من أن الانفراج في العلاقات الإيرانية ــ الأمريكية سيؤدي إلى:
أولًا: إنهاء عزلة إيران الدولية وتحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة والدول الغربية.
ثانيًا: تقليص العقوبات الاقتصادية الدولية ضد إيران تدريجيًّا، في إطار خطوات عملية لإعادة بناء الثقة بين الغرب وإيران، قبل التوصل إلى اتفاق شامل بشأن الملف النووي الإيراني، ما يعزز قدرة إيران في عملية المفاوضات بشأن برنامجها النووي.
ثالثًا: تخوف (إسرائيل) من أن تتوصل الولايات المتحدة إلى اتفاق شامل بشأن الملف النووي الإيراني وملفات الصراع الأخرى في المنطقة، دون إجراء التنسيق الكامل مع (إسرائيل)، دون أن يكون لديها القدرة على التأثير في مضمون هذا الاتفاق ومكوناته.
رابعًا: على الرغم من أن الولايات المتحدة و(إسرائيل) متفقتان اتفاقًا كاملًا على منع إيران من إنتاج السلاح النووي، فإن هناك خلافات حقيقية بينهما؛ ففي حين تقر الولايات المتحدة مثلًا بحق إيران في تخصيب اليورانيوم لأغراض مدنية سلمية كما جاء في خطاب الرئيس أوباما في الجمعية العامة للأمم المتحدة، فإن (إسرائيل) تعارض ذلك بشدة.

 

خامسًا: الفوائد التي ترجوها الأطراف المختلفة من هذا التقارب:
المكاسب التي تريد إيران تحقيقها من هذا التقارب:
• الاعتراف بإيران كقوة إقليمية نووية لها الحق في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية في حدود متفق عليها.
• الاتفاق على تخفيف الحظر يمكن إيران من استرداد أكثر من سبعة مليارات من الولايات المتحدة مجمدة لدى البنوك العالمية، وما يترتب عليه من انتعاش اقتصادي وحل كثير من مشكلاتها الداخلية.
• عودة بعض الشركات الغربية الكبرى التي أسهمت في المقاطعة طوال العقود الثلاثة الماضية إلى العمل مرة أخرى في إيران.
•الحصول على تعهد أمريكي بعدم العمل على الإطاحة بالنظام الإيراني (وقف تحركات الأقليات السنية داخل إيران) ويبدو أن إيران حصلت على هذا التعهد.
• انتزاع دور إقليمي لإيران يتناسب مع حجمها الجيوستراتيجي يشمل (اليمن، الخليج، سوريا، لبنان، العراق) .
• استعمال أمريكا كمراسل بين إيران والخليج بما يصب في صالح الأهداف الإيرانية في المنطقة على حساب دول الخليج.

 

الفوائد التي ترجوها أمريكا والغرب من هذا التقارب:
يمكن قراءة التقارب الإيراني الأميركي بأنه تقاطع لحالة العجز التي يعيشها الطرفان، فواشنطن وفق إستراتيجيتها الممثلة بما يمكن تسميته بـ"إدارة التقهقر" من منطقة الشـرق الأوسط، التقت مع طهران التي استنزفها الحصار والحرب في سوريا، بمعنى أن اللحظة تترجم حالة العجز لكلا الطرفين.
- يوفر التقارب محاولة لخلق هدنة تكتيكية بين الطرفين على أقل تقدير.
- مساعدة واشنطن على اختبار القيادة الجديدة في طهران، والتوصل لتعليق زمني معقول للبرنامج النووي الإيراني، في ضوء عدم قدرتها على إيقافه بالقوة، للمحاذير الإستراتيجية التي تمنعها من الحسم ويعج بها الإقليم.
- ربما تقترب واشنطن من طهران لاحتواء الأخيرة، بهدف قفل الملف السوري باعتبار الدور الإيراني فاعلاً في هذا الملف.
- قد تتطور الأمور لتعمل إيران مع أميركا في جبهة واحدة لمحاربة القاعدة وشبيهاتها في الساحة السورية، والثمن بقاء النظام السوري أو أجزاء مهمة منه.
- إبعاد إيران عن الجناح الروسي الصيني، والذي يمثل المنافس الأكبر الذي يهدد المصالح الأمريكية في المنطقة.
الفوائد التي يرجوها الكيان الصهيوني من هذا التقارب:
رغم مخاوف (إسرائيل) السابقة من هذا التقارب، إلا أنه على الجانب الآخر، فإن هناك مكاسب هامة قد تبدد مخاوفها منه، مما يجعل من هذه الاتفاقية سلاحًا ذا حدين، ولعل أهم هذه الفوائد هي محاصرة النووي الإيراني على الأقل لفترة بعيدة:
فـ(إسرائيل) ستستفيد من تطورات التقارب الأمريكي الإيراني الأخير بالمنطقة، لأن الكيماوي السوري والنووي الإيراني ظلا مصدرين لقلقها طوال السنوات الماضية. وقد تم تفكيك وإغلاق ملف الملف السوري بالاتفاق الأخير بين موسكو وواشنطن. وها هو اتفاق جنيف يطمئنها نسبيًّا لأنه يضع قيودًا على النووي الإيراني، رغم أنها كانت ولاتزال تطمح إلى إيقافه وتفكيكه تمامًا كما حدث مع الكيماوي.

 

سادسًا: العواقب والتداعيات المحتملة لهذا التقارب على الدول والشعوب السنية:
أ- تداعيات هذا التقارب على دول الخليج:
1- تهديد الأمن القومي لدول الخليج:
- إن هذا التقارب سيطرح تحديات استراتيجية فيما يخص أمن الخليج بما سيترتب عليه من انفراد إيراني بالمنطقة، في ظل غياب موازن إقليمي آخر.
- إن التقارب الإيراني-الأمريكي غالبًا ما يتم من خلال صفقة تحصل فيها إيران على نفوذ واسع في منطقة الخليج مقابل إخضاع برنامجها النووي للمراقبة الدولية، كما أن التفاهمات الإيرانية-الأمريكية تركزت -حتى الآن فقط- على الملف النووي وأمن (إسرائيل)، دون الالتفات إلى ملف أمن الدول الخليجية واحتمالات التدخلات الإيرانية مستقبلًا حيث من الممكن أن تخلو لها الساحة بعد انحسار النفوذ الأمريكي في المنطقة.
وإذا كانت إيران قد استطاعت أن تبسط نفوذها المباشر وبقوة في المنطقة امتدادًا من أفغانستان شرقًا إلى سورية غربًا خلال السنوات العشـر الماضية في أوج أزمتها مع خصمها الولايات المتحدة الأمريكية، فكيف سيكون عليه الأمر بالنسبة لطموحات إيران في الهيمنة والتوسع إذا ما فرضت التفاهمات الجديدة بين فرقاء الأمس قواعد جديدة من العلاقات تنتزع منها إيران مكاسب كبرى وبرعاية أمريكية هذه المرَّة؟!

 

2-تأثر الاقتصاد الخليجي:
التداعيات الاقتصادية للاتفاق تهدد بشكل واضح نصيب الدول الخليجية في أسواق النفط والغاز، فمعروف أن إيران تأتي ثانية بعد المملكة العربية السعودية في إنتاج النفط والغاز، وهناك مخاوف من سيطرة إيران على قسم كبيرة من الأسواق في هذا المجال.
ثانيا: تداعيات هذا التقارب على دول الربيع العربي:
إن هذا التقارب الإيراني الغربي يلقي بظلاله وآثاره لا شك على دول الربيع العربي بأسرها، لا سيما مصر وسوريا على وجه الخصوص، فأما بالنسبة لسوريا فالأمر لا يحتاج إلى مزيد بيان، فإن إيران هي الداعم الأكبر للنظام السوري، وهذا التقارب الغربي الإيراني، سيصب حتما في تراجع الضغط الغربي سواء على النظام السوري أو الإيراني لتسوية القضية السورية، مما يصب حتما في غير صالح الشعب السوري الذي يريد تغيير نظام الأسد.
وأما مصر، فإن أي تقارب أمريكي إيراني يخصم ولا شك من نصيب مصر كقوة إقليمية كبيرة في المنطقة، لا سيما وهي في هذه الحالة من الضعف بسبب عدم الاستقرار السياسي والأمني بعد الانقلاب على الرئيس المنتخب والعمل على إقصاء ما يسمى جماعات الإسلام السياسي خاصة الإخوان في مصر.
ثالثا: تداعيات هذا التقارب على التمدد الشيعي في اليمن وأفريقيا.
 ويظهر ذلك من خلال تخفيف الضغط على إيران للحد من نشاط الحوثيين الذين يمثلون ذراعًا عسكريًا لإيران في اليمن، وتستخدمهم كذلك لإحداث القلاقل على الحدود السعودية، وكذلك للمنظمات الشيعية التي تنتشر الآن في كل بلاد إفريقيا لتنشر المذهب الشيعي، وتمهد للتغلغل العسكري والاقتصادي للشيعة في بلاد أهل السنة.

 

 

سابعًا: فرص نجاح هذا التقارب، ومعوقات تحققه في الواقع:
معوقات النجاح من قبل الداخل الإيراني:
هناك أسئلة كثيرة حول مدى استعداد الداخل الإيراني لإنجاح هذا التقارب:
أولًا: إلى أي حد ستتعاون إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية؟ وما الذي سيحصل حين تصطدم المسائل بقضايا السيادة والحق في تطوير برنامج نووي؟
ثانيًا: هناك مسألة متعلقة بالمشهد السياسي الداخلي الإيراني، كيف ستتعامل المؤسسة الدينية التقليدية والمؤسسة العسكرية الثورية المتمثلة بالحرس الثوري مع أي خطوة في اتجاه انفراج العلاقة بين أميركا وإيران؟
ثالثًا: الطرف الآخر الذي يجب أن ينظر إلى موقفه مما يحصل هو البرلمان الذي يسيطر عليه التيار المحافظ، فماذا سيكون موقف البرلمان من أي انفراج في العلاقة بين طهران وواشنطن؟ ولقد لعب البرلمان الإيراني في فترة الرئيس الأسبق خاتمي دورًا غير مؤيد للحوار مع واشنطن.
رابعًا: رغم أن الطبقات العمرية الأقل سنًّا في إيران ترحب في مجملها بهذا التقارب، إلا أن الطبقة الأكبر سنًّا، وهم من يزيدون في أعمارهم عن الخمسة والأربعين والذين ارتبطوا وجدانيًّا بشعارات الثورة الخمينية لا زالوا يعارضون أي تقارب مع أمريكا والغرب و"إسرائيل".
خامسًا: تأبى طبيعة النظام الإيراني الالتزام باتفاقيات دولية تلزمها بالتخلي عن طريقتها في إثارة الاضطرابات وإذكاء الحروب الطائفية، كما هو الحال في الملف الحوثي في اليمن؛ ومن ثم فإن حرصها على إمضاء هذا الاتفاق يبقى في إطار عدم تقيدها بالتزاماته، وسيدفعها للسعي إلى التملص من تبعاته.

 

معوقات النجاح من قبل الحكومات الغربية والأمريكية:
إن المخاطر على الاتفاق قد تنبع من الكونجرس واليمين الذي سيقرع نفس الطبول التي قرعتها (إسرائيل) ضد القرار، وقد يكون على أوباما أن يحضر نفسه لمعركة مع الجمهوريين، وذلك للأسباب التالية:
أولًا: عدم شعور الأمريكيين بأيّ ضغط يبرر الإسراع في التفاوض مع الإيرانيين.
ثانيًا: يبدو وضع الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، في أضعف حالاته منذ أن أصبح رئيساً للبلاد، خصوصاً بعد أزمة الأسلحة الكيميائية السورية الأخيرة ونجاح روسيا في استغلال الرغبة الأمريكية، في تلافي العمل العسكري ضدّ سوريا.
ثالثًا: أن المفاوضات الإيرانية - الأمريكية ستنطوي على انعكاسات مهمة على ميزان القوى في الشرق الأوسط، وعلى علاقات واشنطن مع حلفائها في المنطقة، وخاصة في دول الخليج والسعودية والإمارات بالخصوص.

 

معوقات النجاح من قبل الكيان الصهيوني:
هناك ثلاثة جوانب رئيسة لانتقاد (إسرائيل) لسياسة الولايات المتحدة تجاه إيران في هذا التقارب:
أولًا: من حيث الاستراتيجية، ينتاب (إسرائيل) القلق من أن الإدارة الأمريكية تخلت بهدوء عن إصرارها القائم منذ فترة طويلة بأن على إيران الوفاء بالتزامها لمجلس الأمن الدولي بتعليق جميع أنشطة التخصيب، ولم يعد وضع نهاية للتخصيب حتى هدفًا لهذه المفاوضات.
ثانيًا: من حيث التكتيكات، ابتهجت (إسرائيل) بفرض الإدارة الأمريكية عقوبات مُدمِّرة على إيران، لكنها تخشى من أن اتفاق جنيف سيُهدر النفوذ الهائل الذي خلقته العقوبات مقابل اتفاق سوف يضع، في حده الأقصى، حدًّا لتقدم الجمهورية الإسلامية [في تطوير برنامجها النووي] بدون أي تراجع عن قدرات إيران لتخصيب اليورانيوم وعدم الالتزام بتجميد عمل محطة أراك المثيرة للقلق، والتي يمكن أن توفر مسارًا بديلًا لامتلاك سلاح نووي قائم على البلوتونيوم.
ثالثًا: من الناحية العملياتية، شكت (إسرائيل) من عدم إطلاعها على تفاصيل اتفاق جنيف - ما هو معروض على طهران وما هو مطلوب منها - رغم التزامات واشنطن بمواصلة إطلاع القدس على المستجدات.
إن الأزمة الحالية بين الولايات المتحدة و(إسرائيل) بشأن الاتفاق النووي مع إيران هي بالفعل واحدة من أكبر ثورات الغضب في العلاقات بين الولايات المتحدة و(إسرائيل) - ويمكن أن تزداد سوءًا قبل أن تتحسن.

 

معوقات النجاح من قبل موقف الدول السنية من هذا التقارب:
تعد دول الخليج خاصة أقوى وأكثر دول المنطقة أمتلاكًا لخيارات- وهي أكثر المتضررين من هذا التقارب وإن أبدت ترحيبًا حذرًا- تمكنها من التحرك والمناورة بصورة تثير قلق المسؤولين الأمريكيين، وذلك من خلال ماتملكه من أدوات – لو أرادت – يمكنها استخدامها، ومن ذلك:
1.   استخدام سلاح النفط: حيث تستطيع هذه الدول تخفيض إنتاجها الذي رفعته إلى بناء على طلب واشنطن، من أجل التعويض عن التراجع في الصادرات الإيرانية جراء العقوبات.
2.   التواصل مع باكستان من أجل الحصول على صواريخ مزودة برؤوس نووية.
3.   توريد أسلحة جديدة وفعالة للثوار السوريين.
4.   دعم لانتفاضة جديدة في الأراضي الفلسطينية.
5.   ضغط الدول السنية للحصول على "مقعد للدول الإسلامية" في مجلس الأمن الدولي.

 

ثامنًا: سبل مواجهة آثار وتداعيات هذا التقارب:
أولاً: دور العلماء والمؤسسات الدينية الرسمية والروابط العلمائية في مواجهة هذا المشروع:
1-    إعداد الدراسات التي تواجه المد الشيعي.
2-     إعداد الدوريات.
3- القوافل الدعوية:
4- الاهتمام بالردود ومواجهة شبهات الرافضة:
5- إنشاء المراكز المتخصصة.

 

ثانيا: الدور السياسي في مواجهة وإجهاض هذا التقارب وتقليل آثاره:
-تمثل مصر حجر الزاوية في مواجهة المشروع الرافضي، كما كانت هي رأس الحربة في إسقاط الدولة الرافضية العبيدية، ولكن هذا يتوقف على تحرير إرادتها السياسية، وإسقاط الانقلاب الذي يكرس للتبعية الأمريكية والصهيونية ، ويمهد للاجتياح الرافضي لمصر من خلال إضعاف ما يعرف بجماعات الإسلام السياسي السني.
- تكريس القوة الذاتية لدول التعاون الخليجي من خلال تسـريع خطوات إنشاء الاتحاد الخليجي بكافة مستوياته السياسية والعسكرية والأمنية.و تعزيز المظلة العربية للأمن الخليجي.
- التمهيد لبناء شراكات عربية سنية–إن لم تكن تحالفات- مع قوى دولية كبرى كروسيا والصين وربما الهند لاسيما على الصعيدين الأمني والعسكري.
- السعي الحثيث نحو إقامة الاتحاد الكونفودرالي بين دول الخليج، وذلك في ثلاث ملفات رئيسة: السياسة الخارجية، والسياسة النفطية، والسياسة العسكرية.
- تقوية الترس السني المتمثل في السعودية بما لها من ثقل روحي ونفطي، وتركيا بما لها من قوة عسكرية واقتصادية، ومصر – بعد تحرير إرادتها السياسية-بما لها من ميزات جيواستراتجية، وثقل في المنطقة العربية برمتها.
- محاصرة إيران نوويًا بالتنسيق مع باكستان للبدء في مشـروع بناء النووي الخليجي للأغراض السلمية، واقتصاديًا وعسكريًا عن طريق تقوية التحالف مع القوة التركية.

 

ثالثا: الدور الشعبي والجماهيري:
- عمل فعاليات جماهيرية تصل إلى رجل الشارع مباشرة تشـرح خطورة المد الشيعي وجذوره الفكرية والعقدية وجرائمه على مر العصور والأزمان.
ـ إشراك رجل الشارع في نشر خطورة التشيع، كإشراكه في توزيع النشـريات الخاصة بمواجهة المد الشيعي.
 ـ عمل ما يمكن تسميته بالمبادرة الشعبية لمقاومة التمدد الإيراني في الجزيرة العربية.

 

رابعًا: الدور الإعلامي:
 1- إنشاء قنوات فضائية وأرضية خاصة تخاطب الداخل الإيراني خاصة، وتهدف إلى تعرية وفضح ممارسات دولة الملالي، وانتهاكاتها ضد الشعب الإيراني.
2- إنشاء قنوات فضائية وأرضية توضح مخاطر المد الشيعي وإبطال فكره ورؤيته، والتفنن في عرض البرامج المناسبة والشيقة حتى تستطيع الوصول إلى أكبر قدر ممكن من الجمهور.
3- الاهتمام بالمواد الصوتية إما بنشر ما هو قوي من الموجود في الساعة، أو بإعداد مواد صوتية جديدة بأساليب حديثة لتحقيق أهداف محددة ومدروسة.
4- الاهتمام بالمواد المرئية سواء أكانت أقراصًا إلكترونية أو أفلام فيديو على أن تحتوي على حقائق تاريخية ووثائق أو مخازي وفضائح أو مواد دعوية بحسب المصلحة والهدف والغاية.
5- شبكة المعلومات (الإنترنت): لا يخفى ما لها من أهمية كبرى في هذا العصر، فالعناية بها من الأهمية بمكان، وعليه فإن إنشاء مواقع خاصة بمواجهة التشيع ودحض الشبه وبيان منهج أهل السنة وابتكار نوافذ دعوية مناسبة لهو من الأهمية بمكان.
6- متابعة مواقع الشيعة ورصد أهم الشبه والوسائل التي يتخذونها في دعوتهم ومن ثم دراسة كيفية مواجهتها والرد عليها.

 

وأخيرًا: فإنه ستبقى هذه الجهود مع أهميتها البالغة ذات تأثر محدود؛ إذ إنها تعتمد في غالبها على جهود فردية أو حتى مؤسسية محدودة، في مواجهة دول تتبنى المشروع الرافضي بكل إمكاناتها وتتضافر من أجله جهود جميع أجهزتها وهيئاتها، ومالم تدرك الدول السنية أو بعضها حقيقة ما يهدد وجودها وبقاءها إن قدر لهذا المشروع وتلك الخطط أن تتحقق في أرض الواقع، وتقم بواجبها في مواجهة هذا السرطان الرافضي- فإن غاية مايمكن لهذه الجهود تحقيقه هو تعطيل المشروع الرافضي فقط في بعض الأماكن حتى حين!!
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.