المرأة: مالئةُ الدُّنيا وشاغلةُ النَّاس

أحمد العساف  | 25/1/1429

لو ألقى ابنُ رشيقٍ القيرواني (ت 458) نظرةً واحدةً على عصرِنا لمزَّقَ كتابَه "العمدة" الذي قالَ فيه: ثمَّ جاءَ المتنبي فملأَ الدُّنيا وشغلَ النَّاس. والبراءةُ من الإنتاجِ الفكري أمرٌ عسيرٌ على النُّفوسِ غيرَ أنَّ صاحبَنا سيفعلُ ولا بدَّ لما سيراه ويسمعه ويلحظه وقدْ يستبدلُ مقولتَه بأخرى معبرةٍ عن الواقعِ الذي وقفَ عليه بلا مواربة.

إنَّ شأنَ المرأةِ المسلمةِ عجيبٌ جدُّ عجيب؛ فقدْ تجاوزتْ المحليةَ والإقليميةَ إلى العالميةِ بلا عوائق، فالأممُ المتحدةُ ومنظماتُها ومؤتمراتُها لا تغفلُ عنْ أحوالِ المرأةِ المسلمةِ وفي "يقظتها" الممقوتةِ جنايةٌ على مبادئِ السيادةِ الوطنية، والمرشحونَ للرئاسةِ الأمريكيةِ توقفوا عنْ حمَّى الانتخاباتِ ملتفتينَ إلى قضيةِ امرأةٍ في بلادِ المسلمين، وفي خضَّمِّ أحاديثِ السياسةِ والاقتصادِ يجدُ رئيسُ فرنسا " ساركوزي " والغازي " بوش " وقتاً للحديثِ عنْ ما أسموه التقدُّمَ نحوَ حريةِ المرأةِ ومقابلةِ بعضِ فتياتِ المسلمين في عقرِ ديارهم! ولا ندْري أيَّ مدىً منْ الأهميةِ ستبلغُه المرأةُ المسلمةُ إذا ما حكمتْ العالمَ امرأة! ونندهشُ منْ هؤلاءِ حينَ لا يغضبونَ لحالِ المرأةِ المحاصرةِ والمعتقلةِ والمعتدى عليها في غزَّةَ والعراقِ وغيرهما منْ بلدانِ المسلمين؟!

وداخلَ حدودِ عالمِنا الإسلامي والعربي يبدو للعيانِ دونَ حاجةٍ لدقةِ الملاحظةِ الإبرازُ المتعمدُ لعيناتٍ من النِّساءِ ترفضُها العقولُ الحكيمةُ وتأبَاها النُّفوسُ الكريمةُ؛ فمنْ ممثلةٍ ومغنيةٍ وملحِّنةِ أغانٍ إلى إعلاميةٍ سافرةٍ وروائيةٍ مفتونةٍ وغيرِ ذلك ممَّا لمْ تخلقْ لهُ المرأةُ كقيادةِ الطائراتِ والغوصِ في أعماقِ البحارِ ولَعِبِ كرةِ القدَم. وكلُّ عملٍ تفعله أيمَّا امرأةٌ منْ بابِ الخروجِ على الأحكامِ الشرعيةِ والفضيلةِ فوسائلُ الإعلامِ كفيلةٌ بنشره وتضخيمه وخداعِ بعضِ النَّاسِ منْ خلاله. ولسنا ننسى أنَّ اللهَ قدْ فضحَ قبيحَ صنعِ بعضِ السفاراتِ تجاهَ قضايا المرأةِ في الصحافةِ حين كشفتها كاتبةٌ قاومتْ "إغراءاتِ" هذه السفاراتِ التي لمْ تحترمْ مواثيقَ عدمِ التدخلِ في الشؤونِ الداخلية.

وفي عالمِ العملِ والمواردِ البشريةِ يسعى بعضُ المرجفينَ لإقحامِ المرأةِ في كلِّ زاويةٍ ومكتبٍ ومعملٍ ومصنعٍ ويمارسونَ الإقصاءَ ضدَّ الشبابِ والتضييقَ على الوظائفِ الرجاليةِ ممَّا يسببُ قعودَ الشبَّانِ عنْ العملِ وزيادةِ نسبةِ الجرائمِ وانخفاضِ معدلاتِ الزواجِ إلى غيرِ ذلكَ منْ الإدمانِ والاكتئابِ والانشغالِ بتوافهِ الأمورِ أوْ الاقتناعِ بدعاوى المغرضينَ ضدَّ الأديانِ والأوطانِ ويا لها منْ جريمةٍ مضاعفةٍ مغلَّظةٍ يقترفها أولئك ضدَّ المرأةِ بغمسِها في ما ليسَ منْ شأنها وضدَّ الرجلِ بحجزه عنْ الرزقِ والاكتسابِ وضدَّ المجتمعِ بزيادةِ العنوسةِ والبطالةِ الرجاليةِ وضدَّ الأمنِ بكثرةِ المخالفاتِ وضدَّ الدولةِ بإعدادِ مادةٍ جاهزةٍ لدعواتِ التمردِ أوْ المعارضة.

وإذا وقعَ أيُّ ظلمٍ على المرأةِ فإنَّه يُصنفُ إلى قسمين:
الأول: ظلمٌ يمكنُ نسبتُه إلى الدِّينِ وأعرافِ المجتمعِ المقبولةِ وبعضِ الجهاتِ الدينيةِ زوراً وبهتاناً أوْ تضخيماً وتعميمًا؛ فهذا ممَّا يُشهرُ ويُضَّخمُ وقدْ ينقلُه بعضُ "أدعياءِ الوطنية" للدولِ والمنظماتِ المتربصةِ ببلادِ المسلمين وقربُ الوقائعِ يغني عن الاستشهاد.

الثاني: ظلمٌ يتماشى معَ توجهاتِ المرجفين ولا يمكنُ نسبتُه للمخالفين ولذا تضيقُ عنه الزوايا الصحفيةُ والبرامجُ الإعلاميةُ مثل المشكلاتِ الناجمةِ عنْ الاختلاطِ بين الجنسين في الدراسةِ والعمل؛ ومعضلةِ العنوسة؛ وإجبارِ بعضِ الرجالِ نسائَهم على مالا يرضينَه من لباسٍ أوْ فعال.

وبالمقابلِ فمطالبُ المرأةِ تنقسمُ كذلكَ لقسمين:
الأول: مطالبٌ تخدمُ أهدافَ الفئةِ الضالةِ (والفئةُ الضالةُ ليستْ قصراً على الغلاةِ بلْ يشاركهم الجفاةُ في الوصفِ مشاركةً أصلية) وتجدُ هذه المطالبُ أذناً صاغيةً ولوْ كانتْ لقلةٍ من النِّساءِ مادامَ أنَّها تحققُ بغيةَ المفسدينَ ولا عبرةَ عندهم بمخالفةِ الدينِ وفطرةِ النَّاس.

الثاني: مطالبٌ تناقضُ رؤى الفئةِ الضالةِ (مثل الحقِّ في الزواجِ والنفقةِ والولايةِ والقوامةِ الشرعيةِ وألاَّ يتحدَّثَ أهلُ الشهواتِ باسمها) وهذه المسائلُ لا تطرقُ إلاَّ منْ بابِ قلبِ الحقائقِ وتقبيحِ الحسنِ أوْ تحسينِ القبيح.

وعلى المصلحينَ والمحتسبينَ واجبٌ مضاعفٌ هذه الأيام؛ إذْ أنَّ موضوعَ المرأةِ أخذَ شكلاً جديداً منْ المكرِ الكبَّارِ الذي يُفجعُ ويفاجأُ بهِ النَّاسُ مرةً تلوَ المرَّةِ دونَ اعتبارٍ لحساسيةِ هذهِ القضيةِ التي أشعلتْ شراراتٍ منَ البلاءِ والفتنِ سنواتٍ عددا. ومنْ مقتضياتِ هذهِ المرحلةِ أنْ يرى الغيورونَ عنايةَ العلماءِ والمصلحينَ بصدِّ الكيدِ عن المرأةِ قطعاً لأيِّ تصرفاتٍ غيرِ محسوبةٍ وقياماً بواجبِ النُّصحِ للهِ ولدينهِ وللمسلمينَ عامةً وخاصة. كما أنَّ المدافعةَ والصبرَ والبيانَ سنَّةٌ ماضيةٌ وأمانةٌ باقيةٌ في عنقِ العدولِ الموقعين عنْ ربِّ العالمين، وعلى كلِّ مَنْ ندبَ نفسَه لهذا الأمرِ إدراكُ خطورةِ ما آلتْ إليهِ المعركةُ منْ مجرَّدِ المطالبةِ بنزعِ الحجابِ وقيادةِ السيارةِ إلى إباحةِ البغاءِ والشذوذِ وهدمِ كيانِ الأسرةِ بصراحةٍ تجاوزتْ حدَّ الوقاحة.

ومنَ الأفكارِ المقترحةِ للإصلاحِ والتغييرِ والبيان:
1-لابدَّ أنْ نغيرَ ما بأنفسِنا قبلَ أنْ نطلبَ ذلكَ منْ النَّاسِ لعلَّ اللهَ أنْ يعلمَ منَّا الصدقَ والإخلاصَ فيباركَ الجهودَ بعدَ قبولها.
2-بناءُ المفاهيمِ الشرعيةِ المتعلقةِ بالمرأةِ منْ خلالِ التعليمِ والوعظِ والإعلامِ والتأكيدُ المستمرُ على عبوديتها لله معَ توضيحِ لوازمِ هذهِ العبودية.
3-تبني مشاريعَ نسائيةٍ مؤسسيةٍ تشرفُ عليها فضلياتُ وصوالحُ النِّساءِ وهُنَّ بحمدِ اللهِ مادةُ المجتمعِ النِّسائي في بلادِ المسلمين غالباً.
4-التعاونُ معَ رجالِ الأعمالِ والتُّجارِ لإنشاءِ أسواقٍ ومدنٍ ترفيهيةٍ ومعاهدَ تعليميةٍ ونوادٍ اجتماعيةٍ وصحيةٍ خاصةٍ بالنِّساءِ بحيثُ تكونُ ملاذاً آمناً وبديلاً منافساً ووسيلةً للبلاغِ والدعوة.
5-إنشاءُ قناةٍ فضائيةٍ أوْ أكثرَ خاصةٍ بالمرأةِ وشؤونِها الشرعيةِ والنفسيةِ والطبيةِ والاجتماعيةِ والتربويةِ والترفيهيةِ والفكريةِ والتقنيةِ إضافةً إلى ما جُبلتْ المرأةُ على البراعةِ فيه من فنونٍ وهواياتٍ بضوابطها الشرعية.
6-بناءُ مراكزَ لمشكلاتِ المرأةِ وحلولِها وتفعيلُ مراكزَ دراساتِ المرأةِ وتعميمُ منتجاتِها حتى لا تكونَ فئويةً أوْ نخبويةً فقط.
7-رفعُ المحتسباتِ من النِّساءِ دعاوى قضائيةٍ على كلِّ مَنْ حثَّ على شرٍ وسوءٍ فيما يخصُّ حياة المرأةِ رجلاً كانَ أمْ امرأة.
8-فضحُ الأبعادِ الشهوانيةِ والبهيميةِ التي تدفعُ جمهرةَ المطالبين بإفسادِ بناتِ حواء.

ولو كانَ لابنِ رشيقٍ مقامٌ بيننا اليومَ لقالَ إنَّ المرأةَ مالئةُ الإعلامِ وشاغلةُ الكبراء؛ فليتَ هؤلاءِ يتركونَ الانهماكَ الأعوجَ بشؤونِ المرأةِ وينصرفونَ لإصلاحِ التعليمِ وتعميمِ الثقافةِ ونشرِ الأخلاقِ الكريمةِ والعنايةِ بحاجاتِ المجتمعِ والنَّاسِ ومدافعةِ غوائلِ الفقرِ والعوزِ والمرضِ وإشاعةِ الأمنِ وبسطِ العدلِ، إضافةً إلى بذلِ الجهودِ وصرفِ الأوقاتِ صوبَ المصالحِ الإستراتيجيةِ خاصةً وأنَّنا ضعفاءُ أثرياءُ في منطقةٍ مضطربةٍ وكمْ في الضبطِ الاجتماعي منْ تماسكٍ ووحدةٍ وهما مطلبانِ عزيزانِ في السلمِ والحربِ -أبعدَها اللهُ-.


  

الشكر والتقدير للأستاذ أحمد العساف على هذه المقالة الرائعة التي أجاد فيها وأفاد ، أسأل الله أن لايحرمنا من الغيورين الصادقين من أمثاله،وفقه الله وسدده
لقد أساء الغرب لنفسه حينما أدعى حرية المرأة ونيل (حقوقها) فلما قلة المجندات في الجيوش الغربية في ساحات الوغى, فالقتل للرجال فقط , فإن كانت المراة عندهم مماثلة للرجل لماذا يمنعوهن من مشاركة الرجال في شرف القتال؟
فإن قالوا المراة ضعيفة فقد أبطلوا دعواهم؟
وإن بقوا على دعواهم فقد هضموا حق المرأة حينما منعوها من مساوات الرجال في ساحات الحرب وجعلوا أنفسهم في ورطة؟
كما أننا لم نجد مطالبة من النساء المنفلتات من القيود في حقهن بالمشاركة في الحروب وبنفس نسبتهن في المجتمع؟ فعلاً إنه لمن العجب؟
ثم نعود الى واقع المسلمين فنجد من يعضل المسلمات العفيفات , ويمنعهون من أبسط حقوقهن ولقد سمعنا بمن يمنعهن من الميراث والزواج من الكفء, وهن يمنعهن حيائهن من المطالبة فضلاً الشكوى؟
اليس هذا عار وخزي ياأمة محمد, بل ننتظر أن يدلنا غيرنا على هذه الأخطاء وإصلاحها؟
وأضن أن هذه مسئولية القضاة والعلماء وليست قضية الإعلام والصحافة؟؟؟

شكر الله لكاتنب المقال..

لكن
دعني أتساءل هذه المرة..
لماذا لا يصدر تصريح رسمي من هيئة الإفتاء أو هيئة كبار العلماء أو الحسبة أو غيرها.. أو على الأقل تصريح لأحد كبار العلماء الرسميين وغيرهم في قناة فضائية لها حضورها مثل المجد بل الجزير والعربية ونحوها..
تصريح موجه في هذا الباب.

أم أنها مسؤولية الدعاة! والمتحمسين؟

للأسف! دور العلماء فيه ما فيه!
والله أعلم.
سلمت أناملك ونفع الله بك

والغرب يهتم بالمرأة وحقوقها ليس إلا لإفساد المجتمع المسلم المحافظ، والمرأة إذا خرجت سافرة متبرجة مختلطة بالرجال فسد الناس وانحلت الأخلاق.
جزاك الله خير يا أستاذ
لو يقرأون هؤلاء الذين كانوا في صف الغرب سورة النساء مع تفسرها
والله ما تكلموا بكلمة ولكن عمت قلوبهم فعمت أبصارهم
بسم الله والصلاة والسلام على رسوله اما بعد:
فإن هذه الحرب ضد المرأه قديمه وما زالت مستمره فأرجو من الله ان يرد كيد العدو في نحورهم وان يكقينا شرورهم . وهناك موضوع التربيه فلا بد من كل رجل بيت ورب عائله ان يربي ابناءه وبناته التربيه الاسلاميه الصحيحه التربيه المحمديه لان البنت ستكون ام في المستقبل والابن سيكون اب بأذن الله فإذا شددنا الهمم وربينا ابنائنا ستكون التربيه رادعا لهم بالمستقبل . و إن ما يفطر القلب حزنا وكمدا ان الجميع يعلم ان ما اوصل شبابنا وشاباتنا الى هذا السفور والعهر هو الاعلام(التلفاز)فلماذا اقتناءه وعدم استخدامه بالطريقه المناسبه؟؟؟
بارك الله فيك وسدد خطاك

افكار رااااااائعة وممتازة اذا نفذت نتمنى ان ترى النور قريبا ..

كما انني ارى من وجهة نظري لو يتم انشاء قناة خاصة لا أولياء الامور سواء الام او الاب لحثهم على متابعة ابناءهم وبناتهم بشكل دقيق ومتتابع وذلك للاهمال الناتج عن الانشغال في ملاهي الحياة فيعيش النشء فريسة للضياع وما ينتج عنه من جيل ارعن اهوج في اغلب الاحيان ..

واكررررررر جزاااااااك الله خيرا ..
بارك الله في الكاتب والمقالة
الموضوع شيق والطرح رائع
آآآآآآآآآآآآآآآآخ...جئت على جرح يا ابا مالك.
شاغلة العقول والقلوب والوظائف والهاتف..وحدث ولا حرج..

ابداع يا احمد
بارك الله فيكم ونفع بكم والحقيقة أستطيع أن أقول أن من أسباب بداية السقوط لأي مجتمع هو المرأة كما أن بروز المجتمعات الإسلامية وتميزها يكون أيضا بالمرأة فهي صانعة الأجيال وبها وبعفافها وتمسكها بدينها تقوم دولة الإسلام وبإنحلالها وطاعتها للمفسدين تكون البداية في إنحلال المجتمعات الإسلامية ومن ثم سقوطها ( وإن تتولوا يستبدل قوم غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم)والمتأمل فيما حولنا بعرف ذلك جيدا والله المستعان..

  

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd><br>

تصفح الموقع عن طريق الجوال RSS  تابع الموقع عن طريق