التورق كما تجريه المصارف في الوقت الحاضر
24 جمادى الثانية 1427

مقدمة البحث
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ، ونستهديه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداَ عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله ، وصحبه ، وسلم تسليما كثيرا .
أما بعد
فإن موضع :
التورق المصرفي المنظم
موضوع جديد ، قديم ، هام . فهو جديد : على صعيد العمل ، والممارسة ، وإن يكن جديدا من وجه ، فإنه امتداد لبيع المرابحة للآمر بالشراء ، الذي كان مأخذا على البنوك الإسلامية ، من جهة غايته ، حيث غايته الاستهلاك ، والبنوك الإسلامية من أهدافها : التنمية والاستثمار ، وقد أغرقت في المرابحة إغراقا نافى أهدافها المعلنة .
ومن جهة تطبيقية ، حيث ينطوي على مآخذ ، ومخالفات ، تختلف باختلاف البنوك ، لا تتفق والعمل الإسلامي ، الذي هو أساس البنوك الإسلامية من جهة رسمية .
وهو قديم : بالنظر إلى أصله ، فإنه يندرج تحت عقود المداينة التي يقصد منها تحصيل النقد ، كما سيأتي بيانه في مبحث تخريجه .
وهو هام : بالنسبة للمستهلكين ، حيث إن كثيراً منهم قد ولجوا من بابه ، وكثيرين لا زالوا وقوفا عند أعتابه ، ينظرون إذن الدخول ، أو العدول .
هام : بالنسبة إلى الباحثين ، حيث لا يزال موضوعه مادة للبحث والمناقشة ، إذ لم يتخذ فيه قرار واضح حتى الآن .
وكان من شأنه أن عُرِض ثلاثَ عرضاتٍ خلال عام واحد :
أولاها : مؤتمر جامعة الشارقة ، خلال المدة 24 ـ 26 / 2/ 1423هـ .
وثانيتها : ندوة البركة الثانية والعشرون بمكة المكرمة ، خلال 8 ـ 9 / 4/ 1423هـ.
وثالثتهما : ندوة البركة الثالثة والعشرون بمكة المكرمة ، خلال 6 ـ 7 / 9/ 1423هـ.
ولم تسفر هذه العرضان عن رأي بشأن حكم هذه المعاملة ، سوى التوصية بمزيد بحث ، ودراسة .
وهذا يبرر أهمية بحثه باعتباره من مشكلات التطبيق في البنوك الإسلامية ، وهو عرض لمشكلة منهجية تسير عليها البنوك الإسلامية ، وهي : " مشكلة التمويل " فلعل هذا البحث المتواضع يسهم في شيء مما طلب فيه .
هذا ، وإن ما تفضل به سعادة أمين المجمع الفقهي من مسائل ضمنَّها خطابه ، للاستئناس بها في الكتابة ، قد انساقت عفواً ، فتضمنها البحث في طياته ، وصارت ـ دون تكلف ـ من بين فقراته .
وقد قمت في سبيل إعداد هذا البحث بزيارة ميدانية ، لعدة بنوك ، تمارس هذا العمل ، والتقيت ، واتصلت بشخصيات لها صلة بهذا العمل ، وحصلت على عقود ، ومطويات ، متعلقة بهذا العمل ، واستخلصت من مجموع ذلك مادة هذا البحث دون نشر للعقود ، أو إشارة إلى الجهات ، أو الشخصيات ، محافظة على سرية العمل المصرفي ، الذي حملنيه كل من تعاون معي مشكوراً ، ولم أبح بشيء من ذلك ـ على قلته ـ سوى بعض ما تحتويه المطويات التي تُبَثُّ في كل مكان ، فهي مبثوثة في مداخل البنوك ، وفي غرف مكائن الصرف ، ولم تعد لذلك سرّاً .
ومن خلال بحثي الميداني تبين لي أن هذه المعاملة ذات وجهين :
وجه ظاهر : وهو ما يتصل بالسوق الداخلية ، التي أطرافها البنك وعملاؤه المتورقون ، وما يتبع ذلك من عقود وإجراءات يمكن الاطلاع عليها .
ووجه باطن: وهو ما يتصل بالسوق الدولية ، التي أطرافها البنك ، وما يتعامل معه من شركات يبيع عليها ، ويشتري منها ، وما يتبع ذلك من عقود واتفاقات ، ونحو ذلك ، فهذه دونها خَرْطُ القتاد ، بل ما هو أشد منه : " سرية العمل المصرفي "
فإلى ثنايا هذا البحث ، المقيد في مبحثين :
المبحث الأول :
" للدراسة التصويرية " ، لتصوير المعاملة ، ومن ثم تصورها ، تمهيدا للحكم عليها .
المبحث الثاني :
" للدراسة الفقهية " بعد بيان ما تستند عليه من تصور ، وأدلة ، واعتبارات .
عسى الله أن يجعله لوجهه خالصاً ، ولعباده نافعاً وهو المستعان وعليه التكلان .

المبحث الأول :
الدراسة التصويرية
مقدمة
مقصود هذا المبحث : بيان ما يتم به تصور المعاملة ، تمهيداً للحكم عليها في المبحث الثاني ، وفيه من المسائل ما يلي :
أولا : في بيان اسمها ، والنظر فيها :
تسمي هذه المعاملة التورق المصرفي ، وتسمي التورق المنظم أيضا ، وهذه التسمية قد أطلقها الباحثون ممن بحثوا التورق المنظم .
أما البنوك ـ مصدر هذه المعاملة ـ فتطلق عليها أسماء خاصة بها ، تختلف باختلاف البنوك ، فالبنك الأهلي يطلق عليها اسم " تيسير " وبنك الجزيرة يطلق عليها اسم " دينار " ـ والبنك السعودي الأمريكي يطلق عليها اسم " تورق الخير " ، والبنك السعودي البريطاني يطلق عليها اسم " مال " ، والبنك العربي الوطني يطلق عليها اسم " التورق المبارك " .
قلت : ويمكن أن يطلق اسم " التورق المصرفي المنظم " على هذه الأسماء كلها ، لما له في حقيقتها من نصيب .
أما التورق ، فلما فيها من معنى التورق .
وأما المصرفي ، فلانتساب هذه المعاملة إلى المصارف .
وأما المنظم ، فلما تقوم عليه هذه المعاملة من تنظيم بين أطراف عدة كان من شأن هذا التنظيم أن تتم من خلاله صناعة التمويل " الإقراض " ، وكان من شأنه أن كان عنصر إشكال فيه عند كثير من الباحثين .
ثانيا : في بيان تاريخه :
التورق المصرفي ـ وإن بدأ معاملة جديدة ـ إلا أنه امتداد ، وتطور للمرابحة سلباً ، وكانت الريادة فيه للبنك الأهلي الإسلامي ، ثم تلتها البنوك ومعظمها فروع ونوافذ إسلامية ، لبنوك تجارية .
فانطلق التورق المصرفي في البنك السعودي البريطاني في أكتوبر 2000م .
وفي بنك الجزيرة في آخر عام 2002م .
وفي البنك السعودي الأمريكي في آخر عام 2002م أيضا .
ثالثا : في بيان الغابة منه :
والغاية منه هي تحصيل السيولة النقدية لدى الأفراد ، والشركات ، وقد نصت كثيرا من البنوك على هذا ، وضمنته ما يتصل بهذه المعاملة من نماذج ، ومطويات ، ومنها :
• ( تحقق لك هذه الصيغة الرائدة إمكانية الحصول على سيولة نقدية بسرعة فائقة ، لتقضي بها حاجاتك المعيشية ، بالطريقة التي تفضلها ) . " تيسير "
• ( أحصل في حسابك على السيولة النقدية التي تحتاجها ، وأنعم براحة البال مع تمويل التورق المبارك ) .
• ( " آمال " ... يمكنك من الحصول على السيولة النقدية ، لتلبية احتياجاتك ، مهما كانت ) .
رابعا : في بيان أقسامه :
التورق المنظم ينقسم قسمين :
الأول : لتمويل الأفراد .
الثاني : لتمويل الشركات ومنه تعلم أن البنوك تموِّل الأفراد والشركات من خلال هذه المعاملة .
خامسا : في بيان وصفه ، وإجراءاته :
في برنامج التورق المصرفي المنظم يقوم البنك بشراء كمية من المعادن ، من السوق الدولية وقد يقيم البنك وسيطاً يقوم مقامه في الشراء ، وتبقى السلعة في المخازن الدولية ، وتحرر الشركة " البائعة " للبنك " المشتري " شهادة تخزين تفيد مواصفات السلعة ، وكميتها ، ومكان تخزينها ، ورقم صنفها ، وامتلاك البنك لها .
ثم يقوم البنك بعد امتلاكها ببيعها على سبيل التجزئة عن طريق برنامج التورق المصرفي ، سالكاً في البيع ما يلي من إجراءات :
إجراءات البيع :
1. " طلب الشراء " يتقدم به العميل إلى البنك من خلال أنموذج يعده البنك سلفا .
2. اتفاقية يعنون لها بـ " شروط وأحكام البيع بالتقسيط " ، وهي لا تمثل إيجاباً في عقد البيع ، ولا قبولاً فيه ، لكنها تحدد العلاقة بين الطرفين من خلال الاتفاق على ما فيها من شروط ، وأحكام ينبغي أن يخضع لها عقد البيع عند وجوده .
3. "إشعار عرض البيع " ، وهو يمثل إيجابا من البنك موجها إلى المشتري ، يشير فيه إلى السلعة ، وكميتها ، وقيمتها ، ونحو ذلك .
4. " إشعار الموافقة على الشراء " وهو يمثل قبول العميل إيجابَ البيع السابق . وقد تنعكس لدى بعض البنوك فيكون الإيجاب من العميل ممثلاً بطلب شراء يتضمن السلعة ، وكميتها ، وقيمتها ، ونحو ذلك .
ويكون القبول من البنك بإشعار يتلو ذلك يفيد البنكُ فيه عميله بالموافقة على إيجابه السابق
5. إشعار توكيل البنك بالبيع نيابة عن العميل .
وبعض البنوك تختصر الإجراءات فيما يلي :
1. " طلب شراء " من قبل العميل من خلال أنموج قد أعده البنك سلفا .
2. " عقد بيع بالتقسيط " مُوَقَّعٌ من الطرفين يتضمن اتفاق الطرفين على البيع ، وفي الوقت نفسه يتضمن الشروط والأحكام التي ينبغي أن يخضع لها عقد البيع ، والتي تفردها بعض البنوك بأنموذج ، وإجراء مستقل يسبق العقد ، كما تقدم .
3. إشعار توكيل البنك بالبيع نيابة عن العميل .
ومما يتصف به التورق المصرفي المنظم : أن البائع يتوكل عن المشتري في بيع السلعة التي اشتراها منه ، نيابة عنه ، في السوق الدولية ، وهو ما عليه العمل ، وقد يكون بعده ، وهذا مختلف باختلاف البنوك ، وغالبها يكون التوكيل فيه قبل تمام عقد البيع .
وقد يتولي البنك البيع مباشرة في السوق الدولية ، وقد يقيم وسيطا يقوم مقامه ، وهو مختلف باختلاف البنوك أيضا .
ومما يتصف به أيضا : " التنظيم " من خلال ما يرتبه البنك من اتفاقات سابقة على عقد البيع مع كل من الشركة البائعة التي تبيع عليه ، والشركة المشترية التي تشتري منه ، وهو اتفاق ـ كما تقول عنه البنوك ـ ينظم التعامل المستقبلي مع تلك الشركات من خلال الاتفاق على إجراءات ، وأحكام معينة ، ومن أجل هذا سمي بـ " التورق المنتظم " .
ميزة التورق المنظم : إذن يتميز التورق المنظم بثلاث :
الأولى : أن البنك يشتري السلعة سلفا ، قبل طلب العميل ، على أن بعض البنوك لا تشتري إلا بعد طلب العميل ، وهذا لا يخرجه عن كونه تورقا عندهم لتميزه بالميزتين اللاحقتين .
الثانية : أن البنك يرتب تنظيما مع الشركة البائعة ، والشركة المشترية في السوق الدولية ، وذلك قبل عقد البيع .
الثالثة : أن البنك يقوم ببيع السلعة التي اشتراها منه عميله ، نيابة عنه . وهذه أظهر ما يميز التورق المنظم .
سادسا : في بيان تعريفه :
أولا : في بيان ما سبق أن قيل فيه :
لم أعثر ـ فيما وقفت عليه ـ على تعريف للتورق المصرفي خلا تعريف د . سامي السويلم ، حيث عرفه ( قيام المصرف ، أو المؤسسة المالية بترتيب عملية التورق للعميل ، بحيث يبيع المصرف سلعة ـ وهي غالبا معدن من المعادن المتوافرة في الأسواق الدولية ـ على العميل بثمن آجل ، ثم يوكِّل العميل المصرف ببيع السلعة نقدا لطرف آخر ، ويسلم المصرف الثمن النقدي للعميل ( 1) .
ثانيا في بيان رأيي في الموضوع :
وظاهر أن التورق المصرفي المنظم يشتبه بالتورق المعلوم لدي الفقهاء ، ويفترق عنه من جهة ما هو عليه من تنظيم صار وصفا لازما له ، ومؤثرا فيه ، لذا سيأخذ من تعريف التورق بطرف بقدر ما يتفقان فيه ، وسيفترق عنه بقدر ما يفترقان فيه ، فأرى أن يعرف بأنه : ( تحصيل النقد بشراء سلعة من البنك ، وتوكيله في بيعها ، وقيد ثمنها في حساب المشتري ) .
وبهذا المبحث التصويري أحسب أنه قد تم تصور التورق المصرفي المنظم ، وبه تمهد المقام للحكم على التورق المصرفي المنظم ، في المبحث الآتي :

المبحث الثاني:
الدراسة الفقهية
مقدمة :
مقصود هذه الدراسة الحكم على التورق المصرفي المنظم بعد بيان ما يبنى عليه هذا الحكم من اعتبارات ، وفق المطالب الآتية :

المطلب الأول : في بيان تخريجه :
أولا : في بيان ما سبق أن قيل فيه :
لم أعثر ـ فيما وقفت عليه ـ من الدراسات السابقة على تخريج للتورق المصرفي المنظم ، حيث إن أنصاره انطلقوا من كونه تورقا ، فأغناهم ذلك عن تخريجه .
وبعضهم يكتفي بذكر الفرق بينه وبين التورق المعلوم لدى الفقهاء ، وليس ذلك بتخريج .
أما خصومه : فيكتفون بإيراد ما عليه من إشكالات من شأنها أن تقضي بمنعه ، دون تعرُّض لتخريجه .
وبعضهم يكتفي بذكر الفرق بينه ، وبين التورق المعلوم لدي الفقهاء ، وليس ذلك بتخريج .
ثانيا : في بيان رأيي في الموضوع :
في هذا البحث سأعرض لتخريج التورق المصرفي المنظم فأقول :
1. التورق المصرفي المنظم غايته تحصيل النقد من المشتري " العميل " وهو من هذا الوجه يتفق مع التورق المعلوم عند الفقهاء .
2. التورق المصرفي المنظم يتكون من عقدين منفصلين :
3. أولهما : تعاقد البنك " البائع " مع العميل " المشتري " ، والفرض أنه عقد بيع صحيح قد استوفي أركانه وشرائطه .
4. وثانيهما : تعاقد البنك بالنيابة عن العميل " المشتري " مع طرف آخر " مشتر " للسلعة ، غير بائعها الأول ، والفرض أنه عقد بيع صحيح ، قد استوفى أركانه وشرائطه .
وهو من هذا الوجه يتفق مع التورق المعلوم عند الفقهاء .
وبهذا يظهر أن حقيقة التورق المصرفي المنظم ، هي حقيقة التورق المعلوم لدى الفقهاء ، كما أن غايتَه غايتُه .
بيان الفرق بين التورق والتورق المصرفي :
قد يعترض على هذا ، فيقال : إن في التورق المصرفي المنظم فروقا ، قد أهملتها في الاعتبار ، وهي :
أ / أن البنك يقوم باتفاقات سابقة على البيع ، مع كل من الجهة التي يشتري منها ، والجهة التي يبيع عليها ، وهو تواطؤ يقرب المعاملة من العينة .
ب / كما أن البنك يكون وكيلا عن العميل " المشتري " في بيع السلعة التي اشتراها منه ( ولولا وكالة المصرف بالبيع نقدا لما قبل العميل بالشراء منه بأجل ابتداءً ... ولو انفصلت الوكالة عن البيع الآجل ، لانهار البرنامج ولم يوجد التمويل أصلا ) ( 2)
قلت : ومحصلة هذين : صناعة القرض من خلال التواطؤ ، ويناقش بما يلي :

النظر في توكّل البنك عن العميل :
أما توكل البنك عن المشتري " العميل " فهو غير مشروط في عقد البيع ، والمشتري فيه بالخيار ، وقد اطلعت على نماذج كثيرة ، من عقود البيع ، ليس فيها شرط توكل البنك عن العميل في البيع .
وحتى لو كان مشروطا ، فماذا فيه ، فإنه شرط لا ينافي مقتضي العقد ، وفيه مصلحة لأحد طرفيه ، وهو يتكرر في كثير من البيوع دون إشكال ، " كمن " يشتري حطبا ، ويشترط تكسيره " .
وليست الوكالة من عقود الإرفاق المحضة ، التي لا يجوز الأجر ، أو الاعتياض عنها ، كي يمنع ضمها إلى عقد معاوضة ، لتهمة اعتبار دخول الاعتياض عنها في مجمل الثمن .
فإذا لمس المشتري في التوكيل مصلحة له ، فماذا فيه إذا كان قد ملك السلعة ملكا صحيحا ؟ فلم يكن التوكيل حيلة لتحصيل النقد ، إذ كان البيع صورة ، ولا سلعة .

فإن قيل : ولكن البنك يلتزم للعميل ببيع السلعة بسعر التكلفة .
قلت : هذا ليس شرطا بينهما في عقد الوكالة ، وقد اطلعت على عدة عقود ، كلها نصت على أن يكون البيع بالسعر السائد وقت البيع بهذه العبارة " ( بالسعر السائد وقت البيع ) .
لكن البنك يلتزم بذلك للعميل ، على نحو لا ينزل منزلة الشرط ـ وهو مما يحصل واقعا ، ويجري عليه العميل ـ وذلك بحكم خبرته في السوق ، ولقصر الوقت الفاصل بين الشراء ، والبيع ، فيؤمن معه تقلب الأسعار ، ولو حدث فهو يسير ، فما المانع منه ؟ فإنه أدخل بالنصح الذي تتطلبه الوكالة ، وفيه مصلحة الموكِّل ، دون ضرر على غيره .
فإن قيل : هذا دال على أن قصد المشتري " العميل " الدراهم .
قلت : وماذا فيه أيضا ، فإن البضاعة إذا كانت ملكه ، كان له أن ينتفع بها في أوجه الانتفاع المباحة ، ومنها : الانتفاع بثمنها ، وعلى الممانع الدليل .
فإن قيل : ( قصد الشارع من تشريع عقد البيع هو تلبية حاجات المشتري إلى السلعة ، والبائع إلى الثمن ، فإذا اشترى المتورق سلعة لا حاجة له فيها ، ولا في استعمالها ، ولا في الاتجار بها ، وإنما يقصد الحصول على نقد حال ، على أن يدفع أكثر منه بعد أجل معين فقد ناقض قصده الشارع في تشريع عقد البيع .(3)
قلت : الشارع الحكيم شرع البيع لتحقيق مصالح الخلق ، ومن ضمنها الانتفاع بالسلع : باستعمالها ، أو الاتجار بها ، أو الانتفاع بثمنها ، كما هو الشأن في التورق ، وما استدل به على إخراج هذا الانتفاع من دليل ، هو : " مناقضة قصد الشارع " لا يظهر للخاصة ، فضلا عن العامة ، وما كان الله ليحرم شيئا ، ويخفي دليله إلا عن خاصة الناس ، فهذه مشقة تتنزه عنها الشريعة .
هذا فضلا عما يعضد التورق ، مما هو به أولى من هذا المنزع ، وهو حديث ( بع الجمع بالدراهم ، ثم اشتر بالدراهم جنيباً ) . (4)
حيث وجه الحديث من امتنع عليه تحصيل شيء من طريق ، أن يسلك طريقا آخر مشروعا في تحصيله ، والتورق منه ، وعلى المانع الدليل .
على أن ما ذكر مراعي في باب فضائل المعاملة ، وآدابها ، لكن لا يرقى إلى التحريم .
فإن قيل : قد جاء في المدونة : ( ولقد سألت مالكا عن الرجل يبيع السلعة بمئة دينار إلى أجل ، فإذا وجب البيع بينهما ، قال المبتاع للبائع : بعها لي من رجل بنقد ، فإني لا أبصر البيع ؟ قال : لا خير فيه ، ونهى عنه ) (5)
قلت : هذا توسع منه _رحمه الله تعالى_ في سعد الذرائع ، فإنه علَّل نهيه عن التوكل في بيعها ، في سؤال لا حق : أنه ليس له أن يشتريها .
قلت : وفرق بين أن يشتريها ، وبين أن يبيعها بالوكالة على غيره .
ثم أن توكله في بيعها يحقق للمشتري " العميل " مصلحة كانت ستفوت عند عدمه وهي : تقليل الخسارة على المشتري " العميل " وما كان ممنوعا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة .
فإن قيل : ولكن المشتري الأخير كان على مواطأة مع البنك من خلال اتفاق سابق على عقد البيع ، مضمونه أن يشتري منه ما يعرضه عليه من سلع دولية ، بسعر التكلفة .

النظر في الاتفاقات السابقة على عقد البيع :
قلت : عدنا إلى إشكال الاتفاق السابق على البيع ، مع كل من الشركة البائعة ، والمشترية ، وماذا فيه أيضا ، إذا كان هذا الاتفاق لا يمثل عقداً ، ولا إلزام فيه ، لكن تقتضيه طبيعة التجارة الدولية ، أياً كان المعاملة ، وهو من الأحكام التي لا ينكر تغيرها بتغير الزمان ؟
فما يبرمه البنك من اتفاق سابق مع الشركة التي يشتري منها ، والأخرى التي يبيع عليها ، ما دام موضوعه تحديد شروط ، وأحكام ، واعتبارات ، ينبغي أن
لها عقد البيع عند وجوده : لا ما نع منه ، ما دام موضوع هذا الاتفاق ، ومحتواه مشروعاً .

فإن قيل : ولكن البنك يلزم بموجب هذا الاتفاق الشركة المشترية بالشراء .
قلت : هذا ممنوع ، وينزل على حكم الوعد الملزم في بيع المرابحة للآمر بالشراء (6)
وهو لا يمنع أن تكون المعاملة تورقا ، لكنه قد يؤدي إلى أن يكون البيع فاسدا .فإن قيل أن البيع بهذا التنظيم يكاد يكون صوريا ، فتؤول المسألة إلى العينة .

بيان صور وحكم العينة :
قلت : العينة تتدرج من الجواز إلى المنع في صور :
1. فأهونها : أن لا يبيع الرجل إلا بدين ، وذلك عينه كرهها أحمد ( 7).
2. وأشد منها : أن يشتري الدائن سلعة من تاجر ليبيعها على المستقرض " المدين " ثم يبيعها المدين على التاجر الذي باعها على الدائن أولاً .
3. وأشد منها : أن يبيع الدائن سعلة على المستقرض " المدين " ثم يبيعها المدين على ثالث ، ليبيعها على البائع الأول " الدائن " ويأخذ منه الثمن ، فيسلمه المستقرض " المدين " وهي : " العينة الثلاثية " ، وقد جئ بالثالث حيلة على العينة .
4. وأشد من هذه الصور كلها : أن يبيع الدائن سلعة على المستقرض " المدين " بثمن مؤجل ، ثم يشتريها منه بثمن أقل نقدا ، وهي : العينة الثنائية " .
ولنسمها ذريعة من " الدرجة الأولى " ولهذا يمنعها الفقهاء عدا الشافعية .(8)
وهذه الصور الثلاث ـ عدا الأولى ـ تلتقي في كونها ذريعة إلى الربا ، والبيع حيلة ، لكن الذريعة تتفاوت قوة وضعفا في هذه الصور ، فأقواها ذريعة الصورة الرابعة ،
ثم تليها الصورة الثالثة ، وهي ممنوعة عند المالكية ، والحنابلة ، فلنسمها ذريعة من " الدرجة الثانية " (9)
ثم تليها الصورة الثانية وهي ممنوعة عند بعض المالكية ، بل أكثرهم ، والإمام ابن تيمية ، ولنسمها ذريعة من "الدرجة الثالثة " (10)
تنزيل التورق المصرفي على كل من العينة ، والتورق ، بسحب فروضه :
وما نحن فيه يبيع البنك السلعة على شركة ، في السوق الدولية ، على نحو يكتنفه الغموض ، وهو يؤول إلى الفرضيات الآتية :
الأولى : أنها تؤول إلى الشركة التي باعت السلعة أولا على البنك ، وعليه فإن العميل لم يكن قد باع السلعة على من اشتراها منه ، وهو " البنك " لتكون " عينة ثنائية " ، فإن باعها عليه كانت عينة ثنائية .
ولم يكن قد باعها ثالث يعيد بيعها على من اشتراها العميل منه ، وهو" البنك " لتكون "عينة ثلاثية " ، فإن باعها على ثالث يعيدها للأول ، كانت عينة ثلاثية .
لكنه قد باعها على الشركة التي اشتراها البائع " الدائن " منها ، فتكون عينة
أخف من الصورتين السابقتين ، قد رخص فيها الحنفية والشافعية والحنابلة وبعض

المالكية (11)، لأن الذريعة فيها إلى الربا ليست بقوة الصورتين السابقتين ، وإن كانت الذريعة فيها إلى الربا قائمة على جهة احتمال الصورية في البيع الناتجة من التواطؤ بين الأطراف الثلاثة :
1. التاجر " مالك السلعة الأول " .
2. الدائن " الذي يشتريها منه ليبيعها على العميل "
3. المدين " الذي يشتريها من الدائن ، ثم يعيد بيعها على التاجر بائعها الأول " فتبرم عقود متلاحقة غايتها أن يحصل المستقرض على نقد ، والسلعة لا اعتبار لها ، وقد تكون غير موجودة ، أو غير صالحة ، ونحو ذلك ما هو عليه معلوم .
فتخريجه على أنه تورق مرهون بهذا الاعتبار قوة ، وضعفا ، فحيث يكون ضعيفا وتكون الذريعة في إلى الربا ضعيفة يستقيم تخريجه على التورق والعكس بالعكس .
الثانية : أن تكون شركة مستقلة عن الشركة البائعة أولا ، لكنها متفقة معها على أن تبيع عليها ما تشتريه من سلع قد باعتها ، بل أنها إنما تشتري ، لتبيع على هذه الشركة ، فهي ذريعة أخف من سابقتها ، ولنسمها من "الدرجة الرابعة "
الثالثة : أن تكون شركة مستقلة عن الشركة البائعة أولا ، ولا اتفاق بينهما ، فهذه لا ذريعة فيها ، ولا إشكال ، وتكون المعاملة : " بيع تورق " وبه يظهر أن المعاملة دائرة بين التورق ، والعينة في أخف درجاتها ، وتخرَّج على هذه أو تلك بحسب ظهور مقتضيات التخريج .
على أن التورق لدى الفقهاء يُعد نوعا من العينة غير الممنوعة ، ولهذا فإنهم يوردون صورته ضمن مسائل العينة ، عدا الحنابلة ، حيث يخصونه باسم التورق ، وأن كانوا يذكرونه حيث تذكر العينة فإنه آخذ منها بطرف .
وإذ ذاك كذلك فقد ناسب الكلام على كل من العينة ، والتورق بإيجاز ، حسبما يقتضيه المقام :

أما العينة : فقد تقدم بيان صورها ، وحكمها ، إذ اقتضي المقام السابق بيانه ، فيغني عن إيراده هاهنا .

الكلام على التورق :
وأما التورق : فالكلام عليه مقيد بالآتي :
تعريفه : أما تعريفه فمصادر الحنابلة ـ وهي التي شاع فيها هذا المصطلح ـ لم تحفل بتعريفه ، حيث تستغني عنه ببيان صورته ، وتوصيفه ، وإنما حاول تعريفه المعاصرون ، وأمثل تعريف وقفت عليه ما جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية هو :
( أن يشتري سلعة نسيئة ، ثم يبيعها نقدا ، لغير البائع ، بأقل مما اشتراها به ليحصل بذلك على النقد ) (12)
وأرى أن يعرف بأنه : ( تحصيل النقد ، بشراء سلعة نسئة ثم بيعها ، من غير من اشتراها منه نقدا ).

حكمـــــــــــــه :
وأما حكمه : فجمهور الفقهاء على كراهته ، حيث كرهه الحنفية والمالكية ، والحنابلة في رواية (13)
وقال بجوازه أبو يوسف ، والشافعية والحنابلة في رواية هي المذهب ( 14) .
كما نسب تحريمه إلى الحنابلة في رواية ، ونسب اختيارها إلى الإمام ابن تيمية (15)
ومنه يظهر أن الجمهور على القول بكراهته ، لا جوازه كما شاع لدي كثير من المعاصرين .
والمتأمل الأدلة التي سيقت للمنع يظهر له أنها لا تنتج سوى الكراهة ، ومن نسب إليه التحريم لم يحتج بها على التحريم ، لكن المعاصرون استدلوا بها على التحريم ، ومن أظهرها:
1. " لما فيه من بيع المضطر " (16) : فإن غالبية من يتعاملون بالتورق تدفعهم الحاجة لذلك .
قلت : وبيع المضطر صحيح على الصحيح من المذهب ، وهو اختيار ابن تيمية(17) ، وهم من نسب إليهم الاستدلال به على التحريم .
2. " أن المقصود ببيع التورق الدراهم وليست السلعة " (18)، وهذا قد احتج به الإمام ابن تيمية ، لكن دعوى أنه احتج به على التحريم ، فيه نظر ، فإن الدليل لا ينتج من التحريم ، وعبارة الإمام جاءت بلفظ الكراهة ، لا التحريم .
ويجاب عنه : أن السلعة مقصودة بدليل أنه يملكها ملكا صحيحا ، بعقد بيع صحيح ، وهل القصد إلا هذا ؟ أما كونه لا يرغبها ، فذلك شأن آخر ، وفرق بين عدم القصد ، وعدم الرغبة ، فلو حَمَلَ مكلف سلاحا قاتلا قصدا ، وضرب به معصوما قصدا ، لعُدَّ قاصدا القتل ، ولم يعذره أنه لم يكن راغبا فيه .
بل لو ادعى عدم قصد القتل ما قُبل منه ، وقد قصد أسبابه .
والأحكام إنما تدار على المقاصد ، وما دامت السلعة مقصودة بعقد بيع صحيح ، فماذا في هذا ؟ فإن رغبة الانتفاع بثمنها ، لا عينها ، نوع من الانتفاع المشروع ، فإن قال قائل بمنعه ، فعليه الدليل .
وإن رغبة الانتفاع بثمنها ، لا عينها ، لا يصيرها دراهم بدراهم ، وهو عمدة المانعين ، فإن تحصيل الدراهم ، لا يخلو من ثلاث :
أ / إما أن يكون دراهم بدراهم أكثر منها ، فهذا ربا محرم .
ب / أو أن يكون دراهم بسلعة محللة هي واسطة بين دراهم نقدا ، يقابلها دراهم أكثر منها مؤجلة ، وهذه هي العينة الثانية ، وهي من ذرائع الربا الممنوعة عند الفقهاء عدا الشافعي ، وقد تقدم .
ج/ أو أن يكون دراهم بسلعة مقصودة بعقد بيع صحيح ، فيكون ثمنها نوع انتفاع بها ، وليس من قبيل دراهم بدراهم ، وهذه التورق .

المطلب الثاني : في بيان مزاياه ، ومآخذه :
أولا : في بيان مزاياه ، والنظر فيها :
أ / ( أن التورق المصرفي بديل شرعي عن عق القرض الربوي ) (19)
ب / ( أن التورق المصرفي أداة من أدوات التمويل القصير الأجل ، التي تحتاج إليها المصارف ) (20)
ج / ( أن التورق المصرفي يفتح مجالا للمصارف الإسلامية لتمويل بعض المشاريع ذات الخطورة العالية التي لا ترغب المصارف بالدخول فيها ) ( 21).
ويجاب عنها : بأن ذلك متحقق من خلال بيع المرابحة ، وهو آمن طريقا من التورق ـ على ما في تطبيقه من مخالفة ـ وأنفع للبلاد ، وهو كاف في سد حاجة البنوك ، وهل قامت البنوك إلا على المرابحة ؟ ومذ متى عرفت البنوك التورق المصرفي ؟
د/ أن التورق يمثل ( صيغة نافعة ، وقابلة للتطبيق تمكن من توفير تمويل المخزون ، للشركات المنتجة ) (22)
ويجاب عنه من وجوه :
أولا : أن ما عليه العمل يفوق حاجة تمويل المخزون ، فإن بعض البنوك تشتري من السلع الدولية ما تجاوز قيمته خمسة ملايين دولار يوميا ، وتبيعها في نفس اليوم ، وبعضها تشتري ما تجاوز قيمته عشرة ملايين دولار يوميا ، وتبيعها في نفس اليوم ، فهو مقصود لتمويل العملاء المتورقين .
الثاني : أن لا تلازم بين المخزون ، والتورق المصرفي فلْتُموِّل البنوك المخزون من خلال شرائها ما ينتج من مخزون ، ولتبعه على الموزعين ، خاصة وقد ثبت لها بالتجربة
ـ من خلال التورق ـ أنها سوق رائجة ، فإن ما تشتريه لعملائها المتورقين تعيد بيعه أسبوعيا ، وبهذا الطريق يكون التمويل استثماريا ، وهو أولى من التمويل الاستهلاكي الذي تمارسه من خلال التورق المصرفي .

ثانيا : في بيان مآخذه ، والنظر فيها :
الإشكالات الواردة على التورق المصرفي ، تصنف صنفين :
أ ـ صنف متعلق بالمعاملة مباشرة .
ب ـ صنف متعلق بأمر خارج عنها ، " كالمآلات ، والغايات " ، وهذه الاعتبار بها أدخل بالسياسة الشرعية ،فلنفرد كل صنف على حدة :
الإشكالات المتعلقة بالمعاملة مباشرة ، ومن أظهرها :
الأول : ما متعلقة العقود المتعاقبة في هذه المعاملة ، وفحواه :
أن التورق المنظم يقوم على عدة عقود ، مرتبطة ببعضها :
1. فأولها : اتفاق سابق على عقود البيع ، يكون بين البنك ، وكل من الشركتين البائعة عليه ، والمشترية منه (23).
2. وثانيها :عقد بيع ( بين البنك والشركة التي تبيعه ، وبالقطع فإن البنك لم يكن ليشتري ، لولا أنه يقصد البيع لعملائه المتورقين )(24) .
3. وثالثها : عقد بيع ( بين البنك ، والمتورق ، ومن المقطوع به أن المتورق لم يدخل ليشتري السلعة لولا أن البنك سيبيع هذه السلعة لحسابه ، لتوفير النقد المطلوب ) (25).
4. ورابعها : عقد وكالة بين البنك ، والمشتري " العميل " ( ولولا وكالة المصرف بالبيع نقدا ، لما قبل العميل بالشراء منه بأجل ابتداءً ... ولو
انفصلت الوكالة عن البيع الآجل ، لانهار البرنامج ، ولم يوجد التمويل أصلا ) (26)
5. وخامسها : ( عقد بيع بين البنك بصفته وكيلا عن المتورق إلى شركة تشتري (27)
المناقشة : لقد تقدمت مناقشة ذلك كله في مبحث التخريج ، باعتباره إشكالا يرد عليه .
أما قوله : ( ... البنك لم يكن ليشتري لولا أنه يقصد البيع ... ) فيجاب عنه :
أ ـ بأن التجار هكذا ، لا يشترون السلع ، لولا أنهم يقصدون بيعها .
ب ـ ثم إن البنك قد ملكها بعقد بيع صحيح ، وهل القصد إلا هذا ؟! وقد تقدم عند الكلام على التورق .

الثاني : ما متعلقه الوكالة ، ومنه :
أ ـ تولي طرفي العقد من جهة ( أن المصرف ينوب عن العميل في بيع السلعة للمشتري ، وينوب عن المشتري في تسليم الثمن ، وهذا جمع بين طرفي العقد ) ( 28) .
ويناقش : بأن البنك لا يتولى سوى طرف واحد ، هو طرف البيع ، إذ أنه يبيع السلعة بالنيابة عن المشتري " العميل " .
أما الطرف الآخر " المشتري الثاني " فليس البنك وكيلا عنه ، وكون البنك يأخذ الثمن منه ، ليسلمه للمشتري " العميل " ليس ذلك وكالة عن المشتري الثاني " ـ وهو موضوع اللبس في هذا الاحتجاج ـ لكنه بحكم وكالته في البيع عن المشتري " العميل " ، إذ تقتضي وكالته هذه استلام الثمن ، وتسليم المثمن .
ب ـ أن البنك " الوكيل " يتصرف في غير مصلحة الأصيل " العميل " ، من جهة أن : ( المصرف سيبيع السلعة بثمن أقل بالضرورة من الثمن الذي اشتري به العميل السلعة من المصرف ، وهنا نسأل : هل هذا البيع يمثل ربحا ، أو خسارة للعميل؟
لا ريب أن البيع بثمن أقل من ثمن الشراء ، يمثل خسارة ، وليس ربحا ، أي أن المصرف ينوب عن العميل في البيع بخسارة ، بعد أن يكون المصرف قد باعه بربح ، فهل هذه الوكالة لمصلحة الوكيل ؟ ) (29)
ويناقش : بأن فرقا بين أن يكون العمل الموكل فيه من مصلحة الموكِّل " الأصيل " وبين أن يكون عمل الوكيل في مصلحة الموكِّل " الأصيل " ، فالأول : ليس مسئولية الوكيل ، لكن الأصيل ، وما دام قد رضيه لنفسه ، وأقام غيره مقامه فيه ، فما الذي يمنعه ؟ ، فإنه لا يشترط في الوكالة كون الموكل فيه من مصلحة الموكِّل " الأصيل " ، وإنما يشترط أن يكون الموكِّل " الأصيل " ه فعله حال الحياة ، فإذا كان كذلك ، فله أن يوكل فيه . أما الثاني " وهو تصرف الوكيل " ، فينبغي أن يكون لصالح الأصيل ن فإن ذلك من النصح المطلوب ديانة ، ويكون بأن يتحرى الوكيل أفضل الأمور ، وأعدلها في تنفيذه الوكالة ـ وإن لم يكن موضوعها في صالح العميل ـ وهذا متحقق في وكالة البنك عن العميل في البيع ، فإنه يبيع بخسارة أقل مما لو كان البائع هو العميل .
على أن الفعل ، والترك غير منوط بأن يكون خيرا محضا ، أو شرا محضا ، ولو كان كذلك لتعطلت المسالك

الإشكالات المتعلقة بالغايات والمآلات " ومن أظهرها :
1. أيلولة التورق المصرفي إلى الربا ، بناء على قاعدة " المدخلات ، والمخرجات " عند المالكية ( 30) ، من جهة أن التورق المنظم : ( عبارة عن تعامل بين طرفين " العميل ، والمصرف " ونجد السلعة قد دخلت في ملك العميل ، ثم خرجت منه فصار وجودها لغوا ، كما يقول الفقهاء ، ويصبح صافي العملية هو : نقد حاضر ، بنقد مؤجل ) (31)
قلت : بيان هذه القاعدة : أن المالكية في بيوع الآجال يعتبرون بما يدخل يد البائع ، وما يخرج منها في الآخر ، ويلغون ما بينهما من واسطة ، فإن كان ما يدخل يده ، وما يخرج منها ، لا تجوز المعاوضة فيه ، حكموا بعدم الجواز ، واعتبروا ما بينهما من واسطة حيلة آلت إلى الربا ، مثال ذلك :
العينة الثنائية : وفيها يبيع زيد سلعة من عمرو بثمن آجل ، ثم يشتريها منه بثمن أقل نقدا ، فما دخل يد البائع " زيد " هو الثمن المؤجل ، وما خرج منها هو الثمن الحال ، فكأن المعاوضة نقد بنقد أكثر منه مؤجلا ، فيمنع للربا .
وفي تقديري : أن هذا الاحتجاج لا يستقيم فيما نحن فيه ، فإن ما دخل يد البائع " البنك " هو الثمن المؤجل الذي في ذمة المشتري " العميل " ، وما خرج منها هو السلعة ، أما ثمنها نقدا فلم يخرج من يد "البنك " ، لكنه خارج من يد المشتري الآخر ، الذي اشترى السلعة من البنك باعتباره وكيلا عن المشتري " العميل " ، وسلم له الثمن لهذا الاعتبار ، والمسألة فيها شيء من القبح ظاهرا .
2. أيلولته إلى الظلم ، فينبغي منعه ( لأن سبب تحريم الربا ، هو الظلم الواقع على المدين ، فإذا وجد الظلم نفسه في معاملة أخرى ، وجب القول بتحريمها ( 32)

يناقش من وجهين :
الأول : الفرق بين هذه المعاملة ، والربا من جهة : أن الربا كان ظلما ، لأن الزيادة فيه لا يقابلها شيء سوى الأجل ، لأن المالين جنس واحد ، لا فرق بينهما يستحق الزيادة ، والأجل في باب الربويات ممنوعة الزيادة بمقابله ، فكانت الزيادة ظلما ، لا مقابل لها .
أما فيما نحن فيه ، فهو أدخل ببيع الأجل ، فالمعاوضة بين الدائن " البنك " ومدينه " العميل " العوضان فيهما هما " السلعة "و " الثمن المؤجل " ، وكن الثمن مؤجلا يكون أكثر منه حالا أمر جائز ( 33) ، لكون العوضين ليسا ربويين ، فلم تتمحض الزيادة للأجل ، ولم تكن ظلما ، حيث صار لها ما يقابلها .

الثاني : أن الظلم حكمة ، لا عله ، فلا يدور مع الحكم أبدا ، وجودا وعدما ، ألا ترى الفضل بين نوعين من جنس التمر مثلا يُعدُّ ربا ، وإن كان له ما يقابله من جودة في النوع ، وفرق في الثمن ؟ !
3. أن العميل لا يقصد السلعة ، وإنا النقود ، فتؤول المعاملة إلى دراهم بدراهم ، قد تقدمت مناقشته ، في الكلام في التورق .
4. قضاؤه على أهداف البنوك الإسلامية ، فتفقد مصداقيتها ( 34) ، ومنه :
أ ـ محاكاتها للبنوك الربوية ، في تقديم التمويل ، ومنح الائتمان ( 35)
ب ـ الاكتفاء به عن صيغ الاستثمار الأخرى .( 36).وقد تبين لي من خلال مساءلة عدد من البنوك أن نسبة التورق المصرفي تجاوز 60% من أعمال التمويل في البنوك .
ج ـ الالتباس بين البنك الربوي ، والإسلامي ( 37)
دـ إهدار الجهود المبذولة لتوجيه البنوك الإسلامية إلى تمويل في صورة استثمار ، عن طريق المشاركة ، والمضاربة والسلم ، ونحوها . (38)

قلت : وهذه تعليلات وجيهة في منع التورق المصرفي ، بل باجتثاث أساسه " سياسة التمويل " كشجرة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار " ، فإن سياسة التمويل التي لا تزال البنوك الإسلامية تنطلق منها ، هي أساس كل خطيئة تقع فيها هي :
" تقليد ، ومحاكاة للبنوك الربوية في المنهج " ، والمتعين على البنك الإسلامي ، ما دام قد جاء ليحارب الربا ، أن ينهج منهج الإسلام : " التجارة "،أما أن ينهج منهج الربا " التمويل " ، ويدعي أنه يحارب الربا ، فغير مستقيم في القياس ، وغير مستقيم في الواقع ، إذ أنه سبب كثير مما يؤخذ عليه من إشكالات ، ومخالفات :
أ ـ فمحاذرة التجارة مرجعها سياسة التمويل .
ب ـ ومحاذرة تحويل النقود إلى سلع ومنتجات ـ وإن كانت تستثمر استثمارا قصير الأجل كما هو الشأن في المرابحة ونحوها ـ مرجعها سياسة التمويل .
ج ـ ووقوعها في محاذير من جهة : تملك السلع ، وقبضها ، ونحو ذلك مرجعة سياسة التمويل .
د ـ وطرحها لمنتجات لا تخلو من حيل ن وإشكال ، كالتورق المصرفي المنظم ، والإجارة المنتهية بالتمليك ، ونحوه مرجعه سياسة التمويل .
هـ ـ والاكتفاء بهذه الصيغ التمويلية الاستهلاكية عن صيغ الاستثمار الأخرى ، ذات الفائدة الاجتماعية ، والجدوى الاقتصادية : كالسلم ، والمشاركة ونحوها مرجعه سياسة التمويل .
و ـ وكان من ذلك : الالتباس بين البنك الربوي ، والإسلامي ، وذلك للمشاكلة بينهما في المنهج ، لتبعية البنوك الإسلامية للبنوك الربوية فيه ، وهذا جعل من السهل على البنك الربوي أن يمارس ما يمارس البنك الإسلامي من أعمال تمويلية ، يدعى إسلاميتها ، لكونها لا تخرج بالبنوك الربوية عن سياستها التمويلية .
ز ـ وكان منه ك أن نافست البنوك الربوية البنوك الإسلامية ، من خلال ما أحدثته من نوافذ إسلامية ، تقوم بأعمال التمويل التي تقوم بها البنوك الإسلامية ، وهي على المنافسة أقدر ،لكونها في التنظيم ، والإدارة أجدر ، وصارت البنوك الربوية تسير في خطين متعاكسين غايتهما كسب الربح ، والعملاء .
ح ـ وكان منه : أن ألف الناس البنوك الربوية من خلال نوافذها الإسلامية ، وزالت الوحشة منها ، فكسبت البنوك الربوية بذلك مكاسب ، وخسرت البنوك الإسلامية بذلك خسائر منها :
ط ـ تنازلت البنوك الإسلامية عن كثير من مبادئها ، وأهدافها ، لتكسب المنافسة ، والذي يتأمل خط سيرها يجده في انحدار .
فأول ما قامت كانت المرابحة للآمر بالشراء قوامها ، وكان روادها ، ونظارها ينظرون إلى المرابحة على أنها حل مؤقت ، حتى يستقيم عودها ويقوى كيانها .
ثم خرج منتج آخر هوَّن من شأن المرابحة ، وهو : "الإجارة المنتهية بالتمليك " .
ثم حدثت محدثات منها :
أ ـ التورق المصرفي المنظم .
ب ـ ضمان رأس مال المضاربة .
ج ـ الدعوة إلى اعتبار الحساب الجاري حسابا استثماريا ، بأثر رجعي .
وصارت هذه المحدثات يرقق بعضها بعضا ، وصار من يستحيون من المرابحة بالأمس يجاهرون بما هو شر منها اليوم .
قلت : ولعل هذا الانحدار مظهر من مظاهر انحدار الفكر في العالم الإسلامي بفعل العولمة .
هـ تهجير أموال المسلمين (39) : فإن تجارة التورق المصرفي المنظم ، تكون في السوق الدولية ، فتهجَّر بها أموال المسلمين ، ليستفيد منها غير المسلمين ، وكان الأولى أن توظف هذه الأموال في بلادها ، لتدعم اقتصادها ، فهي احق بها ، وذلك من الأمور المعتبرة .

المطلب الثالث : في بيان حكمه :
أولا : في بيان ما سبق أن قيل في حكمه :
لعلك اطلعت على ما ذكر للتورق المصرفي من سلبيات ، وإيجابيات ، فمن قامت لديه السلبيات ، وطغت على الإيجابيات ، فهو قائل بمنعه ، ومن قامت عنده الإيجابيات ، دون السلبيات ، فهو قائل بجوازه ، وهو ما حصل ، فإن المعاصرين مختلفون في حكمه ، فمنهم من يجيزه ، ومنهم من يمنعه ، بناء على تلك الاعتبارات
ثانيا : في بيان رأيي في الموضوع :

بيان المقدمة :
1. إن الإشكاليات السابقة المتعلقة بالغايات ، والمآلات متجهة بكل حال ، فهي بمجموعها معتبرة فيما سأقرره من رأي ـ وقد تقدمت فلا داعي لإعادتها.
2. أن الإشكالات السابقة المتعلقة بالمعاملة مباشرة ، والتي أجبت عنها ، وصرفت توجهها في مبحثه ، لا يعني صري لها عدم توجهها مطلقا ، فلذلك أمر مختلف باختلاف البنوك ، والوسطاء ، والشركات ، فلا ينبغي تعميمه، فإن محمول على المعاملة في أفضل وأكمل صورها ، وهو غير
مطرد واقعا ، وكل شيء بحسبه ، على أن البنوك لا تكتفي بهذه .
3. والشأن أن العمل المصرفي ـ بطبعه ـ ينتظم في سلسلة من الإشكالات ، والتجاوزات التي تتضافر ، ويقوي بعضها بعضا ، " والأدوية تهلك من القطرات " .
ومن ذلك :
أ ـ إشكال يتعلق بالقبض من جهة البنك : فإن البنك لا يقبض السلعة إلى قبضا حكميا ، بموجب " شهادة التخزين " التي تعدها البنوك مستندا لها في القبض ، وهي تشمل " رقم الصنف " الذي تعده البنوك تعيينا للسلعة ، وقد جاء بشأن هذا في " أنموذج عقد البيع لدى البنك الأهلي " : ( وحيث إن البنك يمتلك هذه السلعة بموجب شهادة التخزين رقم ... )
كما جاء عن موسى آدم : ( ... وأن كمية المعدن المشتري سيتم تعيينها عن طريق رقم الصنف للمعدن الذي وقع عليه البيع ، وتحديد مكان تواجده .. وفي نظري أن تحديد رقم الصنف للمعدن المشترى ، وتحديد مكان تواجده يمكن اعتبارهما تعيينا للمعدن طالما أن رقم التصنيف يشير إلى كمية محددة من المعدن ، بمواصفات معينة ، موجودة في مكان معين ) (40)
والإشكال في هذا هو : أن القبض الحكمي كما يكون طريقا للتيسير ، فإنه يكون طريقا للاحتيال ، والتلاعب ، وهذا ليس ادِّعاءا ، لكنه واقع ، ألا تراه سببا للتضخم الذي يعد من عيوب الاقتصاد : فإن تعهدات البنوك من خلال ما تصدره من أوراق تجارية : كالشيك ، والكمبيالة ، ونحوها ، لمَّا تواضع الناس على الثقة ، والتعامل بها ، على نحو أغناهم عن قبض النقد ، إذ اعتبروا قبض هذه التعهدات في حكم قبض النقد ، فطِنت البنوك لذلك ، فصارت تصدر أوراقا تجارية ، ليس لها رصيد سوى ثقة الناس بها ، فتضخم به النقد تضخما خبيثا .
وما نحن فيه معاملة تحكمها السوق الدولية ، وتتم برأس مال كبير ، وسرعة فائقة ، فاحتمال التلاعب فيها وارد ، وبخاصة أن التعامل في أصله مع جهات أجنبية تجهل الدين وأحكامه ، بلا لا تدين به ، وقد يكون الطرف الآخر ممن لا يأنف الربا
أيضا،وهذا لا يناسبه الاعتبار بالقبض الحكمي ، ألا ترى العلماء يشترطون لمشاركة المسلم للذمي : أن يكون إلى المسلم أمر التجارة (41)
ثم ألا تراهم ـ خاصة المالكية ـ يفرقون أهل العينة عن غيرهم في الاعتبار ، ومن ذلك ما جاء في المدونة : ( قلت : ولم وسَّع مال في أن أبيع ما اشتريت من الطعام جزافا قبل أن أقبضه من صاحبه الذي ابتعته منه ، أو من غيره ، قال : لأنه لمّا اشترى الطعام جزافا ، فكأنه إنما اشترى سلعة بعينها ، فلا بأس أن يبيع ذلك قبل القبض ، إلا أن يكون ذلك البيع ، والشراء من قوم من أهل العينة ، فلا يجوز ) . (42)
ب ـ إشكال يتعلق في القبض من جهة العميل " المشتري " : فإن العميل " المشتري " لا يقبض السلعة ، ولو قبضا حكميا ، ومن ثم فإنه يبيع ما لم يقبض ، بل ما لم يُعين .
فإن قيل : عقد البيع الذي بين البنك، والمشتري " العميل " ألا يكون قبضا حكميا ؟
قلت : لا يكون كذلك ، فإنه ليس فيه تحديد لرقم السلعة ، ولا تعيين لها ، وقد اطلعت على عدة عقود، فلم أجد فيها ما يُعيِّن السلعة بالرقم ، وكل ما فيها هو : تحديد النوع ، والكم ، والوصف .
فإن قيل : ولكن ما يبيعه البنك على العميل هو جزء مما يمتلكه البنك ، مما هو محدد برقم الصنف .
قلت : رقم الصنف لا يكون للأجزاء الصغيرة ، ولكن للوحدة الكبيرة ، التي يجزئها البنك ، ويبيعها على العملاء أجزاء ، من غير تعيين ، كالصبرة التي تجزء ، وتباع قفيزا ... قفيزا ، دون تعيين .
فإن قيل : لا داعي للتعيين ، لتماثل أجزاء الوحدة .
قلت :الجواب من وجهين .
الأول : لو كان البيع مقصودا ، والسلعة مقصودة ، لكان التعيين داع ، كما هو الشأن في بيع كثير من المتماثلات ، التي تعين بالرقم ، ولم يكن تماثلها مغنيا عن تعيينها .
الثاني : أن ما نحن فيه من قبيل " المقدَّرات " ، والخلاف في قبضها أضيق من الخلاف
في غيرها ، فإن الخلاف في القبض تتسع دائرته فيما عدا المقدِّرات ، ثم تضيف في المقدرات من غير المطعومات (43) .
فإن قيل :لا حاجة إلى القبض ، فالعلماء مختلفون في جواز بيع المبيع قبل قبضه ، ونحن نسير مع القول القائل بالجواز .
قلت : الجواب من ثلاثة وجوه :
الأول : أن القول بجواز البيع قبل القبض مرجوح ، إذ إن فيه عملا ببعض الأدلة ، دون بعضها ، في حين أن القول بمنعه عمل بالأدلة كلها .
الثاني : أن ما نحن فيه من قبيل " المقدَّرات " وهو يضيق الخلاف فيه ، كما تقدم آنفاً .
الثالث : أن هذا بيع ملتبس بالقرض ، مقارف للعينة ، فلا يقبل فيه التساهل ، والأولى بمقاصد الشريعة لزوم الحذر فيه ، فهو استبراء للدين ، ألا ترى العلماء يحاذرون معاملة أهل الذمة ، وأهل العينة ، كما تقدم .
فإن قيل : ما دام العميل قد وكل البنك في البيع ، فإن البنك سيقوم بتعيينها ، وقبضها قبل بيعها .
قلت : هذا لا يحصل ، ولو فُرض حصوله جدلا فإن تفويض البنك فيه بعد من مسائل الفرقان التي تفرق بين البيع المقصود حقيقة ،والبيع المقصود صورة ، فيكون المنع أولى .
هذا وإن التساهل في القبض على نحو يظهر منه عدم قصد السلعة ، يُصيِّر المعاملة عينية ، تختلف درجاتها باختلاف الفروض السابق ذكرها في مبحث التخريج .
ج ـ إشكال متعلق بما في العقد بين البنك ، والعميل من تعسف ، منه :
اشتراط البنك على العميل " إسقاط خيار الرد بالعيب " ، كما يظهر في عقود البيع ، كقولهم :
( ليس للبنك .. علاقة بعد توقيع هذا العقد بالسلعة ) .
وقولهم على لسان العميل ، مخاطبا البنك ، في صياغة قد أعدها البنك :
3/151 ، روضة الطالبين 3/506 ، وما بعدها ، وانظر : الربا في المعاملات المصرفية المعاصرة ، 1/511 .
( لا تتحملون أي التزام ، فيما يتعلق بمواصفاتها ، أو ملاءمتها ، أو نوعيتها ...)
هذا الشرط ، وإن كان موضع خلاف بين العلماء في أصله ، وأحواله (44)
إلا أنه جار مجرى التعسف ، وفيه من المجاوزة ما فيه ، وهو مبنى على عدم قصد السلعة ، إذ يرى البنك أنه مموِّل ، والفرض أن لا علاقة له بالسلعة ، ولهذا اشترط هذا الشرط .
اشتراط تحميل العميل رسوما إدارية ، تتراوح من 700 ـ 2000 ريال ، تختلف باختلاف البنك ، والمعاملة ، زعموا أنها مقابل ما يتكبده البنك من أعباء إدارية ، في سبيل البيع على العميل .
قلت : وهذا نهج غير مستقيم ، وهو تبعية للفكر الرأسمالي ، الوافد ، الذي يصطنع مداخل كثيرة ، للجباية منها .
فإن ما يتكبده البنك في سبيل البيع على العميل ، لم يذهب سدى ، ذلك أن البنك يبيع على العميل بربح ، وما يجنيه من ربح يقابل ما يتكبده من أعباء ، ولا يسوغ للبنك أن يأخذ شيئا من العميل ، مما هذا سبيله ، فإنه أكل للمال بالباطل
ثم لو سلمنا جدلا بهذا النهج ، فلن تكون مطالبة البنك للعميل بأولى من مطالبة العميل للبنك بمصاريف لقاء تردده ، وتكاليف تنقله ، وتعطيل جزء من وقته ، وعمله في سبيل إبرام عقد البيع مع البنك ، بل ولقاء اختياره لهذا البنك دون غيره من المنافسين ، وهكذا .


ومن عجيب ما يناقض هذا ، وهو الإشكال الآتي :
د ـ أن بعض البنوك التي تأخذ رسما من العميل " المشتري في الداخل " تدفع رسما لمن يشتري منها في الخارج ،إذ تعطيه أجرا بحدود مئة ( 100) دولار مقابل قيامه بشراء سلع المتورقين بها ، بسعر التكلفة ، وهو أمر يثير الريبة .
هـ ـ وثمة إشكال آخر هو : توكيل البنك للعميل في " صورة من صور تورق الشركات " بشراء السلعة نيابة عنه ، ثم بيعها على نفسه ، وهذا فيه تولى طرفي
العقد ، وهو ممنوع عند الجمهور من الحنفية ، والشافعية والحنابلة في المذهب (45)
وهو مشعر بعدم قصد البيع .
4. أن السلعة التي يشتريها البنك غير حاضرة ، وغير مرئية ، وغير مقبوضة ، إلا حكما ، وهو مظنة الصورية ، والاحتيال ، والمخالفة في البيع .
5. إن السلعة التي يشتريها العميل من البنك غير حاضرة ، وغير مرئية وغير معينة من وجه ، وغير مقبوضة ، وهو مظنة الصورية ، والاحتيال ، والمخالفة في البيع .
6. أن المعاملة يكتنفها كثير من الغموض في الجانب المتعلق بالسوق الدولية ، على نحو لا تكتشفه حتى الهيئات الشرعية في البنك ، والسوق الدولية غير مأمونة ، بل وبعض نوافذ البنوك الإسلامية غير مأمونة ، وهو مظنة الصورية ، والاحتيال ، والمخالفة في البيع .
7. أن التورق المصرفي المنظم يصنف في البنوك ضمن أعمال المداينات " التمويل " وطبيعة هذه تعزف بها عن التجارة ، وما يلزم لها من امتلاك السلع ، وحيازتها كيف لا ، وكثير من البنوك في مسألة المرابحة للآمر بالشراء ـ وهي من مجموعة التورق ـ لا تشتري السلعة إلا بعد طلب ، ووعد بالشراء من العميل ، ثم إنها تلزم العميل بالشراء بموجب الوعد السابق ، وتُعدُّ نكوله عن الشراء ضررا يحيق بها ، وتستحق عنه التعويض ، ومرجع ذلك كله العزوف عن السلعة ، وهو مظنة الصورية ، والاحتيال ، والمخالفة في البيع ، فكيف إذا كانت البنوك الممارسة : " نوافذ أسلامية في بنوك ربوية " تمارس التورق المصرفي مع عملاء ، كما تمارس الربا مع عملاء ، فالتهمة تقتضيها طبيعة العمل المصرفي الخاضع لسياسة التمويل ، ولو لم يكن الممارس نافذة لبنك ربوي ، فكيف إذا كان نافذة ؟
ومما يتكئ عليه بعض المعاصرين من الاحتجاج بما عليه الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ من عدم اعتبار بالذرائع ، غير متوجه فيما نحن فيه ، فإن محل عدم اعتبار الشافعي حيث لا يظهر قصد ، وليس ذلك مما نحن فيه ،
فإن قيل : الربا أبوابه مشرعة ، فلو كان مقصودا أمكن بلا حيلة .
قلت: هذا بالنسبة للعميل ، أما بالنسبة للبنوك ذات النوافذ الإسلامية ، فهي تسلك هذا الطريق بقصد المنافسة ، وكسب العملاء ، ولو كانت لا تريد الربا ، لما مارسته بشكل ظاهر ، ولما سارت في خطين متعاكسين غايتهما كسب الربح ، والعملاء .
وإذا كانت البنوك التي تمارس التورق المصرفي من خلال نوافذها الإسلامية ، في الوقت الذي تمارس فيه الربا من خلال أصولها ، لا نوافذها ، هي التي تقوم على هذه المعاملة ، فإنها متهمة ، والتهمة في ذلك ظاهرة .
والناس في حياتهم العملية ، ومصالحهم الشخصية ـ بما فيهم من ينكر الاعتبار بالذرائع ، والتهم ـ يسلكون ذلك ، فلا يقبلون ما يكون موضع ريبة ، أو إلى شر ذريعة " أفيجعلون لله ما يكرهون " ؟ !
8. أن التورق المصرفي المنظم ، غير متعين لسد حاجة التمويل لدى المستهلكين ، ولسد الحاجة إلى استثمار قصير الأجل لدى البنوك ، فإن المرابحة للآمر بالشراء تسد ذلك كله ، وما عرف التورق المصرفي إلا من وقت قريب ، وهي ـ أعني المرابحة على ما فيها من مخالفة في التطبيق ـ آمن من التورق .
فإن قيل إن في التورق المصرفي مزايا ليست في المرابحة ، هي :
أ ـ قلة التكلفة على العميل .
ب ـ سرعة إنجاز المعاملة .
قلت : أما التكلفة فيجاب عنها بأن ما يحصل عليه البنك من ربح في التورق المصرفي ، فإنه مقارب لما يحصل عليه في المرابحة ـ حسب إفادة البنوك ـ وهي نسبة 6% تقريبا.
بقى الفرق في مسألة ما يخسره العميل عند بيع السلعة في السوق ، حيث تباع بسعر التكلفة في التورق المصرفي ، والفرق في هذا يسير ، فإن العميل في المرابحة قد يبيع السلعة في السوق بخسارة 1 ـ 2% ، وهو مبلغ يسير .
أما فرق سرعة الإنجاز فهو يسير أيضا، فإنه يختلف باختلاف البنوك ، والأفراد أو الشركات ، ويتراوح من يوم إلى ثلاثة أيام في مسألة التورق ، والمرابحة تستغرق وقتا في حدود ثلاثة أيام ، فهو فرق يسير أيضا إلا إذا كانت البنوك تنتظر إلى سرعة الاستثمار بالنسبة لها حيث تستثمر من 5 ـ 10مليون ريال يوميا ، في التورق المصرفي ، فذلك شأن آخر ، والنظر فيه من قبيل النظر في الكمِّ لا الكيف ، والنظر في المصلحة الخاصة ، لا العامة .
فإذا اعتبرنا ما في المرابحة من مزايا ، منها :
أ ـ أنها أسلم طريقا ـ على ما في تطبيقها من مخالفة .
ب ـ أنها تتم في السوق الداخلية ، فلا تُهجَّر فيها الأموال ، ويستفيد منها أهل البلد ، ذاب بمقابلها ما يدّعى من مزايا للتورق المصرفي ،وهان ما يدّعى من خسارة يسيرة على العميل في المرابحة .
بيان النتيجة :
وبمجموع هذا كله يتقرر حكم التورق المصرفي المنظم ـ فيا يظهر لي ، والعلم عند الله تعالى ـ وهو المنع .

الخاتمـــــــــــة

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وبعد:
هذه خاتمة للبحث تشتمل : استخلاصا ، واستنتاجا ،وتوصية ، وبيان ذلك الآتي:

أولا : الاستخلاص :
أما الاستخلاص فغايته لمُّ شتات البحث بذكر خلاصته ، وخلاصة هذا البحث الذي موضوعه دراسة التورق كما تجريه المصارف ، هي :

أنه أشتمل على مبحثين :
الأول : " الدراسة التصويرية " وغايتها بيان التورق المصرفي من جهة كونه معاملة مصرفية ، وقد تبين به :
1. أن التورق المصرفي عمل من أعمال "التمويل " ـ الذي هو مظهر من مظاهر تبعية البنوك الإسلامية للفلسفة الرأسمالية الربوية ـ والتي تراعي فيها المصارف :
أ ـ انخفاض المخاطرة .
ب ـ سرعة وسهولة التنفيذ .
ج ـ سرعة العائد " الربح " وهو ما يسمى بالاستثمار قصير الأجل .
2. أن التورق المصرفي : متاجرة بالدين .
3. وطريقه : تحصيل السيولة للأفراد ، والمؤسسات من خلال شراء سلع ثم بيعها ، للحصول على ثمنها .
4. أنه يتم في السوق الدولية ، ويعتمد على القبض الحكمي في مرحلة البيع التي طرفاها البنك ، والبائع الأجنبي ، كما لا يوجد قبض ، ولا تعيين في مرحلة البيع التي طرفاها البنك والمشتري " المتورق " .
5. أن البنك " البائع " ينوب عن المشتري " العميل " في بيع السلعة في السوق الدولية على طرف آخر غير من اشتريت منه السلعة أولا .
6. أن مايقوم به البنك من بيع ، وشراء في السوق الدولية قد تقدمه اتفاق يحدد الإجراءات ، والأحكام التي ينبغي أن يخضع لها عقد البيع عند وجوده .
7. أن ما يقوم به البنك من بيع في السوق الدولية يكتنفه شيء من الغموض ، لكنه لا يخرج عن واحد من الفروض الثلاثة المذكورة في مبحث التخريج .
والثاني : " الدراسة الفقهية " وغايتها بيان حكم هذه المعاملة ، وما يستند إليه الحكم من أدلة ، واعتبارات ، وقد تبين به :
1. أن تخريج التورق المصرفي مختلف باختلاف التطبيق ، والممارسة فإن قصد البيع ، وما يترتب عليه من امتلاك السلعة ، وقبضها ، ونحوه وكان بيعها على غير من اشتراها منه ، أو ثالث قد تواطأ معه ، فالمعاملة تورق صحيح . يتردد حكمه عند الفقهاء بين الجواز بلا كراهة ، والجواز مع الكراهة .
وكل ما ظهر من العميل عزوف عن مقتضيات عقد البيع من امتلاك السلعة ، وقبضها ، ونحوه ، كان ذلك دالا على الحيلة في البيع ، مما يقترب بالمسألة من العينة حسب الفروض المذكورة في مبحث التخريج .
2. أن التورق المصرفي تكتنفه إشكالات منها : ما يتعلق بالمعاملة مباشرة .
ومنها ما يتعلق بمآلاتها ، وبناء على تقررها ، أو دفعها ، يتقرر الحكم .

ثانيا : الاستنتاج :
أما الاستنتاج فغايته ذكر أهم ما يستنتج من البحث ، ومنه :
1. إن التورق المصرفي في البنوك الإسلامية ، يمثل رجوع القهقرى ، إذ تراجعت من خلاله عن أهدافها ، وسياستها ، التي كانت تنتقد بموجبها المرابحة للآمر بالشراء وتعتبرها حلا مؤقتا حتى يشتد عود البنك الإسلامي .
قلت : وقد بلغ البنك الإسلامي الثلاثين من عمره ، أو جاوزها ، فإذا لم يشتد عوده ، فمتي يشتد ؟ ، وبأي شيء يشتد ؟!
2. أن البنوك توجه أموالا طائلة في التمويل من خلال التورق المصرفي ، فبعضها يخصص له ما يفوق الخمسة ملايين دولار يوميا ، وبعضها يخصص له ما يفوق العشرة ملايين دولار يوميا ـ فهي المستفيدة من هذه المعاملة ـ فكيف لو وجهت هذه الأموال الطائلة للاستثمار والتنمية ؟ !
3. إن مبدأ " التيسير " و " القبض الحكمي " هما خير مطية للتورق المصرفي المنظم ، وغيره مما يناسب فلسفة البنوك الربوية " التمويل " فتحاذر التجارة ، وتحاذر تحويل السيولة إلى سلع ، ومنتجات ، وتتذرع إلى ذلك بهذين المبدأين .

ثالثا : التوصية :
وأما التوصية : فغايتها الوصية بما يراه الباحث بإزاء ما تعلق ببحثه من مشاكل وقضايا ، ومن ذلك :

الوصية الأولى : بشأن التورق المصرفي المنظم .
أوصي بمنع التورق المصرفي المنظم ، لما يلي :
أ ـ لما فيه من مخالفة وتجاوز .
ب ـ لما فيه من متاجرة بالدين ، والاستهلاك وتسويق ، وترويج لهما ، وإغراء بهما من خلال الدعاية .
ج ـ لما فيه من تهجير المال ، لتستفيد منه السوق الدولية ،وتحرم منه السوق الداخلية .
د ـ ولأنه غير متعين لتحقيق أمثل ما يناط به من غاية ، منها :
أن يكون بديلا عن القرض الربوي ، لكل من البنك ، والعميل .
أن يكون موردا من موارد البنك ، في الاستثمار قصير الأجل .
فكل ذلك متحقق في المرابحة ، فهي خير منه ـ على ما في تطبيقاتها من مخالفة ينبغي تسديدها .

الوصية الثانية : بشأن التمويل :
أوصي بتوجيه البنوك الإسلامية إلى العدول عن سياسة " التمويل " التي غايتها المتاجرة بالدين ، وهي أساس كل خطيئة تقع فيها ، واستبدالها بما هو خير وهي :
" سياسة الاستثمار " ليستبدل الدين بالاستثمار ، فيحل عقد السلم محل التمويل في مسألة تمويل المزارع ، ويحل عقد الاستصناع محل التمويل في مسألة تمويل المصانع ، كما تحل المشاركة ، والمضاربة ، ونحوها محل القروض التمويلية ، إن كانت في صورة التورق المصرفي المنظم ، أو في صورة المرابحة للآمر بالشراء .

الوصية الثالثة : بشأن مقاصد الشريعة :
أوصي بتطبيق " مقاصد الشريعة " وما يتفرع عنها بفقه يوافق مقاصد الشريعة ، ويؤمن معه تفويت مقاصد الشريعة ، أو ضرب بعضها ببعض ، ومثال ذلك فيما نحن فيه :
مبدأ " التيسير " ، و" القبض الحكمي " فينبغي تطبيقهما بفقه رشيد على النحو المذكور .

الوصية الرابعة : بشأن التسمية :
إن لم يؤخذ بوصية منع التورق المصرفي المنظم ، فإن أوصي بتغيير اسمه ليكون " التمويل المصرفي المنظم " ، لكيلا يُلبَّس على الناس فيه ، فإن المعاملة لا تنضبط تورقا مطلقا .

هذا والحمد لله أولاً وآخرًا ، ظاهرًا وباطناُ ، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد ، وآله ، وصحبه .



















_______________________

(1) التورق المنظم ـ قراءة نقدية ـ ص 4.
(2) المرجع السابق ، ص 9 .
(3) تعليق حسن حامد حسان ص 5.
(4) صحيح البخاري بالفتح ، كتاب البيوع باب إذا أراد بيع تمر بتمر ، خير منه 4/399
صحيح مسلم بشرح النووي ، باب الريا ، 11/12
(5) المدونة 4/ 125
(6) والإلزام بالوعد في مسألة المرابحة للآمر بالشراء اختلف فيه المعاصرون ، فمنهم من ألزم بتنفيذه ، أو التعويض عن الضرر الواقع بسبب عدم الوفاء به ، إذا كان على سبب ، ودخل الموعد بسببه في كلفة ، كما عليه قرار مجمع الفقه الإسلامي قي دورته الخامسة بالكويت .
ومنهم من لم يرَ الإلزام في البيع ، وفرَّق بعد وقوعه بين حالين : الأولى : أن يبيع البنك السلعة ، فما زاد عن ثمنها المتفق عليه بينهما أعطاه العميل وما نقص طالبه به .
والثاني : أن لا يفعل البنك ذلك لكنه يلح على العميل ، ويطالبه بالتعويض على نحو يلجئه إلى إبرام عقد البيع ، فاعتبر الأولى عقد بيع باطل ، إذ هو من قبيل بيع ما لا يملك ، واعتبر
الثانية من قبيل الإكراه على عقد البيع حسب خلاف العلماء فيه ، انظر : الربا في المعاملات المصرفية المعاصرة ، للمؤلف ، 2/1128 ، 1139
(7) انظر المغني 6/362 ، الشرح الكبير 11/195 تهذيب سنن أبي داوود ، 5/109 .
(8) انظر : الهداية ، وشرحيها ، 6/433 ، تبيين الحقائق 4/53 ، الدر المختار وحاشيته 7/267 ، مواهب الجليل 4/392 ، شرح الخرشي 5/96 ، منح الجليل 2/588 ، حاشية الدسوقي 3/78 ، الأم 3/69 ، مختصر المنزني 2/201 ، روضة الطالبين 3/417 ، المغني 6/261 ، شرح الزركشي 3/601 ، الفروع 4/169.
(9) فإنهم يمنعون الحيل ، ألا تراهم يقولون بفسخ العقدين في العينة حيث قصد بالأول الثاني ، وكان حيلة ، انظر : مواهب الجليل 4 / 403 ، شرح الخرشي 5/104 ، منح الجليل 2/603 ، الفروع 4/170 ، الإنصاف 11/192 ، شرح منتهى الإرادات 2/158 . بل قد نص المالكية على منع هذه الصورة ، انظر : مواهب الجليل 4/394 ، منح الجليل 2/589 .
(10) انظر : مواهب الجليل 4/404 شرح الخرشي 5/105 ، منح الجليل 2/ 604 ، الفتاوي 29/ 430 ، 441 . قلت : ومنعهم لهذه الصورة فيه تنبيه على منع سابقتها ، فإنها أشدمنها .
(11)وترخيص بعض المالكية فيه وكذا الحنابلة ، مع اعتدادهم بالذرائع ، كائن لبعد الذريعة فيها ـ رغم احتمالها ـ لكن متى كانت حيلة ، فإنهم قائلون بمنعها ، طردا لقاعدتهم : " إبطال الحيل
(12)الموسوعة الفقهية الكويتية 14/147
(13) انظر : الهداية بشرحيها 7/ 211 ، البحر الرائق 6/ 256 ، مجمع الأنهر 2/139 ، مواهب الجليل 4/ 405 ، شرح الخرشي 5/ 106 ، حاشية الدسوقي 3/ 98 ، الفروع 4/ 171 ، الإنصاف 11/ 195 ، 196 .
(14) انظر فتح القدير ، 7/ 212 ، رد المحتار ، 7 / 613 ، الأم 3/ 69 ، مختصر المزني بهامش الأم 2/201 ، روضة الطالبين 3/ 417 ، النهاية في غريب الحديث ، والأثر ، 2/301 ، الزاهر في غريب الفاظ الشافعي ، ص 216 ، الفروع 4/171 ، الإنصاف 11/ 195 ، 196 ، كشف القناع 3/186.
(15) انظر الفروع 4/171 ، الإنصاف 11/195 ، 196 .
(16) انظر التطبيقات المصرفية للتورق ، القرى ، ص 3 ، بيع التقسيط وأحكامه ، ص 69، 70 .
(17) انظر : الفروع 4/4 ، الإنصاف 11/16
(18) انظر : الفتاوى 29/ 30 ، 302 ، 432 ، وما بعدها .
(19) ، ( 20) ، (21) التطبيقات المصرفية للتورق ، الشريف ، ص 11.
(22) التطبيقات المصرفية للتورق ، القرى ، ص ، 10
(23)انظر تطبيقات التورق ، واستخداماته ، موسى آدم ، ص 12 ، 15 ، التطبيقات المصرفية لعقد التورق ، أحمد محي الدين ، ص 2 .
(24) تعليق د. حسين حامد حسان على أبحاث مؤتمر جامعة الشارقة ، ص ، 6 .
(25) المرجع السابق .
(26) التورق المنظم ـ قراءة نقدية ـ ص 9 .
(27) تعليق د . حسين حامد حسان على أبحاث مؤتمر جامعة الشارقة ، ص 7 .
(28) التورق المنظم ـ قراءة نقدية ـ ص 8 .
(29) المرجع السابق ، ص 7.
(30) يعبر عنها المالكية بقولهم : " اعتبار ما خرج من اليد ، وما عاد إليها " انظر : مواهب الجليل 4/ 392 ، منح الجليل 2/589.
(31) التورق المنظم ـ قراءة نقدية ـ ، ص 5 .
(32) المرجع السابق ، ص 6.
(33) انظر بدائع الصنائع ، 5/ 158 ، حاشية الدسوقي 3/165 ، معنى المحتاج 2/ 79, المغني 6/333 ، المبدع 4/35 ، الفتاوى 29 / 499 ، 525 .
(34) انظر تعليق د . حسين حامد حسان ، ص 8 ، التطبيقات المصرفية لعقد التورق ، أحمد محي الدين ، ص 8.
(35) انظر المرجعين السابقين ، ص 9 ، 10 ، ص 7 ، 8 .
(36) انظر : تعليق د . حسين حامد حسان ، ص 10 .
(37) انظر التطبيقات المصرفية للتورق ، أحمد محي الدين ، ص 8، 13.
(38) انظر تعليق د . حسين حامد حسان ، ص 11.
(39) انظر تعليق د . حسين حامد حسان ، ص 9.
(40) تطبيقات التورق واستخداماته ، ص 13.
(41) انظر أحكام أهل الذمة ، ص 776
(42) المدونة 3/134 ، وانظر : المنتقى 4/280 ، مواهب الجليل 4/ 393 ، 409 ، منح الجليل 2/588
(43) في بيان حكم البيع قبل القبض انظر : بدائع الصنائع 5/ 108، حاشية الدسوقي
(44) انظر بدائع الصنائع 5/277 ، حاشية الدسوقي 3/123 ، مغنى المحتاج 2/53 ، غاية المنتهى 2/ 27
(45) انظر : بدائع الصنائع 6/28 ، تبين الحقائق 4/270، تحفة المحتاج 5/34 ، الإنصاف ، 13/484 .

فهرس المراجع

أولا : المصادر

1. أحكام أهل الذمة ، ابن القيم ـ تحقيق : صبحي الصالح ـ بيروت : دار العلم للملايين الطبعة الأولى . 1401هـ
2. الأم " مختصر المزني " . محمد بن إدريس الشافعي . بيروت : دار المعرفة للطباعة والنشر .
3. الإنصاف . أبو الحسن المرداوي . تحقيق : عبد الله التركي . مصر : مطبعة هجر . الطبعة الأولى لعام 1415هـ .
4. بدائع الصنائع . علاء الدين أبو بكر بن مسعود الكاساني . بيروت : دار الكتاب العربي ، الطبعة الثانية . 1402هـ .
5. البحر الرائق " بهامشه منحة الخالق " . زين الدين بن إبراهيم بن محمد ، المشهور بابن نجيم . مصر : دار الكتب العربية الكبرى . 1334هـ .
6. بيع التقسيط وأحكامه ، سليمان التركي . الرياض : دار اشبيليا . الطبعة الأولى . 1424هـ .
7. تبيين الحقائق . عثمان بن على الزيلعي . مصر : مطبعة بولاق . الطبعة الأولى . 1313هـ .
8. تحفة المحتاج . ابن حجر الهيتمي . بيروت : دار صادر .
9. تهذيب سنن أبي داوود . شمس الدين أبو عبد الله محمد بن قيم الجوزية . تحقيق : محمد حامد الفقى . مصر : مطبعة السنة المحمدية . 1378هـ .
10. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير . محمد بن عرفة الدسوقي . مصر : مطبعة عيسى الحلبي .
11. الدر المختار . محمد علاء الدين الحصكفي . تحقيق : عادل عبد الموجود ، وزميله . بيروت : دار الكتب العلمية . الطبعة الأولى . 1415هـ
12. رد المحتار على الدر المختار محمد أمين ، المشهور بابن عابدين . تحقيق عادل عبد الموجود ، وزميله . بيروت: دار الكتب العلمية . الطبعة الأولى . 1415هـ .
13. روضة الطالبين . يحيى بن شرف النووي . بيروت : المكتب الإسلامي الطبعة الثانية 1405هـ .
14. الربا في المعاملات المصرفية المعاصرة . عبد الله بن محمد السعيدي . الرياض : دار طيبة . الطبعة الأولى . 1420هـ .
15. الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي . أبو منصور الأزهري . تحقيق : محمد جبر الألفي.
16. شرح الخرشي على مختصر خليل . أبو عبد الله محمد بن عبدالله الخرشي . مصر : مطبعة بولاق . 1318هـ .
17. شرح الزركشي على مختصر الخرقي شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي . تحقيق : عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين . الرياض : شركة العبيكان للطباعة والنشر . الطبعة الأولى .
18. شرح صحيح مسلم . محي الدين بن شرف النووي . بيروت : دار الكتب العلمية .
19. شرح منتهى الإرادات . منصور بن يونس البهوتي . بيروت : عالم الكتب .
20. الشرح الكبير . شمس الدين ابن قدامة . تحقيق عبد الله التركي . مصر : مطبعة هجر . الطبعة الأولى لعام 1415هـ .
21. صحيح البخاري " بفتح الباري " . أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن المغيرة البخاري الجعفي . تصحيح : محب الدين الخطيب . المطبعة السلفية .
22. العناية شرح الهداية . أكمل الدين محمد بن محمود البابرتي . مصر : مطبعة بولاق . الطبعة الأولى . 1317هـ .
23. غاية المنتهى . مرعي بن يوسف الكرمي . تحقيق : زهير الشاويش .
24. فتح القدير . محمد بن عبد الواحد ، المشهور بالكامل بن الهمام . مصر : مطبعة بولاق . الطبعة الأولى . 1316هـ .
25. الفتاوي . أحمد بن عبد الحليم الحراني ، المشهور بابن تيمية . جمع وترتيب : عبد الرحمن بن محمد بن قاسم . القاهرة : مطابع إدارة المساحة العسكرية 1404هـ .
26. الفروع . أبو عبد الله محمد بن مفلح . مراجعة : عبد الستار أحمد فراج . دار مصر للطباعة . الطبعة الثانية 1381هـ .
27. كشاف القناع . منصور بن يوسف البهوتي . مراجعة : هلال مصيلحي . بيروت : دار الفكر للطباعة والنشر . 1402هـ .
28. مغنى المحتاج . محمد بن أحمد الشربيني . مصر : مطبعة مصطفى الحلبي . 1377هـ .
29. منح الجليل على مختصر الخليل . أبو عبد الله محمد بن أحمد المالكي ، المشهور بمحمد عليش . مصر : المطبعة الأميرية . 1294هـ .
30. مواهب الجليل . أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الحطاب . مطابع دار الكتاب اللبناني .
31. المبدع في شرح المقنع . أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن مفلح . المكتب الإسلامي : الطبعة الأولى . 1397هـ .
32. المدونة . مالك بن أنس الأصبحي . مصر : مطبعة بولاق . 1294 هـ .
33. المغني . موفق الدين بن قدمة . تحقيق عبد الله التركي . مصر : مطبعة هجر . الطبعة الأولى لعام 1412 هـ .
34. الموسوعة الفقهية الكويت : وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية . مطابع ذات السلاسل . الطبعة الثانية . 1404هـ .
35. نهاية المحتاج . شمس الدين الرملي . المكتبة الإسلامية .
36. النهاية في غريب الحديث والأثر . ابن الأثير . مصر : مطبعة عيسى الحلبي . الطبعة الأولى .
ثانيا : أعمال المؤتمر ، والندوات :
أ ـ مؤتمر دور المؤسسات المصرفية الإسلامية في الاستثمار والتنمية جامعة الشارقة خلال 26 ـ 28 / 2/ 1423هـ .




1. تطبيقات التورق ، واستخداماته في العمل المصرفي الإسلامي . موسى آدم عيسى .
2. التطبيقات المصرفية لعقد التورق ، وآثارها على مسيرة العمل المصرفي الإسلامي . أحمد محي الدين أحمد .
3. التورق المنظم "قراءة نقدية " . سامي السويلم .
4. تعليق على بحوث التورق . حسين حامد حسان .
ب ـ ندوة البركة المصرفية الثالثة والعشرون . مكة المكرمة . خلال 6ـ 7 / 9/1423هـ .
1. التطبيقات المصرفية للتورق ومدى شرعيتها ، ودورها الإيجابي .محمد عبد الغفار الشريف .
2. التطبيقات المصرفية للتورق ومدى شرعيتها ودورها الإيجابي . محمد على القرى .

جزاك الله خيرا فضيلة الدكتور ومتعك الله بالصحة والعافية علي هذا العرض الطيب والشيق لهذا الموضوع واود من فضيلتكم او القائمين علي امر هذا الموقع امدادي بمعلومات عن هذا الموضوع وما يتعلق به لانه اطروحتي لنيل درجة التخصص الماجستير من كلية الشريعة جامعة الازهر وجزاكم الله خيرا وساكون ممنونا لكم بهذا الفضل<br>

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله: أما بعد: فإني أثمن للعلماء دورهم في بيان الحق، وحتى لا أطيل، أقول: ورد في مقالكم -فيما يتعلق بتحصيل الدراهم- قولكم: أو أن يكون دراهم بسلعة محللة هي واسطة بين دراهم نقدا ، يقابلها دراهم أكثر منها مؤجلة ، وهذه هي العينة الثانية ، وهي من ذرائع الربا الممنوعة عند الفقهاء عدا الشافعي ، وقد تقدم . ج/ أو أن يكون دراهم بسلعة مقصودة بعقد بيع صحيح ، فيكون ثمنها نوع انتفاع بها ، وليس من قبيل دراهم بدراهم ، وهذه التورق . وتعليقي هو حول وصف السلعة المشتراة، فمرة وصفت أنها محللة ومرة أخرى أنها مقصودة، أقول أنه وصف شكلي لا جوهري ولو أن إنسانا قصد الربا في قلبه وعقد على سلعة ليحتال على الربا، ثم سألته هل هذه السلعة محللة أم مقصودة، فقال أنها مقصودة وليس تحايلا فهل يقلب قولُه الحرامَ إلى حلال؟! دمتم ذخرا لهذه الأمة والسلام
14 + 1 =