دفع التعارض بين حديث أم سلمة وعائشة في عدم أخذ الشعر لمن أراد أن يضحي
1 ذو الحجه 1436
عبد الرحمن بن صالح السديس

الحمد لله، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، أما بعد فقد روى مسلم (1977) وغيره من حديث أم سلمة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي، فليمسك عن شعره وأظفاره». وروى البخاري (1696)، ومسلم (1321) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «فتلت قلائد بدن النبي صلى الله عليه وسلم بيدي، ثم قلدها وأشعرها وأهداها، فما حرم عليه شيء كان أحل له». فاختلف أهل العلم في الجمع بينهما، على مذاهب.. وليس من غرضي هنا سردها ولا توجيهها..، فقد كتب الناس في ذلك قديمًا وحديثًا. وقد أكثر المعاصرون من الكتابة في هذه المسألة، ورأيت من بعضهم تهوينًا للقول بالمنع ومعارضته بأنواع ضعيفة من المعارضات.. وقد كان الإمام أحمد سأل الإمام عبدالرحمن بن مهدي والإمام يحيى القطان عن هذا الإشكال، فقال: «ذكرت لعبد الرحمن بن مهدي حديث أم سلمة وحديث عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث الهدي لم يحرم عليه شيء؟ فبقي ساكتا ولم يجب. وذكرته ليحيى بن سعيد فقال: ذاك له وجه وهذا له وجه، وحديث أم سلمة لمن أراد أن يضحي بالمصر، وحديث عائشة لمن بعث بهديه وأقام». قال أحمد: وهكذا أقول، حديث عائشة هو على المقيم الذي يرسل بهديه ولا يريد أن يضحي بعد ذلك الهدي الذي بعث به، فإن أراد أن يضحي لم يأخذ من شعره شيئا ولا من أظفاره، على أن حديث أم سلمة هو عندي على كل من أراد أن يضحي في مصره. حكى ذلك كله عنه الأثرم». اهـ من كتاب «الاستذكار» 11/187. وفي مسائل صالح بن أحمد بن حنبل لأبيه1/450: «قال أبي سألت يحيى بن سعيد القطان عن حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث بالهدي ولا يجتنب ما يجتنبه المحرم وعن حديث أم سلمة إذا أراد أحدكم أن يضحي فلا يمسن من شعره ولا من بشره؟ فقال يحيى بن سعيد: لهذا وجه ولهذا وجه. قال أبي: وسألت عبد الرحمن بن مهدي فسكت». وذكره في 2/262: وذكر يحيى بن سعيد له أمثلة متعددة من الحديث لكل وجه لا يخالف الآخر، وقال يحيى في آخره: «ولا تضرب الأحاديث بعضها ببعض يعطى كل حديث وجهه». والواجب عن التعارض هو الجمع بين النصوص ما أمكن، وهو هنا ممكن بلا تعسف إن شاء الله. وينبغي أن يعلم أن حديث عائشة رضي الله عنها له سبب، وهو أن بعض الصحابة كان يرى أن من بعث الهدي فإنه يكون له حكم المحرم؛ كابن عمر وابن عباس}= فكان كلامها ردًا على ذلك. فقد روى البخاري (1700)، ومسلم (1321): عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمن، أنها أخبرته أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة رضي الله عنها إن عبد الله بن عباس { قال: من أهدى هديًا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه، قالت عمرة: فقالت عائشة رضي الله عنها: ليس كما قال ابن عباس، «أنا فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، ثم قلدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه، ثم بعث بها مع أبي، فلم يحرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء أحله الله له حتى نحر الهدي». هذا لفظ البخاري، وعند مسلم: «وقد بعثت بهديي، فاكتبي إلي بأمرك». وفي البخاري (5566) أيضًا عن الشعبي عن مسروق: أنه أتى عائشة، فقال لها: يا أم المؤمنين، إن رجلًا يبعث بالهدي إلى الكعبة ويجلس في المصر، فيوصي أن تُقلَّد بدنته، فلا يزال من ذلك اليوم محرمًا حتى يحل الناس، قال: فسمعت تصفيقها من وراء الحجاب، فقالت: «لقد كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيبعث هديه إلى الكعبة، فما يحرم عليه مما حل للرجال من أهله، حتى يرجع الناس». وروى مسلم (1321) عن القاسم، عن أم المؤمنين، قالت: «أنا فتلت تلك القلائد من عِهنٍ كان عندنا، فأصبح فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حلالًا، يأتي ما يأتي الحلال من أهله، أو يأتي ما يأتي الرجل من أهله». فكلامها وحكايتها رضي الله عنها لهذا الحديث ردٌ عليهم، وقد رواه عنها جمع، بألفاظ مختلفة بعضها مفصلة وبعضها مجملة، وأنت ترى نصها هنا على كونه حلالًا، وعلى أنه لم يحرم عليه شيء حل للرجل من أهله.. فإما أن يكون اللفظ العام الذي روي عنها وهو أنه «لم يحرم عليه شيء» وأشباهه - تريد به من أهله، كما بينته الروايات الأخرى «فما يحرم عليه مما حل للرجال من أهله». - أو هو من اختلاف الناقلين وروايتهم بالمعنى. - أو يكون شيء قالته من عندها تفقهًا وجعلته عامًا، حين رأته لم يمتنع عن النساء والطيب كعادته صلى الله عليه وسلم. فهذه حكاية فعل، وفيها اختلاف في النقل، واحتمال لكونها قيلت تفقهًا، وما كان كذلك فلا يقوى على معارضة نص حديث أم سلمة؛ فهو قولي، خاص. وكذلك لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم لينهى الناس عن شيء ويخالفهم إلى ما ينهاهم عنه، فهو أتقاهم لله. ومما ينبغي التفطن له: أن حكاية عائشة رضي الله عنها هذه لم تكن إلا في عام واحد فقط، وهو عام تسع للهجرة، العام الذي حج الصديق بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وبعث معه الهدي. قال البخاري: «باب حج أبي بكر بالناس في سنة تسع»، وروى هو (4363)، ومسلم (1347) عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه بعثه، في الحجة التي أمَّره النبي صلى الله عليه وسلم عليها قبل حجة الوداع، يوم النحر في رهط يؤذن في الناس: «لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان». فهي رضي الله عنها تحكي مشاهدة عام واحد، وهذا العام الذي بُعث فيه الصديق وفَتلتْ فيه عائشة قلائد الهدي لم يكن شهر ذي الحجة قد دخل، وإنما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة، فلو سلِّم بأنها رأته يأخذ من شعره وأظفاره فيحمل على أنه كان في ذي القعدة. بل إن حجة أبي بكر رضي الله عنه تلك كلها قد قيل إنها كانت قبل ذي الحجة، فقد روى عبد الرزاق في «تفسيره» 2/ 149، وابن سعد في «الطبقات» 2/186 ـ واللفظ له ـ عن مجاهد قال: حج أبو بكر، ونادى علي بالأذان في ذي القعدة، قال: فكانت الجاهلية يحجون في كل شهر من شهور السنة عامين فوافق حج نبي الله صلى الله عليه وسلم في ذي الحجة فقال: «هذا يوم استدار الزمان كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض». صححه ابن حجر في فتح الباري 8/82. يعني الحديث الذي في البخاري (4406)، ومسلم (1679) عن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم: ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر، الذي بين جمادى وشعبان، أي شهر هذا؟»، قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس ذو الحجة»، قلنا: بلى.. الحديث. وقد أحسن العلامة ابن القيم في «تهذيب السنن» 4/96 في الكلام على هذين الحديثين والتوفيق بينهما؛ فينظر كلامه هناك. وما أحسن قوله هناك: «وأسعد الناس بهذا الحديث من قال بظاهره؛ لصحته، وعدم ما يعارضه».

6 + 0 =