إطعام غير المسلم في نهار رمضان
3 رمضان 1435
سليمان الماجد

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد. فإن هذا السؤال أحد الإشكالات المتعلقة بغير المسلم، وهي حكم إعانته على ما هو محرم في شريعتنا. اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين مشهورين: الأول: المنع من إعانة الكافر على أي محرم كمنع إعانة المسلم على المحرم ؛ كتقديم الطعام له في نهار رمضان، أو إعطاء الذكر ثوبَ حرير ، مع علمنا أنه يلبسه ، أو كبيعه حيوانا مأكولا مع علمنا أنه لا يذكيه الذكاة الشرعية. واستدلوا لذلك بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وبما لا تصح إلا به وهو الإسلام؛ أي أنه آثم مؤاخذ بترك الإسلام، وهو آثم بعدم التزام فروعه من فعل الواجبات، وترك المحرمات، وبنوا على كونه مخاطبا بها أنه كالمسلم ؛ فتحرم إعانته على محرم. وإلى القول أنهم مخاطبون بالفروع ذهب جماهير العلماء، وأدلتهم معلومة مفصلة في كتب الأصول والفروع. ومن أظهر الأدلة في ذلك: قوله تعالى : "ما سلككم سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين". وقوله تعالى : "إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين" . فكان سبب عذابهم تركهم لهذه الفروع ؛ من الصلاة والزكاة. ومنها قوله صلى الله عليه وسلم :"من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أُخذ بالأول والآخر" رواه البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود. فقد دل هذا الحديث على مؤاخذته على السيئات حال كفره. وقوله صلى الله عليه وسلم : "إذا أسلم الكافر فحسن إسلامه كتب الله تعالى بكل حسنة كان زلفها، ومحا عنه كل سيئة كان زلفها، وكان عليه بعد الحسنة بعشر أمثالها أو لسبعمائة ضعف، والسيئة مثلها إلا أن يجاوز الله عنه" رواه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري. وفي هذا الخبر ما يدل على كتابة سيئات الكافر. والقول الثاني: لا يُمنع المسلم من إعانته على شيء من ذلك. وهذا قول الحنفية. والقائلون بهذا القول بنوه على أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة ؛ فيكونون في الفروع كغير المكلفين. أقول : لو صح أن المسألة مبنية على هذا الأصل لكان دليلا قاطعا لتصحيح هذا القول. لكن الصحيح هو قولُ الجمهور ؛ وأنهم مخاطبون بفروع الشريعة. ولكن مخاطبتهم بالفروع لا تصلح دليلا للمنع المطلق من إعانته كل ما يحرم على مسلم ؛ بل يحتاج الأمر إلى تفصيل ؛ فإن الأفعال المحرمة على المسلم والكافر بمقتضى خطاب الشريعة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول : ما نُهينا عن ملابسته أو حيازته من كل وجه ؛ كصنع الصلبان ، ونقلها ، وحيازة الخنزير والخمر ؛ ولو لتخليلها ــــ على قول الجماهير ـــــ ، أو إعانة الكافر بما يُتوصل به إلى أذية معصوم. والقسم الثاني : ما كان مباحا في نفسه للمسلم ، وتحرم إعانة مسلمٍ آخر عليه ؛ سدا للذريعة ؛ فهل تحرم لو كانت تلك الإعانة لكافر؟ وذلك كإعطاء الكافر ثوب الحرير ليلبسه ، أو إعطائه الطعام في نهار رمضان ليأكله، ونحوها مما لا تحرم حيازته على مسلم؟ والقسم الثالث : ما فعله الكافر أو حازه من المحرمات العينية ، ولكن الذي تعلق به فعل المسلم هو قبض ما نتح عنه من ثمن ؛ كما لو باع الكافر خمرا أو خنزيرا أمام مسلم ثم أهدى الكافرُ له ذلك الثمن ، وكأخذ الجزية من الذمي من الخمر والخنزير أثمانا لا أعيانا. فهذا الثمن مما يحرم على المسلم أخذه لو كان فاعله أو بائعه مسلما ؛ فهل يحرم ذلك عليه لو كان البائع كافرا؟ فأما القسم الأول: فهو ظاهرٌ في حرمته على المسلم ؛ وذلك لأن المنع تعلق بفعل المسلم نفسه ، ولا تأثير لمن نتعامل معهم في ذلك ؛ كفارا كانوا أو مسلمين. وأما القسم الثاني: وهو ما حرم على المسلم سدا للذريعة ؛ فهذا لا يحرم على المسلم ولو علمنا أن الكافر يستعمله على الوجه المحرم ؛ كتقديم الطعام له في نهار رمضان ، وكإعطائه ثوب الحرير ليلبسه: وقد دل على جواز القسم الثاني أدلة: الدليل الأول: ما رواه البخاري في "الصحيح" (3/163) ومسلم في "الصحيح" (3/1638) أنه جاءت رسول الله حلل من حرير ، فأعطى عمر منها حلة وقال له : "إني لم أكسكها لتلبسها" ، فكساها عمر بن الخطاب أخا له بمكة مشركا. وقد تأول بعض العلماء ذلك بأنه أهداها إياه لا ليلبسها ؛ وإنما لينتفع بها على أي وجه مباح. وفي هذا نظر ؛ لأن عمر رضي الله عنه حين عدل بها إلى كافر في مقابل منعه منها ؛ مع عدم ما يمنع أخاه الكافر من لبسها = فهو دليل على أن عمر فهم جواز ذلك له حتى مع علمه أنه يلبسها ، وهكذا كل من رواه من السلف وسكت عنه. قال العراقي في "طرح التثريب" (3/237) تأكيدا لصحة هذا الدليل ، وجوابا عن ذلك التأول : (.. قد يقال: إهداء الحرير للمسلم لا يلزم منه لبسه له ؛ لما عنده من الوازع الشرعي ، بخلاف الكافر فإن كفره يحمله على لبسه فليس عنده من اعتقاد تحريمه ما يكفه عن ذلك ؛ فلولا إباحة لبسه له لما أُعين على تلك المعصية بإهدائه له، وينبغي أن يقال فيما إذا كان المسلم فاسقا متهاونا بأمر الدين يعتاد لبس الحرير بحيث يلزم من إهدائه له لبسه بحسب العادة = يحرم إهداؤه له ؛ لما في ذلك من إعانته على المعصية ؛ كما رجح النووي من أصحابنا في بيع العصير ممن يتخذه خمرا إذا تحقق ذلك أنه يحرم.. ) أهـ. وهذا الوجه من الاستدلال من هذا الحديث هو ما رجحه ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (22/143ـ 144) بعد أن قرر حرمة الحرير على الذكور كبارا وصغارا قال: (..وما حرم لبسه لم تحل صنعته ، ولا بيعه لمن يلبسه من أهل التحريم ، ولا فرق في ذلك بين الجند وغيرهم ؛ فلا يحل للرجل أن يكتسب بأن يخيط الحرير لمن يحرم عليه لبسه ؛ فإن ذلك إعانة على الإثم والعدوان، وهو مثل الإعانة على الفواحش ونحوها، وكذلك لا يباع الحرير لرجل يلبسه من أهل التحريم، وأما بيع الحرير للنساء فيجوز، وكذلك إذا بيع لكافر؛ فإن عمر بن الخطاب أرسل بحرير أعطاه إياه النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل مشرك) أهـ. الدليل الثاني: ظاهر هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وطريقة السلف ؛ حيث كانوا ينفقون على زوجاتهم الكتابيات، ويخالطهم الزوجات والخدم والرقيق والضيوف والأجراء من غير المسلمين، ومن الضرورة أن يحتاج هؤلاء مأكلا ومشربا، وأن مهمة إطعامهم تعود إلى الأسياد والأزواج وأرباب العمل بالمباشرة أو التسبب ، ولو كان المنع من إعانتهم على الأكل في نهار رمضان، أو على ملابستهم للمحرمات حكما مستقرا عندهم لنُقل إلينا؛ لاسيما وأن امتناع أولئك الأسياد والأزواج عن ذلك سببٌ للعنت ، وهو مما يكثر ، وتتوافر الهمم والدواعي على نقله ؛ فدل عدم النقل على أن تعاملهم معهم في نهار رمضان كتعاملهم في غيره. ونظير ذلك جواز بيع التاجر المسلم الطعام عليهم في رمضان رغم غلبة الظن بكونهم يأكلونه في نهاره، ولو ثبت هذا لمسلم لم يجز بيعه ؛ سدا للذريعة ، ومنعا للإعانة على الإثم والعدوان . الدليل الثالث: إذن النبي صلى الله عليه وسلم لبعض الكفار بالمكث في المسجد رغم كونهم على جنابة ؛ حيث لا يصح منهم غسل ، لكن لم يسر هذا الحكم بسبب مانع كفرهم . وأما القسم الثالث : وهو ما نتج عن محرم حازه كافر ؛ كتملك المسلم مالا بمعاوضة مع كافر لكن هذا العوض نتج عند الكافر من خمر أو خنزير ؛ فلا يحرم على المسلم أخذ هذا المال. ودليل إباحته ما ثبت من أخذ الجزية والعشور والخراج من أثمان الخمور والخنازير، ونحوها من المحرمات. فقد روى القاسم بن سلام في "الأموال" (1/62) بسنده أن بلالا قال لعمر بن الخطاب: إن عمالك يأخذون الخمر والخنازير في الخراج فقال: لا تأخذوا منهم، ولكن ولوهم بيعها، وخذوا أنتم من الثمن. وجود أحمد إسناده كما في "المغني" (9/349) ، وقال ابن تيمية في "جامع الرسائل" (4/381) : (..وهذا ثابت عن عمر رضي الله عنه، وهو مذهب الأئمة) أهـ . أقول : ولو كان هذا في حق مسلم؛ كالزكاة والضرائب المباحة لم يجز أن تؤخذ من مالٍ حرام. الراجح: فعليه فإن الراجح هو جاز أن يفعل المسلم مباحا ولو علمنا أنه يؤدي إلى فعل محرم من الكافر ، عدا ما استثنيته في القسم الأول . هذا وإن دلالة أثر عمر في أخذ العشور من أثمان الخمور والخنازير = كحديثه في قصة ثوب الحرير ، والجامع بينهما عدم مباشرة المسلم للمحرم عينا ، ولا يأثم إذا كان ما فعله سببا أو نتيجة . * * * * فثبت بهذا أن لتعامل المسلم مع الكافر خصائص لا تشابه أحكام تعامله مع المسلم، لأن كفره يُعتبر مانعا من تصحيح تكليفه ظاهرا فيما يتعامل فيه مع المسلم ، وهذا كله لا يتعارض مع أصل خطابه باطنا بالفروع والأصول ؛ أي ما بينه وبين الله . قال زكريا الأنصاري في "أسنى المطالب" (1/121) : (فالكافر الأصلي مخاطب بها خطاب عقاب عليها في الآخرة ؛ لتمكنه من فعلها بالإسلام ؛ لا خطاب مطالبة بها في الدنيا ؛ لعدم صحتها منه) أهـ . وقال الثعالبي في "الجواهر" (5/478) في تفسيره لقوله تعالى : "ولا يحض على طعام المسكين (34) فليس له اليوم هاهنا حميم" : (.. دلت الآية على أن الكفار يعاقبون على ترك الصلاة والزكاة، وهو المراد من قولنا: إنهم مخاطبون بفروع الشريعة) أهـ. وقال الزركشي في "البحر المحيط" (3/140) (.. وفائدة الخطاب زيادة عقوبتهم في الآخرة) أهـ . * * * * كما ظهر أن من اعتمد أصل "مخاطبتهم بالفروع" في المنع من معاملة المسلم لهم في تلك المحرمات لا بد أن يضطرب؛ حيث تراه لا يُـجري جميع أحكام المسلم على الكافر ؛ فتراه يقول بالمنع في مسائل دون أخرى دون بيان دليل على الفرق بين ما أجازه وبين ما منعه ؛ فإين جعل "المخاطبة" قاعدة وفرقا؟ وقد لحظ العلامةُ الشَّبْرَامَلِّسِيُّ هذا الاضطراب في تأصيل المسألة في حاشيته على "نهاية المحتاج" (3/472) حين قرر الرملي صاحب "النهاية" بأن الفرق بين المنع من إطعام الكافر في نهار رمضان والإذن له بدخول المسجد ( .. أنه يعتقد وجوب الصوم عليه؛ ولكنه أخطأ في تعيين محله، ولا يعتقد حرمة المسجد) فقال صاحب الحاشية: (..قد يشكل على الفرق بما ذكر جعله التحريم مجرد كونه مخاطبا بفروع الشريعة) أهـ. كلام المحشي. أي أن حرمة دخول الجنب للمسجد من فروع الشريعة؛ فلما لم يعتبره مخاطبا بها؟ ولماذا لجأ إلى فرق جديد وهو اعتقادهم التحريم وعدمه؛ فلم تعد المخاطبة فرقا، وإنما وقع في هذا بسبب فساد بناء المسألة على قاعدة المخاطبة. ومن مظاهر هذ الاضطراب إجازة المانعين ترك هؤلاء الكفار للوصول إلى المحرمات ، وأن المسلم لا يأثم بذلك ؛ كترك غرفة الطعام مفتوحة مع القدرة على إغلاقها لمنعه من المعصية ، وهذا لو كان في حق مسلم لوجب منعه من سبب المعصية ، ولم يذكروا قاعدة تفرق بين الأمرين. قال الزركشي في "البحر المحيط" (3/140) : (.. وظهر بما ذكرنا أن الخلاف نشأ في هذه الفروع من كونه غير ملتزم لأحكام المسلمين لا من أنه مخاطب أو لا) أهـ. * * * * وأما اعتبار اعتقادهم بالإباحة أو المنع مؤثرا في الحكم فليس بناء صحيحا ؛ لعدم الدليل عليه ؛ كما يلزم منه وجوب تعلم أحكام ديانتهم، وفيه نظر. * * * * هذا وإن شرع ذلك من جملة محاسن الشريعة إذْ إن اختلاطهم بالمسلمين ينتج عنه علاقات مالية واجتماعية واسعة ؛ فلو أجريت عليهم الأحكام ظاهرا لأدى ذلك إلى حصول الحرج للمسلم في التعامل مع أشخاص لا يخضعون للشريعة ولا يدينون بها؛ كما يؤدي إلى تنفير الكفار من الدخول في الإسلام بسبب تحميلهم تكاليف لم يؤمنوا بها. وفي نحو هذا المعنى يقول عز الدين ابن عبدالسلام في "المستثنيات من القواعد" في المثال السابع والعشرون من كتابه "القواعد" (2/193) : (من أتلف شيئا عمدا بغير حق لزمه الضمان جبرا لما فات من الحق، ويستثنى من ذلك ... ما أتلفه الكفار على المسلمين من النفوس والأموال؛ فإنهم لا يُضَمَّنون؛ لما في تضمينه من التنفير عن الإسلام، وإتلافهم إياه محرم لأنهم مخاطبون بفروع الإسلام)أهـ. وهو يعني هنا ما نتج عن العمل العسكري مع الحربيين ؛ لا المسائل المدنية ولا العسكرية لرعايا الدولة المسلم من الكفار ؛ لخضوعهم في الدولة الإسلامية لسلطان الشريعة. فقد جمع بين القول بمخاطبتهم وسقوط الضمان عنهم، وبيان حكمة الشريعة في ذلك. والله أعلم.

1 + 2 =