تدوين الراجح من أقوال الفقهاء لإلزام القضاة العمل به
12 ربيع الأول 1436
هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، والتابعين لهم بإحسان السالكين لمنهجهم القويم .
وبعد : فبناء على أمر جلالة الملك - وفقه الله - بالنظر من قبل هيئة كبار العلماء في أمر جواز تدوين الراجح من أقوال الفقهاء لإلزام القضاة العمل به .
وقبل الدخول في صلب البحث وتقرير ما هو الحق الذي تشهد به قواعد الشريعة وعليه عمل السلف رحمهم الله نقول :
أولا : إنه مما لا شك فيه لدى كل عارف أن إمام المسلمين وفقه الله وثبته على الحق ونصره به - لم يكن له من هدف في هذا الأمر سوى الخير والحرص على جلب المصالح وتكثيرها ، ودرء المفاسد وتقليلها ، ولما بلغه - حفظه الله - أن فيما يصدر من بعض القضاة ما يلفت النظر ، ويدعو إلى البحث من صدور أحكام قد يظن بعض الناس أنها متناقضة ، مع أن قضاياها متماثلة ، وهي في الحقيقة ليست كذلك ، كما قد يدعو إلى اتهام القضاة باتباع الهوى ، أو رميهم بالقصور في تطبيق أحكام الشريعة على ما يرفع لهم من القضايا ، وأن ذلك ربما كان من أجل عدم وجود كتاب على قول واحد يحكم به القضاة ويتعرف الناس منه أحكام المعاملات ؛ ليوفقوا بينها وبين أعمالهم عند الإقدام على عمل ما حتى لا يقعوا فيما يعرضهم للحكم عليهم عند حدوث ترافع قضائي ، وأنه قد يدعو إلى تهرب بعض الناس من رفع قضاياهم للمحاكم الشرعية في المملكة والذهاب بها لمحاكم في دول أجنبية.
من أجل هذا ، وحرصا من جلالة الملك - وفقه الله - على صيانة الشريعة وبقاء الحكم بها بين الناس أمر - حفظه الله - بعرض موضوع التدوين المشار إليه لإلزام القضاة والحكم به على هيئة كبار العلماء ؛ ليبينوا حكم الشريعة في جواز ذلك أو عدمه.
ثانيا : يحسن أن نذكر شيئا مما من الله به على هذه البلاد من باب التحدث بنعمة الله التي غمرنا بها - فنقول : إنه غير خاف على أحد من أهل المعرفة ما كانت عليه بلادنا قبل تأسيس هذه الدولة المباركة من الفوضى والاضطراب ، واللصوصية المغرقة ، والخوف المتفاقم والفرقة المتمكنة ، حتى هيأ الله سليل بيت المجد والسؤدد : الملك عبد العزيز - رحمه الله - فقام بلم شعثها ، وجمع شملها المتفرق ، وبناء كيانها على أساس من منهج السلف الصالح الذي ورثه عن آبائه الكرام حماة الدعوة السلفية ، وبناة حصونها في هذه البلاد ، وهذه الدعوة وهي الدعوة التي دعا إليها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - فضرب الأمن في ربوع الجزيرة أطنابه بعد أن كان مفقودا ، وانتشر العدل بين الناس ، وأمنوا على أنفسهم وأموالهم ، واتصلوا بالعالم الخارجي اتصالا واسعا ، وعرفت حال البلاد عند سائر الدول، وتعامل أهلها مع أولئك منذ مدة طويلة والبلاد في تقدم مستمر ولله الحمد ، لم يضرها بقاؤها في منهاج القضاء على ما كان عليه السلف الصالح - رحمهم الله وفهم نظامها القضائي لدى سائر أمم الأرض المتحضرة ، واشتهر الأمن فيها حتى صار مضرب المثل ومثار العجب عند كل مصنف ، رغم اتساع رقعة البلاد وعدم تعلم غالبية أهلها ، وما ذاك إلا بفضل الله سبحانه ، ثم بفضل تمسك هذه الدولة بشريعة الإسلام وسيرها على محجة سلف الأمة الذين نشروا الإسلام وساسوا العباد بالعدل وحكموا فيهم الشرع ، وفوضوا إلى قضاتهم الحكم بما فهموه من كتاب الله تعالى ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وما استنبطه العلماء منها فصلحت بذلك أحوالهم ، واستقامت أمورهم ، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها . وقد اشتهرت نزاهة القضاء في بلادنا ولله الحمد ، وعدالته وبساطته ، ومسايرته للفطرة ، وتمشيه مع مقتضى المصلحة الحقة ، حتى صار معلوما عند الموافق والمخالف ، ولا يسعنا إزاء هذه النعمة العظيمة التي من الله علينا بالتمسك بها حين تخلى عنها الأكثرون إلا أن نشكره جل وعلا ، ونسأله أن يثبتنا على ما نحن عليه من الحق ، ويرزقنا الإعانة والتوفيق.
ثالثا : نظرت الهيئة في الموضوع ، فرأت أن دواعي الإصلاح قائمة ، وأنه لا بد من إيجاد حل للمشكلة ، وإصلاح لما تخشى عواقبه ، غير أن الهيئة بأكثريتها ترى : أنه لا يجوز تدوين الأحكام على الوجه المقترح لإلزام القضاة الحكم به ؛ لأنه ليس طريقا للإصلاح ، ولا يحل المشكلة ، ولا يقضي على الخلاف في الأحكام ، أو على ظنون بعض الناس في القضاة ما دام هناك محكوم عليه ، لأن اتهام القاضي في حكمه لم يسلم منه أحد حتى خير الخلق صلى الله عليه وسلم ، فقد قال له بعض الناس : اعدل ، فإنك لم تعدل ، وفي رواية : إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله . ومع ذلك فإن التدوين المراد يفضي إلى ما لا تحمد عاقبته ؛ وذلك لأمور :
1 - إن إلزام القضاة أن يحكموا بما اختير لهم مما يسمى بالقول الراجح عند من اختاره يقتضي أن يحكم القاضي بخلاف ما يعتقد ، ولو في بعض المسائل ، وهذا غير جائز ، ومخالف لما جرى عليه العمل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وخلفائه الراشدين ، ومن بعدهم السلف الصالح ، ويسبب التحول عن سبيلهم ، ولقد سبق أن وجدت هذه الفكرة في خلافة بني العباس ، وعرضها أبو جعفر المنصور على الإمام مالك رضي الله عنه فردها وبين فسادها ، فهي فكرة مرفوضة لدى السلف ، ولا خير في شئ اعتبر في عهد السلف من المحدثات.
2 - إن إلزام القضاة أن يحكموا بما يدعى أنه القول الراجح فيه حجر عليهم ، وفصل لهم في قضائهم عن الكتاب والسنة وعن التراث الفقهي الإسلامي ، وتعطيل لهذه الثروة التي هي خير تراث ورثناه عن السلف الصالح ، وفي ذلك أيضا مخالفة صريحة لما دل عليه كتاب الله تعالى من وجوب الرجوع فيما اختلف فيه من الأحكام إلى الكتاب والسنة ، وإن عدم الرد إليهما عند الاختلاف ينافي الإيمان بالله تعالى ، قال سبحانه : { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } (سورة النساء الآية 59)
3 - إن الإلزام بما يدون يفضي إلى نفس النتيجة التي وصل إليها من سبقنا إلى هذه التجربة من الدول الإسلامية المتأخرة ، فقد جربوا هذا التقنين ، وألزموا القضاة العمل به ، فلم يأتهم بخير ، ولم يرفع اختلاف القضاة في الأحكام ، وإنما أدى بهم إلى الحكم بالقوانين الوضعية فيما عدا الأحوال الشخصية ، وبعض العقوبات ؛ فسدا لذريعة الفساد ، ومحافظة على البقاء في التحاكم إلى شريعة الله ، وإبقاء على إظهار شعار أمتنا الإسلامية - يجب علينا أن نفكر في طريق آخر للإصلاح سليم من العواقب الوخيمة.
4 - إن إيجاد كتاب يشتمل على قول واحد هو الراجح في نظر من اختاره يكون موحد الأرقام مسلسل المواد - لا يمكن أن يقضي على الخلاف ، ويوجد الاتفاق في الأحكام في كل القضايا ؛ لاختلاف القضاة في مداركهم وفي فهم المواد العلمية ، ومدى انطباقها على القضايا التي ترفع لهم ، ولاختلاف ظروف القضايا وما يحيط بها من أمارات ، ويحف بها من أحوال - فقد اختلف الناس في مدلول بعض النصوص الشرعية من الكتاب والسنة مع وضوحها وجلائها ، وعلم مصدرها الذي ليس علمه كعلم من يختار القول الراجح المراد.
5 - المحاكم المدنية في الدول التي تحكم بالقوانين الوضعية دونت قوانينها على هيئة مواد موحدة ، مسلسلة الأرقام ، ومع ذلك اختلفت أحكام قضاتها ، ووقع في بعضها التناقض والخطأ ، واستؤنفت بعض الأحكام ، فنقض في محاكم الاستئناف ، فلم يكن ذلك التنظيم والإلزام به مانعا من الخطأ والتناقض ، واتهام القضاة ، ونقض الأحكام ما دام القضاة متفاوتين في الأفكار والأفهام ، وبعد النظر والقدرة على تطبيق الأحكام على القضايا والوقائع.
6 - لا يصلح للتخلص من الآثار السيئة التي ترتبت على إلزام القضاة بما يدون لهم - إعطاؤهم حق الرفع فيما يخالف فيه اعتقادهم ما دون إلى مرجعهم ، فإن ذلك يعود إلى التواكل ، وتدافع القضايا والتهرب من المسئولية ، وتعويق المعاملات ، وتكديسها ، وفتح باب الاحتيال للتخلص من بعض القضايا ؛ لأمر ما ، ولا يعدم من أراد ذلك أن يجد في وجهة نظر المخالفين لما دون ما يسند رأيه ؛ لأن الرجحان أمر نسبي مختلف فيه ، ولكل قول وجهته.
7 - الواقع يشهد بأن معرفة الخصوم لما يرجع إليه القاضي تفصيلا ليس بضروري ، ولا شرط لقبول حكم القاضي ، ولا نفاذه لا من جهة الشرع ولا من جهة القانون ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يحكمون بين الناس في الخصومات ، ولم يكن الفقه مدونا وكثير من المتخاصمين لا يحفظ القرآن كله ، ولا كثيرا من السنة ، وإنما يعرفون إجمالا : أن القاضي سيحكم فيما يرفع إليه من القضايا مما فهمه من الكتاب والسنة ، كما أن الدول التي تحكم بقوانين وضعية لا يعرف السواد الأعظم فيها ما يرجع إليه القضاة من القوانين ؛ ولذلك يقيمون المحامين ليرافعوا عنهم في قضاياهم ، فلم يكن تدوين الأحكام على النهج المقترح ليوافق المتحاكمون أعمالهم معها ضروريا ، ومع ذلك فالأحكام الشرعية مدونة ، ومن أرادها أمكنه الوصول إليها ومعرفتها ، ومع معرفته لها فإنه لا يأمن أن يخالفه القاضي في فهمها وتطبيقها على قضيته ، سواء في ذلك من يرجع في تحاكمه إلى الشرع ومن يرجع إلى القانون الوضعي ؛ لأن الأحكام لو دونت لا يكون فيها ذكر جميع الجزئيات من القضايا ، وإنما يجتهد كل قاض في تطبيق النص على القضية التي ترفع إليه.
فيما سبق ذكره وغيره مما لم يذكر من الآثار السيئة التي تنشأ عن إلزام القضاة الحكم بما يختار لهم - يجب التماس طريق آخر لعلاج الوضع.
وحل المشكلة وهو ما يلي :
1 - إعداد القضاة ، والعناية بهم ، وتأهيلهم علميا ، وتدريبهم عمليا على أعمال القضاء ، ولو بدورات دراسية وتدريبية لمن يحتاج لذلك ممن على رأس العمل.
2 - تقليل المحاكم وتركيزها في المدن وعواصم المناطق ، ويكتفى بتعيين متعلمين في القرى ؛ ليقوموا بشئون المساجد ، وعقود الأنكحة ، والوعظ والإرشاد ، وكتابة الوثائق ، وتلقي استخلافات القضاة ونحو ذلك ، ويساعد على هذا سهولة المواصلات اليوم ووجود مرافق في المدن يستريح فيها الغريب ، ويرتفق بها ، ولو أقام أياما ، ويسهل ذلك على القضاة في المدن الاجتماع لدراسة القضايا وهضمها ، ويمنع من الترافع في الأمور التافهة البسيطة ، ويدعوا إلى الصلح بين الناس ، وهو أنفع من التمادي في الخصومات حتى البت في القضايا.
3 - حسن اختيار القضاة بمراعاة ما تحلوا به من قوة في العلم ، ورجاحة في العقل ، مع حلم وأناة ، وبعد نظر ، وصدق وأمانة ، وابتعاد عن مظان الريبة . . إلى غير ذلك من الصفات التي ينبغي أن تتوفر في القاضي، وسيساعد على سهولة الاختيار الاقتصار على تركيز المحاكم في المدن ، كما أشرنا إليه سابقا.
4 - تأليف لجنة من العلماء ؛ لبحث المسائل القضائية الهامة التي ربما يشتبه الحكم فيها على بعض القضاة ، فتبين بالأدلة وجه الحكم فيها ، وتوضح تطبيقها بأمثلة ، خاصة القضايا التي حدثت في عصرنا ، وليس هذا لإلزام القضاة بما انتهى إليه البحث ، بل ليكون عونا لهم في القيام بمهمتهم ، ونموذجا لهم في دراسة القضايا وحل مشكلها ، والدقة في تطبيق الأحكام فيها ، فبذلك تضيق شقة الخلاف ، وتتحقق المصلحة المرجوة.
أما ارتفاع أصل الخلاف فلا سبيل إليه ، ولو توحد المرجع العلمي للقضاة باختيار قول واحد وألزم القضاة الحكم به ؛ لما تقدم بيانه.
ومع ذلك فإن الحكومة - وفقها الله - قد بذلت مجهودا تشكر عليه ، فجعلت محاكم تمييز تدرس الأحكام الصادرة من المحاكم ، وتوجه القضاة فيما تراهم قد قصروا فيه ، وجعلت وراء ذلك هيئة قضائية عليا تدقق الأحكام التي يحصل حولها اختلاف بين القضاة وهيئات التمييز - كل ذلك حرصا من ولي الأمر - وفقه الله - على براءة الذمة ، وإراحة الناس ، وإيصال الحقوق إلى أصحابها.
5 - إن الاختلاف في الأحكام قد وجد في عهد الخلفاء الراشدين والسلف الصالح ، حتى من القاضي الواحد في قضيتين متماثلتين ظهر له في الثانية ما لم يظهر له في الأولى ، فحكم به ، ولم ينقض حكمه السابق ، ولم يكن ذلك داعيا إلى التفكير في مثل التدوين المقترح ، ولا إلزام القضاة لحكم بقول واحد ، وهم كانوا أحرص منا على حفظ الدين ، وعلى سمعته وسمعة المسلمين ما وسعهم ، ولا يجوز أن يكون هذا الاختلاف مثار ريبة وتهمة للقاضي ، فالأصل فيمن يختار للقضاء : أن يكون عالما أمينا على مستوى المسئولية.
6 - مما تقدم يعلم أن العلاج للمشكلة في غير التدوين المذكور الذي لا تؤمن عاقبته ، ونتيجته غير مضمونة ، ويفضي إلى فصل الناس عن مصادر شريعتهم وثروة أسلافهم الفقهية ، كما سبق بيانه ، فتعين سلوك الطريق السليم العاقبة ، المأمون النتيجة ، الذي استقامت عليه حياة الأمة الإسلامية وأحوالها في قرونها السالفة.
ونسأل الله أن يحفظ لأمتنا دينها ، ويتم عليها نعمة الأمن والاستقرار ، ويثبت إمام المسلمين ، ويسدده ويعينه بالبطانة الصالحة ، ويمد في أجله على عمل صالح ، إنه سميع مجيب ، وصلى الله على نبينا محمد ، وآله وصحبه وسلم.
هيئة كبار العلماء
-------------
قرار هيئة كبار العلماء رقم (8)

6 + 1 =