القاعدة الخامسة والأربعون: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)

للاستماع لمحتوى المادة

الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذا مرفأ جديد من مرافئ مركبنا القرآني ليرسو على شاطئ من شواطئ هذه القواعد القرآنية، نتدارس فيها شيئاً من معاني قاعدة قرآنية محكمة، يحتاجها كل مؤمن، وعلى وجه الخصوص من عزم على الإقبال على ربه، وقرع باب التوبة، تلكم هي القاعدة التي دل عليها قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}[هود: 114].

 

وهذه القاعدة هي جزء من آية كريمة في سورة هود، يقول الله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ}[هود: 114]، وهذه الآية الكريمة سبقت بجملة من الأوامر العظيمة للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته، يحسن ذكرها ليتضح الربط بينها، يقول تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ}[هود: 112، 113].

 

ومعنى الآية ـ التي تضمنت هذه القاعدة باختصار ـ: أن الله تعالى يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم ـ وهو خطاب للأمة كلها ـ بأن يقيموا الصلاة طرفي النهار، وساعاتٍ من الليل، ينصب فيها قدميه لله تعالى، ثم ذكر علّلَ هذا الأمر فقال: {إن الحسنات يذهبن السيئات} أي يمحونها ويكفرنها حتى كأنها لم تكن ـ على تفصيل سيأتي بعد قليل إن شاء الله ـ والإشارة بقوله: {ذلك ذكرى للذاكرين} إلى قوله: {فاستقم كما أمرت} وما بعده، وقيل: إلى القرآن، ذكرى للذاكرين: أي موعظة للمتعظين(1).

 

أيها القراء الأفاضل: وكما أن هذه القاعدة صرحت بهذا المعنى، وهو إذهاب الحسنات للسيئات، فقد جاء في السنة ما يوافق هذا اللفظ تقريباً، كما في الحديث الذي رواه الترمذي وحسنّه(2) من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن"(3).

 

أيها الإخوة المؤمنون: إذا تبين معنى هذه القاعدة بإجمال، فليعلم أن إذهاب السيّئات يشمل أمرين:

1 ـ إذهاب وقوعها، وحبها في النفس، وكرهها، بحيث يصير انسياق النّفس إلى ترك السيّئات سَهْلاً وهيّناً كقوله تعالى: { وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ} [الحجرات: 7] ويكون هذا من خصائص الحسنات كلّها.

 

2 ـ ويشمل أيضاً محو إثمها إذا وقعت، ويكون هذا من خصائص الحسنات كلّها، فضلاً من الله على عباده الصالحين"(4).

 

ولقد بحث العلماء ههنا معنى السيئات التي تذهبها الحسنات، والذي يتحرر في الجمع بين أقوالهم أن يقال:

إن كانت الحسنة هي التوبة الصادقة، سواء من الشرك، أو من المعاصي، فإن حسنة التوحيد، والتوبة النصوح لا تبقي سيئة إلا محتها وأذهبتها، قال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا}[الفرقان: 68 - 71].

 

وفي صحيح مسلم من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ـ لما جاءه يبايعه على الإسلام والهجرة ـ: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله؟" (5).

 

وإن كان المراد بالحسنات عموم الأعمال الصالحة كالصلاة والصيام، فإن القرآن والسنة دلّا صراحةً على أن تكفير الحسنات للسيئات مشروط باجتناب الكبائر، قال تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا}[النساء: 31]، وقال عز وجل: {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلاّ اللّمَم}.

 

وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر"(6).

 

أيها الإخوة المؤمنون: إن هذه القاعدة الجليلة: {إنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} والتي جاءت في مساق الحكم الشرعي، جاء معناها في القرآن الكريم على صور منها:

1 ـ في سياق الثناء على أهل الجنة ـ جعلني الله وإياكم من أهلها ـ قال تعالى: {وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} [الرعد: 22].
قال ابن عباس رضي الله عنهما ـ في بيان معناها ـ: يدفعون بالصالحِ من العملِ السيئَ من العمل.
علق البغوي على كلمة ابن عباس، فقال: وهو معنى قوله: {إنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}" (7).

 

2 ـ إثبات هذا المعنى في الأمم السابقة، قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ}[المائدة: 65].

 

3 ـ إثباته في سياق الحديث عن توبة العصاة، كما في آية الفرقان التي تلوتها قبل قليل: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ... إلى قوله: فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ... الآيات}[الفرقان: 68 - 71].

 

أيها المحبون لكتاب ربهم:

إن الأمثلة التطبيقية التي توضح وتؤكد معنى هذه القاعدة المحكمة: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} لكثيرة جداً، لكن لعلنا نذكر ما يسمح به وقت البرنامج، وأول ما نبدأ به من الأمثلة هو ما ذكره ربنا في الآية الكريمة التي تضمنتها هذه القاعدة، وهو:

1 ـ إقامة الصلاة طرفي النهار ـ وهو مبتدأه ومنتهاه ـ، وساعات من الليل، ولا ريب أن أول ما يدخل في هذه الصلوات الخمس، كما يدخل فيها: بقية النوافل، كالسنن الرواتب، وقيام الليل.
وإذا كانت هذه الآية الكريمة تدل على أن الصلوات المفروضات والنوافل من أعظم الحسنات الماحية للسيئات، فإن السنة صرّحت بهذا ـ كما تقدم ـ بشرط اجتناب الكبائر.
فليبشر الذين يحافظون على صلواتهم فرضها ونفلها بأنهم من أعظم الناس حظاً من هذه القاعدة القرآنية: { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}، ويا تعاسة وخسارة من فرطوا في فريضة الصلاة!!

 

2 ـ ومن تطبيقات هذه القاعدة، ما رواه الشيخان من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: أن رجلا أصاب من امرأة قُبلة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأنزل الله {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} فقال الرجل: يا رسول الله ألي هذا؟! قال: "بل لجميع أمتي كلهم"(8).

 

3 ـ قصة توبة القاتل الذي قتل تسعةً وتسعين نفساً ـ وهي في الصحيحين ـ وهي قصة مشهورة جداً، والشاهد منها، أنه لما انطلق من أرض السوء إلى أرض الخير: "أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط، فأتاه ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة"(9).

 

فإلى كل من أسرف على نفسه، وقنّطه الشيطان من رحمة ربه، لا تأيسنّ ولا تقنطن، فهذا رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، فلما صحّت توبته، رحمه ربه ومولاه، مع أنه لم يعمل خيراً قط من أعمال الجوارح سوى هجرته من بلد السوء إلى بلد الخير.. أفلا تحرك فيك هذه القصة الرغبة في هجرة المعاصي، والإقبال على من لا سعادة ولا أنس إلا بالإقبال عليه؟!

 

وتأمل في هذه الكلمة المعبرة، التي قال الحسن البصري رحمه الله: "استعينوا على السيئات القديمات بالحسنات الحديثات، وإنكم لن تجدوا شيئا أذهب بسيئة قديمة من حسنة حديثة، وأنا أجد تصديق ذلك في كتاب الله: {إن الحسنات يذهبن السيئات}(10).

اللهم ارزقنا حسناتٍ تذهب سيئاتنا، وتوبة تجلو أنوارها ظلمة الإساءة والعصيان، والحمد لله رب العالمين.

 

________________

(1)    ينظر: فتح القدير 2/678.
(2)    وفي بعض النسخ: صحيح، وقد استبعد هذا ابن رجب في تعليقه على هذا الحديث في "جامع العلوم والحكم" ح (18).
(3)    الترمذي (1987) وقد رجح الدارقطني إرساله، وانظر تعليق ابن رجب عليه في "الجامع" ح (18).
(4)    ينظر: التحرير والتنوير (7/284).
(5)    مسلم (121).
(6)    مسلم (233).
(7)    تفسير البغوي (4/313).
(8)    البخاري (503)، ومسلم (2763).
(9)    البخاري (3283)، ومسلم (2766).
(10)    تفسير ابن أبي حاتم (8/279).

التعليقات

جزاءكم الله الف خير

أثابكم الله ونفع بكم

استغفر الله الذي لا اله الا هو الحي القيوم واتوب اليه استغفر الله الذي لا اله الا هو الحي القيوم واتوب اليه استغفر الله الذي لا اله الا هو الحي القيوم واتوب اليه اللهم لا اله الا انت سبحانك اني كنت من الظالمين فاغفر لي ذنوبي وتب علي اني تبت اليك واني كنت من الظالمين وصلي اللهم على نبينا محمدوعلى اله ومن تبعه باحسان الى يوم الدين

استغفر الله الذي لا اله الا هو الحي القيوم واتوب اليه
نفع الله بكم وسددكم لما يحب ويرضى وجعل عملكم هذا في ميزان حسناتكم
وجعلنا الله واياكم ممن يستمعون القول ويتبعون احسنه

نفعكم الله وسدد خطاكم وجعل هذا العرض القيم فى ميزان حسناتكم فحقاً رحمة اله قريب من المحسنين التائبين اللهم تقبل توبتنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار

بارك الله فيكم على هالموضوع الطيب .. استفدت الكثير

أستغفر الله العظيم الذي لااله الا هو و أتوب اليه

جزاكم الله خيرا أن تظهروا للناس سماحة الدين الحنيف ورحمته ،وهذا من مواطن العظمة فيه؛لن ضغوط الحياة بعامة تستوجب التيسير على الناس وليس التشديد ،وقد مال النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفق في الأمور كلها ما لم يكن إثما أو قطيعة رحم ،بسأل الله العافية .

الله يحفظكم ياشيخ ويثيبكم على اعمالكم

ان هذه الاية من جميل فضل الله على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ..حيث ان الحسنات تكتب بعشر امثالها والسيئة تكتب واحدة و..علاوة على ان الحسنات تذهب السيئات ..فالحمد لله رب العالمين..

جزاكم الله خير على هذه الفوائد الجليلة

جزاكم اللة خير على الافادة

جزاكم الله خيرا على خدمة دينه. ونسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتقين المتمسكين باالقرآن والسنة آمين.

وانا كان عندي نقطه عايزه اضيفها وهو المختصر من الكلام ...
"الحسنات يذهبن السيئات" تنطبق علي صغائر الذنوب وليس الكبائر واذا كانت كبائر تنطبق ايضا لكن مع التوبه الصادقه
وجزاكم الله كل خير

جزاك الله الفردوس الاعلى من الجنه

الله يجزاك خير على هذا البيان ويجمعنا بك وبأخواننا في جنات النعيم برحمته التي وسعة كل شيء.

سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر ولا حول ولا قوة الا بالله

أستغفر الله العظيم الذي لااله الا هو و أتوب اليه
جزاك الله الفردوس الاعلى من الجنه

استغفر الله الذي لا اله الا هو الحي القيوم واتوب اليه
استغفر الله الذي لا اله الا هو الحي القيوم واتوب اليه
استغفر الله الذي لا اله الا هو الحي القيوم واتوب اليه

جزاكم الله خيرا

إضافة تعليق جديد

1 + 2 =