حكم الصلاة مع الإخلال بالاتصال والاصطفاف
11 رمضان 1441
فهد بن يحيى العماري

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.
فقد كثر الجدل والتساؤل حول مسألة التباعد بين الصفوف في الصلوات في المساجد، ولأنه لما صدرت الفتوى بإغلاق المساجد احترازاً من انتشار وباء كورونا، ثم أُذن في بعض الدول بالصلاة في المساجد، وكانت المصلحة في التباعد بين الصفوف أو التباعد بين المأمومين في الصف فما حكم الصلاة بهذه الصفة من التباعد بنوعيه: في التباعد بين الصفوف، وفي التباعد بين المأمومين؟

 

هذه المسألة مبنية على عدة مسائل:
المسألة الأولى:
حكم المُصافة والاعتدال محل خلاف بين العلماء رحمهم الله:

 

القول الأول: سنة، وهو مذهب الأئمة الأربعة.

وأدلتهم باختصار: ما ورد عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة" متفق عليه ولرواية: (فإن إقامة الصف من حسن الصلاة)، والتمام والحسن أمر زائد عن الواجب، والإنكار قد يكون على ترك سنة: قال ابن حجر: (أخذ البخاري الوجوب من القرائن) قال ابن رجب في شرح البخاري واسمه فتح الباري: (وأما استدلال البخاري به على إثم من لم يتم الصف ففيه نظر ؛ فإن هذا إنما يدل على أن هذا مما ينكر، وقد ينكر المحرم والمكروه وقد يقال عن الأول بأن لفظ التمام يراد به الوجوب تارة كحديث (لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله عز وجل) رواه أبوداود وصححه الألباني وتارة يراد به الاستحباب لحديث: إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاث مرات فقد تم ركوعه وذلك أدناه وإذا سجد فقال في سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات فقد تم سجوده وذلك أدناه) رواه أبوداود وقال مرسل وصححه الألباني وحملوا تسبيح الثلاث على أدنى الكمال الاستحباب، والوجوب واحدة، على خلاف في المسألة مشهور.

القول الثاني: واجب، واختاره البخاري وابن العربي وابن رجب.

أدلتهم باختصار ما يلي: ما ورد عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم(لتسوّنّ صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم)متفق عليه، ولا يكون الوعد على مستحب، ولما ورد عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنه قدم المدينة، فقيل له: ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله؟ قال: (ما أنكرت شيئاً إلا أنكم لا تقيمون الصفوف)رواه البخاري وقد ضرب عمر قدم عثمان النهدي لإقامة الصف رواه الخطابي بسنده وصححه وورد عن سويد قال كان بلال يضرب أقدامنا في الصلاة ويسوي مناكبنا ذكره الخطابي وبوب البخاري باب إثم من لم يتم الصفوف وكان عمر يوكل رجالا بإقامة الصفوف فلا يكبر حتى يخبر أن الصفوف قد استوت) رواه الترمذي وورد عن علي وعثمان نحوه.

 

فرع: على القول بالوجوب هل تبطل الصلاة؟
محل خلاف بين العلماء:
القول الأول: صحة الصلاة، وحكي اتفاق الفقهاء على ذلك.

 

القول الثاني: بطلانها، وهو احتمال عند الحنابلة حكاه ابن مفلح وهو مذهب ابن حزم.
 

الراجح: الأول؛ لأن الأصل الصحة، ولأن الوجوب هنا شيء منفك عن ذات الصلاة. قال ابن حجر رحمه الله: "ومع القول بأن التَّسوية واجبة، فصلاة من خالف ولم يسوّ صحيحة ثم استدلَّ على ذلك بحديث أنسٍ رضي الله عنه حين قدِمَ المدينة، فقيل له: ما أنكرتَ منا منذ يوم عهدتَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -؟ قال: "ما أنكرت شيئا إلا أنكم لا تقيمون الصُّفوف)، ومع هذا الإنكار؛ فإنَّ أنسًا رضي الله عنه لَم يأمرهم بالإعادة..
 

ثم أيضاً هنا تركت المصافة للحاجة، وهي الاحتراز من العدوى، والحاجة تنزل منزلة الضرورة في تغير الحكم.
 

 قال ابن تيمية: (وإذا كان القيام والقراءة وإتمام الركوع والسجود والطهارة بالماء وغير ذلك يسقط بالعجز فكذلك الاصطفاف وترك التقدم).
 

المسألة الثانية: اشتراط اتصال الصفوف داخل المسجد فقد حكى الآمدي الاجماع على عدم اشتراط الاتصال داخل المسجد، وذهب بعض الحنفية إلى أن ذلك يمنع إذا كان المسجد كبيراً جداً، ومعناه المسافات بين الصفوف بعيدة جداً، ومقتضاه أن المسافات القريبة جائزة اتفاقاً، وجوز ابن تيمية الصلاة خارج المسجد من غير اتصال للحاجة. 
 

المسألة الثالثة: صلاة المنفرد خلف الصف محل خلاف بين العلماء:
القول الأول: تصح، وهو مذهب جمهور الفقهاء، ويحملون حديث علي الآتي على أن النفي نفي كمال وليس نفي صحة، واستدل الجمهور بعدم فسادها بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكرة حين كبَّر وحده، ثم التحق بالصف: "زادك الله حرصًا ولا تعد" ولم يأمره بالإِعادة، وينازعون في صحة حديث وابصة الآتي، وإن صح فيحمل على الندب، ولما روى البيهقي من طريق مغيرة فيمن صلى خلف الصف وحده أنه صلى الله عليه وسلم قال "صلاته تامة".

القول الثاني: لا تصح، وهو مذهب الحنابلة والنخعي وابن خزيمة وغيرهم؛ لحديث علي بن شيبان، أنه قال: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانصرف، فرأى رجلاً يصلي فرداً خلف الصف، فوقف نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى انصرف الرجل من صلاته: (استقبل صلاتك، لا صلاة للذي خلف الصف) رواه أحمد وحسنه، وحسنه النووي، وقواه الذهبي، وصححه البيهقي والبوصيري، ولحديث وابصة رضي الله عنه: (أن الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة) رواه أصحاب السنن قال الحافظ وصححه أحمد وابن خزيمة.

القول الثالث: تصح إذا لم يستطع أن يدخل في الصف، وهو مذهب الحسن ورواية عند الحنابلة واختاره ابن تيمية، ويقاس عليه الحاجة والاحتراز من العدوى من الحاجة، وهو الراجح، لعموم قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}.
 

والخلاصة:
وعلى القول بالسنية في جميع ما تقدم فقد تعارض أمران هل يقال صلوا في بيوتكم أولى أو القيام بالصلاة في المسجد بهذه الصفة؟
لا شك الثاني؛ لأن الجماعة في المساجد مقدَّمة، والواجب مقدَّم.
وإذا قيل بالواجب في جميع ما تقدم وللحاجة، فوجوب الجماعة آكد وأعظم، والله أعلم.

 

أخيراً: الالتزام بما يصدر من ولي الأمر، ومن جميع الجهات شرعية وصحية وأمنية، ولا تجوز المخالفة، لعموم أدلة وجوب الطاعة، والطاعة هنا يترتب على مخالفتها مفاسد، وضرر على النفس والغير، وحفظ النفس ضرورة من ضرورات الدين، فالطاعة فيها آكد، والمخالفة فيها أشد نهياً وإثماً.
 

وفي الختام: نسأل أن يرفع عن الأمة البلاء والوباء ويشفي مرضى المسلمين ويرحم موتاهم ويحمي سائر المسلمين، وأن يتقبل الصيام والقيام، هو خير مسؤول وأكرم مأمول والصلاة والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم.

CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
5 + 9 =