أحكام قول المؤذن: ألا صلّوا في رحالكم
17 صفر 1440
فهد بن يحيى العماري

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده  وبعد
فقد انتشر مقطع لأحد المؤذنين جزاه الله خيراً، وهو يقول ألا صلوا في رحالكم في أذانه وقت نزول المطر، فصار نقاش حول بعض المسائل التي تختص بهذه اللفظة، والعلم يحيا بالمذاكرة والفكرة والدرس والمناقشة، فكم من كتاب بل مجلدات ومشروعات كانت وليدة فكرة ومناقشة ومطارحة، جعلنا الله وإياكم مفاتيح للخير. 

 

فيا طلاب العلم، يا نجوم الهدى وبحور الندى: 
لتُحيا المجالس والاجتماعات والأندية الواتسية بمطارحة العلم ومسائله ونوازله ففي ذلك خير كثير ونفع عظيم، تصحيح للعبادات وحماية للمجتمعات وتحرير للتساؤلات، ، والحذر من الانشغال بالخلافات والنزاعات وما يفسد الفكر والقلب والروح وينقص الإيمان ويشتت الذهن والنفوس ويولد الحيرة واليأس والقيل والقال والتجريح والعصبيات.

 

فاستعنت بالله في جمع بعض مسائل هذه الكلمة، وهذه السنة، وهي من السنن المهجورة، وقد ذكرت بعض الأدلة والأقوال مختصرة، لتسهل قراءتها، ولا يملّها الملول في زمن الخلاصة والسرعة والاختصار، وعددها: عشر مسائل، مذكّرًا بها نفسي وإخواني، وهي امتداد لسلسلة الخلاصات الفقهية، وسميتها: 
 

"أحكام قول المؤذن ألا صلوا في رحالكم"
 

سائلاً الله التوفيق والسداد والهدى والرشاد لأنفسنا وأمتنا، وأن يحيينا جميعًا على العلم النافع والعمل الصالح، وأن يمتّعنا متاعًا حسناَ، وأن يتقبل وينفع بهذه الرسالة العباد والبلاد، والحاضر والباد، وأن يعفو ويصفح عما كان من خطأ وزلل في الدنيا ويوم التناد، إنه سميع قريب مجيب للعباد.

وجعلت هذا المقال صدقة لوالدي والشيخ سليمان بن عبدالرحمن الثنيان رئيس المحكمة العامة بمكة رحمهم الله رحمة واسعة ورحم موتى المسلمين عامة .

المسألة الأولى: حكمها: 
القول الأول: سنة، وهو مذهب جمهور الفقهاء.
القول الثاني: واجب، واختاره ابن حزم، والأقرب: الأول، لعدم الدليل على الوجوب.

 

المسألة الثانية: متى يقولها المؤذن؟
يقولها المؤذن في أوقات الجمع وغير أوقات الجمع كصلاة الفجر بسبب المطر والريح الشديدة والبرد الشديد إن كان نزل المطر قبل خروج الناس إلى الصلاة في المساجد فينادي المؤذن: (ألا صلوا في رحالكم)، فيصلون في بيوتهم دون جمع، وتأتي الأدلة، وإن كان نزل المطر بعد وصول الناس إلى مساجدهم فيشرع الجمع حينها ولا تقال، لأن الناس سيصلون في مساجدهم.

 

المسألة الثالثة: هل ذلك القول خاص بالسفر أم في الحضر؟ 
القول الأول: خاص بالسفر لرواية التقييد بالسفر.
القول الثاني: ليس خاصاً بالسفر لرواية مالك بدون تقييد، ونسبه الزرقاني إلى الجمهور واختاره ابن حزم.
الأقرب: الثاني، لأن الجمع يصح في السفر والحضر، ولأن الأعذار في ترك الجماعة تكون في الحضر وفي السفر.
قال القسطّلاني وغيره: (وفي بعض طرق الحديث عند أبي داود: ونادى منادي رسول الله في المدينة في الليلة المطيرة والغداة القرة، فصرح بأن ذلك في المدينة ليس في سفر) والقرة الباردة.

 

المسألة الرابعة: هل هي كلمة أصلية في الأذان أم كلمة أريد بها التنبيه للناس؟.
حكى ابن رجب في الفتح الأمرين، وقال البخاري باب الكلام في الأذان وكذا البيهقي باب الكلام في الأذان فيما للناس فيه منفعة وذكرا أحاديث ألا صلوا في رحالكم، إشارة إلى إدراج هذه اللفظة في الأذان وليست من ألفاظ الأذان، وهو ظاهر اختيار ابن تيمية وابن المنذر وابن عبدالبر وجعله كالتثويب في الفجر.

 

المسألة الخامسة: قول ألا صلوا في رحالكم أين تقال في الأذان؟.
القول الأول: تقال في أثناء الأذان، وهو وجه للشافعية وظاهر مذهب الحنابلة، واختاره ابن تيمية في شرح العمدة.
القول الثاني: بعد الأذان، وهو مذهب الحنفية والمالكيةووجه عند الشافعية واختاره الشوكاني.
القول الثالث: الأمر واسع، وهو لبعض الحنفية ومذهب الشافعية.

 

المسألة السادسة: قول المؤذن ألا صلوا في رحالكم هل تقال مع الحيعلة (حي على الصلاة)؟
القول الأول: تقال في أثناء الأذان بدلاً من الحيعلة، وهو وجه للشافعية واختاره الخطابي، واستغربه ابن رجب في فتحه.
القول الثاني: تقال بعد الحيعلة مع الحيعلة، وهو وجه للشافعية وظاهر مذهب الحنابلة واختيار ابن تيمية.
القول الثالث: الأمر واسع، وهو لبعض الحنفية ومذهب الشافعية.
والأقرب: كل ذلك جائز في المسألتين، لأن الأدلة والآثار وردت بها كلها، واختاره النووي.
*لما ورد أن ابن عمر رضي الله عنهما أذن في ليلة باردة بضجنان، ثم قال: صلوا في رحالكم، فأخبرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر مؤذنا يؤذن، ثم يقول على إثره: «ألا صلوا في الرحال» في الليلة الباردة، أو المطيرة في السفر) رواه البخاري وفي لفظ بدون السفر رواه مالك.

 

*وورد عن عمرو بن أوس يقول: أنبأنا رجل من ثقيف، أنه سمع منادي النبي صلى الله عليه وسلم - يعني في ليلة مطيرة في السفر - يقول: «حي على الصلاة. حي على الفلاح. صلوا في رحالكم» رواه النسائي.
 

*وورد عن عبدالله بن عباس أنه قال لمؤذنه في يوم مطير: (إذا قلت: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة، قل: صلوا في بيوتكم، قال: فكأن الناس استنكروا ذاك، فقال: أتعجبون من ذا، قد فعل ذا من هو خير مني، إن الجمعة عَزْمة، وإني كرهت أن أخرجكم فتمشوا في الطين والدحض)؛ رواه البخاري ومسلم.
 

*وورد عن عمرو بن أوس يقول: أنبأنا رجلٌ من ثقيف أنه سمع منادي النبي صلى الله عليه وسلم - يعني في ليلة مَطِيرة في السفر - يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح، صلوا في رحالكم؛ رواه النسائي وأحمد.
 

*عن نعيم بن النحام من بني عدي بن كعب قال: نودي بالصبح في يوم بارد وهو في مرط امرأته فقال: ليت المنادي ينادي: ومن قعد فلا حرج، فنادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم في آخر أذانه: ومن قعد فلا حرج وذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في آخر أذانه " تابعه الأوزاعي، عن يحيى بن سعيد إلا أنه قال: فلما قال: الصلاة خير من النوم قال: ومن قعد فلا حرج) رواه البيهقي في السنن الكبرى.
 

قال القسطلاني في الجمع بين الأحاديث: (ويكون المراد من قوله: الصلاة في الرحال، الرخصة لمن أرادها، وهلموا إلى الصلاة الندب لمن أراد استكمال الفضيلة ولو تحمل المشقةوفي حديث جابر المروي في مسلم ما يؤيد ذلك ولفظه: خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سفر فمطرنا، فقال: ليصل من شاء منكم في رحله. وقد تبين بقوله: من شاء. أن أمره عليه الصلاة والسلام بقوله: ألا صلوا في الرحال، ليس أمر عزيمة حتى لا يشرع لهم الخروج إلى الجماعة، إنما هو راجع إلى مشيئتهم، فمن شاء صلى في رحله ومن شاء خرج إلى الجماعة).
 

المسألة السابعة: ما هي الألفاظ التي تقال؟.
صلوا في رحالكم، ألا صلوا في رحالكم، صلوا في بيوتكم، لما ورد في الأدلة المتقدمة.

 

المسألة الثامنة: هل هي توقيفية بحيث لا يمكن أن يقال غيرها؟.
هذه المسألة مبنية على المسألة الرابعة.

 

فرع: هل يجوز أن تقال هذه الكلمة بغير العربية؟.
هذه المسألة مبنية على المسألة السابقة فإن قيل أنها للتنبيه وليست لفظاً توقيفياً فجائز وإن قيل أصيلة في الأذان ولفظ شرعي فهل يجوز الأذان بغير العربية؟ 
الصحيح: لا يجوز لأنه لفظ شرعي توقيفي كالقراءة للقرآن في الصلاة فلا تصح بغير العربية إلا للعاجز عن العربية.

 

فرع: هل يجوز ترجمتها بعد قولها بالعربية؟.
الأقرب: أنه يجوز، ولا يضر ذلك على صحة الأذان، للحاجة، ولأن الكلام اليسير والفاصل اليسير بين ألفاظ الأذان لا يعود عليه بالبطلان، وهو محل اتفاق بين الفقهاء، ويكره لغير حاجة.

 

المسألة التاسعة: هل تكرر في الأذان أم مرة واحدة تقال؟.
ظاهر الأدلة المتقدمة تقال مرة واحدة، ووردمرتين، فقد ورد عن نافع، أن ابن عمر رضي الله عنهما نادى بالصلاة في ليلة ذات برد وريح، ثم قال في آخر ندائه: ألا صلوا في رحالكم، ألا صلوا في الرحال، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة أو ذات مطر أو ذات ريح في سفر يقول: "ألا صلوا في الرحال"(1).

 

فرع: هل تكرار اللفظ من باب التنويع أم حسب الحاجة؟.
المسألة محتملة، والأقرب: ألا يزاد على ما ورد حتى لا يخرج الأذان عن نظمه ويطول عن عدده، وقد ورد مرة ومرتين كما تقدم.

 

المسألة العاشرة: إذا قال ألا صلوا في رحالكم فماذا يقول في الإجابة؟
لا حول ولا قوة إلا بالله لأنها كالحيعلة(2).

 

وفي الختام نسأل الله أن يرزقنا الفقه في الدين، والتمسك بسنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وأن يصلح نياتنا وذرياتنا، وأن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وأن ينصرهم ويعزهم ويرفع عنهم الضراء، وإلى لقاء آخر يسره الله على طريق العلم والهدى.
 

__________________________

(1) رواه البيهقي في السنن الكبرى برقم (5018) مصنف عبدالرزاق برقم (1901) ومستخرج أبي عوانة برقم (1302).
(2) أهم المراجع: التمهيد لابن عبدالبر، شرح القسطلاني للبخاري، شرح مسلم للنووي، إكمال المعلم بفوائد مسلم، فتح الباري لابن حجر ولابن رجب وعمدة القاري للعيني، شرح الزرقاني للموطأ، شرح العمدة لابن تيمية، نيل الأوطار للشوكاني، أحكام الأذان للحازمي، أحكام الترجمة لأحمد واصل.

 

1 + 2 =
مجمع الفقه الإسلامي التابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي.
د. سعود بن نفيع السلمي
عبد العزيز بن محمد الحمدان