الاجتهاد في العشرة الأواخر
22 رمضان 1439
عبد الله بن صالح الفوزان

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد (*)

عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجدّ، وشد المئزر"(1) [رواه البخاري، ومسلم، وفي رواية لمسلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره].

الحديث دليل على أن للعشر الأواخر من رمضان مزيّة على غيرها بمزيد الطاعة والعبادة من صلاة وذكر وتلاوة قرآن.

فقد وصفت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها نبينا وقدوتنا محمداً صلى الله عليه وسلم بأربع صفات:

الأولى: قولها (أحيا الليل) أي: سهره فأحياه بالطاعة، وأحيا نفسه بسهره فيه، لأن النوم أخو الموت، والمعنى: أحياه بالقيام والتعبد لله رب العالمين، وأما ما ورد من النهي عن قيام الليل كلّه الوارد في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه(2)، فهو محمول على من دوام عليه جميع ليالي السنة(3).

الثانية: قولها (وأيقظ أهله) أي: زوجاته الطاهرات أمهات المؤمنين رضي الله عنهن؛ ليشاركنه اغتنام الخير والذكر والعبادة في هذه الأوقات المباركة.

الثالثة: قولها (وجدّ) أي: اجتهد في العبادة زيادة على عبادته في العشرين الأوّلين. وذلك لأن في العشر الأواخر ليلة القدر.

الرابعة: قولها (وشدّ المئزر) أي: جدّ واجتهد في العبادة. وقيل: اعتزل النساء، وهذا أظهر لعطفه على ما قبله. ولحديث أنس رضي الله عنه: (وطوى فراشه واعتزل النساء)(4)، وقد كان صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر والمعتكف ممنوع من النساء.

فتحرص – أخي المسلم – على الاتصاف بهذه الصفات. ولتحافظ على صلاة التهجد مع الإمام، إضافة إلى صلاة التراويح، ليزيد الاجتهاد في هذه العشر على عشريه الأولين. وليحصل إحياء الليل بالصلاة.

وعليك أن تتحلى بالصبر على طاعة الله تعالى، فإن صلاة التهجد تحتاج إلى ذلك، وفضلها عظيم. فهي – والله – فرصة العمر، وغنيمة لمن وفقه الله تعالى. وما يدري الإنسان لعله تدركه فيها نفحة من نفحات  المولى فتكون سعادة له في الدنيا والآخرة.

وقد كان السلف الصالح من هذه الأمة يطيلون صلاة الليل تأسياً بنبيّهم صلى الله عليه وسلم، يقول السائب بن يزيد (أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبيّ بن كعب وتميماً الداري رضي الله عنهما أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر)(5).

وعن عبد الله بن أبي بكر قال: (سمعت أبي يقول: كنا ننصرف في رمضان فنستعجل الخدم بالطعام مخافة الفجر)(6).

والمؤمن يجتمع له في رمضان جهادان لنفسه: جهاد بالنهار على الصيام، وجهاد بالليل على القيام، فمن جمع لنفسه بينهما ووفي بحقوقهما فهو من الصابرين الذين يوفّون أجرهم بغير حساب.

إن هذه العشرة هي ختام الشهر، والأعمال بخواتيمها. ولعل الإنسان يدرك فيها ليلة القدر وهو قائم لرب العالمين، فيغفر له ما تقدم من ذنبه.

وعلى الإنسان أن يحث أهله وينشطهم ويرغبهم في العبادة. لاسيما في هذه المواسم العظيمة التي لا يفرط فيها إلا محروم، فإن الإيقاظ أمر ميسور في هذا الزمان، لكن المطلوب توجيه الأهل والناشئة إلى الاستفادة من ساعات الليل، والحذر من ضياعها في القيل والقال، وأعظم من ذلك أن يمضي الإنسان وقت صلاة الناس وتهجدهم في المجالس المحرمة والاجتماعات الآثمة فهذا هو الخسران، نسأل الله السلامة.

فالمبادرة المبادرة إلى اغتنام العمل فيما بقي من الشهر، فعسى أن يستدرك به ما فات من ضياع العمر.

ومما يؤسف عليه أن ترى بعض الناس يقبل على الأعمال الصالحة في أول الشهر من الصلاة والقراءة ثم تظهر عليه علامات الملل والسأم، ولاسيما عند دخول العشر الأواخر التي لها مزية على أول الشهر، فعلى الإنسان أن يواصل الجد والاجتهاد ويزيد في الطاعة إذا أخذ شهره في النقص، فالأعمال بخواتيمها، وما أحرى القبول إذا تحققت الشروط وانتفت الموانع. وفي ذلك فيتنافس المتنافسون.

اللهم أيقظنا لتدارك بقايا الأعمار، ووفقنا للتزوّد من الخير والاستكثار، واجعلنا ممن قبلت صيامه، وأسعدته بطاعتك فاستعدّ لما أمامه، وغفرت زلـله وإجرامه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد . . .

-------------

(*) المادة مستفادة من كتاب مختصر أحاديث الصيام طبعة دار ابن الجوزي.

([1]) أخرجه البخاري (4/269)، ومسلم (1174).

(2) أخرجه البخاري (4/217)، ومسلم (1159).

(3) مجموع الفتاوى (22/308).

(4) انظر: لطائف المعارف ص219، فتح الباري (4/269).

(5) رواه مالك في "الموطأ" (1/115) وسنده صحيح، والسائب بن يزيد صحابي صغير، وفروع: جمع فرع، وهو أعلى الشيء، يعني بذلك أنهم لا يقضون صلاتهم لطول القيام إلا قرب الفجر، انظر: "جامع الأصول" (6/123)، و"المنتقى" للباجي (1/209)..

(6) رواه مالك في الموطأ (1/116)، وانظر له ولما قبله (الصيام) للفريابي ص129، وما بعدها.

 

20 + 0 =