الفتوى بين المفتي وناقلها.. ليلة النصف من شعبان نموذجا
8 شعبان 1439
د. عمر بن عبد الله المقبل

في كل مناسبة شرعية تطفو على السطح قضيةٌ أراها جديرةً بالوقوف عندها، وهي أنه حينما يقترب زمانُ عبادةٍ من العبادات التي يقع في أصلها أو في تفاصيلها خلافٌ بين أهل العلم؛ فإنك تجد بعضَ المحبين للخير يُنَظِّمُ ما يشبه الحمَلات للحث على هذه العبادة إن كان من أتباع ذلك العالم الذي يرى مشروعيةَ ذلك الفعل، أو للتحذير منها إن كان من أتباع مَنْ لا يرى جوازَها.

 

المسألةُ لا تقف عند تنظيمِ الحمْلة ـ إن صحّ التعبير ـ بل تنتقل إلى حماسٍ غير عادي من قِبَل هؤلاء المقلِّدين المتحمِّسين لرأي شيخهم أو ذلك العالم الذي يتبعون قولَه، يتطور هذا الحماسُ للدفاع عن القول دفاعَ المفتي به، وقد ينتقل إلى إلزام الطرفِ المخالفِ بما لا يقول به مَن أفتى بتلك الفتوى نفسها؛ من التبديع أو التضليل والتجهيل! وكلّ هذا خطأ بلا ريب، لا يُقرّه من شمّ رائحة العلم.

 

ومَنشأ هذا الغلط هو: أن أكثر هؤلاء المقلّدين لشيوخهم لا يعلمون أن الناقلَ المجرَّد للفتوى ليس مفتيًا، بل هو حاكٍ لها([1])، وقد أشار ابنُ تيمية - رحمه الله - إلى بعض أسباب هذا الحماس من قِبَل هؤلاء المقلّدة، وهو أن الحامل لأحد هؤلاء هو: التربي على قولٍ تعوّده، ومع هذا  فهو لا يُحسن النظرَ في الأدلة الشرعية، ولا يعرف مآخذَ أهل العلم في الاستدلال، ومَنْ كان كذلك "لم يُحسِن أن يتكلم في العلم بكلام العلماء"([2]).

 

ولعلّي أمثّل على ذلك بمسألةٍ قريبةِ السِّجال، الذي ملأ مواقعُ التواصل صداها، وهي مسألة: حكم إحياء ليلة النصف من شعبان؟ وهل صح في فضلها شيء؟

 

والعلماء ـ كما هو معلوم ـ مختلفون فيها من عهد التابعين، وجماهيرُهم على أنه لا يصح حديثٌ في فضلها، ولا يُشرع ـ بناءً على ذلك ـ تخصيصُها بعبادة، وذهب بعضُ التابعين إلى جواز تخصيصِها بشيءٍ من ذلك؛ اعتماداً على بعض ما ورد في الباب، صحَّح بعضَها عددٌ من المتأخرين.

 

ومَنْ قرأَ ما قرّره أهلُ العلم المحقِّقون عند عرضِ هذه المسألة يُدرِك الفرقَ الكبيرَ بين عَرْضِهم وعَرض المقلّدين لهم، الذين ـ أعني المقلدين ـ لا يحترزون مِن مآلاتِ حماسهم وانتصارهم لقول متبوعهم، ومن ذلك: أنني قرأتُ ـ في موقع التواصل تويتر ـ لأحد المنتصرين للقول بصحة بعض ما ورد فيها، وجواز تخصيصها ببعض العبادة؛ قرأتُ له ردّاً على أحد أهل العلم الذين قررّوا ـ بالدليل ـ عدمَ صحة هذه الأحاديث فقال : ومَنْ أنت حتى تخالِف فلاناً ـ يعني الشيخ الألباني رحمه الله ـ؟! ونسي هذا المقلِّد أن هذا السؤالَ نفسه يمكن لمقلدٍ في الجهة المقابِلة أن يطرحه بصورةٍ مقلوبة: ولماذا الشيخُ خالفَ كبار المحدِّثين المتقدِّمين في إعلال هذه الأحاديث؟! ولو سكتَ هذا النوعُ من الناس لما تحوّلت مواقعُ التواصل إلى سجالاتٍ يقودها مَنْ لم يعرف أصولَ الاستدلال، ولا طرائقَ العلماء في النظر في الأحاديث وفِقهها.

 

ويمتد السجالُ ـ في بعض الأحيان ـ ليأخذ منحنى خطيراً، وهو تضليل هؤلاء المقلِّدين لمن أخذ بقول المصحِّحين لهذه الأحاديث، مع أن الذي يضعّهفا لا يقول بهذا، بل يحكم على الفعل بأنه غير مشروع أو بدعة، دون تبديعٍ لمن قال به اجتهاداً أو تقليدًا لعالم متبوع!

 

وليت المقلّدَ من الطرفين يتأمل قولَ ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: "فالمقلّدُ لا ينكِر القولَ الذي يخالف متبوعَه إنكارَ مَنْ يقول هو باطل، فإنه لا يعلم أنه باطل؛ فضلا عن أن يحرّم القول به ويوجب القولَ بقول سلفه"([3]).

 

فهل يعي إخوانُنا الفضلاء ـ الحريصون على الخير ـ الفرقَ بين المفتي وبين ناقل الفتوى؟

 

وهل نتقدم خطوةً إلى الأمام في تخفيف هذه المعارك التي تنشأ بين المقلّدين، ويحمّلونها المفتين الذين هم منها براء؟

 

وهل نفقه أن من أعظم مقاصد الشريعة: تأليف القلوب، والنأي بها عن أي سبب لفرقتها؟

أرجو ذلك.
 

_______________________________
([1]) ينظر: مجموع الفتاوى (26/ 203).
([2]) يراجع: مجموع الفتاوى (26/ 202).
([3]) مجموع الفتاوى (33/143) .

7 + 13 =