تخطي الرقاب في خطبة الجمعة
13 رجب 1439
عبد الرحمن بن عوض القرني

الأحاديث الواردة في النهي عن تخطي الرقاب يوم الجمعة
عن عبد الله بن بسر ‏- رضي الله عنه - قال‏:‏ ‏‏جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ «اجلس فقد آذيت »‏‏.‏ رواه أبو داود والنسائي وأحمد وزاد‏: «‏وآنيت‏»(1).

 

وعن أرقم بن أبي الأرقم المخزومي ‏- رضي الله عنه -‏:‏ ‏‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «الذي يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ويفرق بين الاثنين بعد خروج الإمام كالجار قصبه(2) في النار‏»‏‏.‏ رواه أحمد(3)‏. ‏
 

حكم تخطي الرقاب يوم الجمعة
هذا الحديث يفيد النهي عن تخطي رقاب الجالسين لصلاة الجمعة وقد اختلف الفقهاء في حكم ذلك على قولين.

 

وقد اختلف العلماء في حكم ذلك على قولين:
القول الأول:
أن التخطي حرام مطلقاً، وهو قول عند المالكية(4) ‏اختاره منهم ابن عبدالبر(5)، واختاره ابن المنذر(6) ‏ والنووي(7) ‏من الشافعية، وابن تيمية(8) ‏من الحنابلة.
وقال بعض فقهاء الشافعية: إن تحقق أذى لا يحتمل عادة فيحرم(9).

 

القول الثاني:
أن النهي للكراهة وهو قول أبي هريرة، وسلمان الفارسي، وسعيد بن المسيب،وعطاء ابن أبي رباح(10) وقول جمهور الفقهاء من الحنفية(11)،

 

والمالكية (12)، والشافعية (13)، والحنابلة(14) على تفصيل في بعض الصور وتفريعات لديهم فيها إلا أنه يجمع هذه الأقوال أن الحكم فيها للكراهة(15).
 

فعامة الفقهاء على أن النهي خاص بوقت الخطبة أما قبل ذلك فلا كراهة(16).
وأكثر الفقهاء يستثنون الإمام من النهي(17) وجزم بها أبو الخطاب(18).
وفي رواية عند الحنابلة يكره حتى للإمام(19).
وفي رواية عندهم أنه إن رأى فرجة لم يكره له التخطي إليها(20) وهو عند الشافعية أيضاً(21).
وفي رواية إن تخطى الواحد أو الاثنين فلا بأس وإن كان أكثر كُره(22).

 

أدلة الأقوال مع المناقشة والترجيح:
استدل أصحاب القول الأول بما يلي:
1-    حديث عبد الله بن بسر- رضي الله عنه -‏ ‏جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له صلى الله عليه وسلم ‏:‏ «اجلس فقد آذيت‏»‏‏(23).‏

 

2-    وحديث أرقم بن أبي الأرقم المخزومي‏- رضي الله عنه -‏:‏ ‏‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:‏ «الذي يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ويفرق بين الاثنين بعد خروج الإمام كالجار قصبه في النار‏» (24).
 

ووجه الدلالة منهما:
ما قاله ابن عبد البر: وفي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتخطي يوم الجمعة: «آذيت » بيان أن التخطي أذى، ولا يحل أذى مسلم بحال، في الجمعة وغير الجمعة ا.هـ(25) ‏
وفي الحديث الثاني وعيد شديد وهو دال على التحريم.

 

3-    عن عبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب امرأته إن كان لها ولبس من صالح ثيابه ثم لم يتخط رقاب الناس ولم يلغ عند الموعظة كانت كفارة لما بينهما ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهرا» رواه أبو داود وغيره (26).
 

ووجه الدلالة منه:
يحرم هذا المصلي بتخطي رقاب الناس واللغو عند الخطبة هذا الثواب فتكون له ظهرا مع حضوره الخطبة والصلاة. (27)

 

4-    معاذ بن أنس الجهني - رضي الله عنه - قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسرا إلى جهنم »(28).
 

ووجه الدلالة منه:
أن هذا الوعيد لا يكون لما حكمه الكراهة.

 

ونوقش:
بأن الحديث ضعيف.

 

وأجيب عن المناقشة:
بأنه عند انفراده، لذا فهو يعتضد بالأحاديث الأخرى؛ فيكون من قبيل الحسن لغيره.

 

أدلة القول الثاني:
1- استدل أصحاب هذا القول بأدلة القول الأول وقصروا دلالتها على الكراهة ولعل الصوارف عندهم هي ما يلي:
أ‌-    أن الأحاديث ليست صحيحة(29).
ب‌-    أنها صحيحة لكن تحمل على من آذى الناس أذىً شديداً عرفًا (30)

 

ونوقش:
بأن الأحاديث صحيحة أو حسنة على أقل تقدير؛ فهي صالحة للاحتجاج وفيها وعيد وهذا لا يكون إلا مع القول بتحريم تخطي الرقاب.

 

2- ومما يُستدل لهم به الأحاديث الواردة في فضائل بعض الأعمال يوم الجمعة ومنها ترك تخطي الرقاب أو التفريق بين اثنين كحديث أبي هريرة وأبي سعيد -رضي الله عنهما-، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اغتسل يوم الجمعة، ولبس أحسن ثيابه، ومس من طيب إن كان عنده، ثم أتى الجمعة فلم يتخطَّ أعناق الناس، ثم صلى ما كتب الله له، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يفرغ من صلاته كانت كفارة لما بينها وبين جمعته التي قبلها» قال: ويقول أبو هريرة: وزيادة ثلاثة أيام، ويقول: إن الحسنة بعشر أمثالها)(31)
 

وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من الطهر ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب لـه، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر لـه ما بينه وبين الجمعة الأخرى »(32).
 

ويمكن مناقشة ذلك:
بأن إثبات الفضل فقط يستقل بإثبات حكم الاستحباب فمخالفته تكون مكروهة هذا إذا لم يكن في الباب إلا هذه الأحاديث أما وقد وجدت أحاديث أخرى فلا مانع من ذكر الأجر على فعل الواجب. مع التنبه إلا أن هذا الفضل لمن ترك تخطي الرقاب ولم يفرق بين اثنين قد جاء في سياق أعمال أخرى تستحب في يوم الجمعة فهو قد جاء تبعاً لغيره لا استقلالاً.

 

الراجح:
عند التأمل فيما سبق يتضح أن الراجح هو القول الأول؛لقوة أدلتهم، وصراحتها في هذا المقام ولإمكان الإجابة عن أدلة الأقوال الآخر، وهذا النهي هو بالإطلاق أيضاً على الصحيح سواءً كان قبل الخطبة وفي أثنائها أشد لأنه يشغل المصلين عن الاستماع، وحتى لو رأى فرجة ولا يقال إنهم فرطوا بتركها لأنهم لعلهم تركوها لسبب ما وذلك لوجود الإيذاء في جميع هذه الصور وقد ربط النهي بهذه العلة (فقد آذيت) وهذا ما اختاره العثيمين رحمه الله(33). وبالله التوفيق

 

فائدة:
قال الشوكاني: ويحتمل أن يكون التقييد خرج مخرج الغالب لاختصاص الجمعة بكثرة الناس بخلاف سائر الصلوات فلا يختص ذلك بالجمعة بل يكون حكم سائر الصلوات حكمها ويؤيد ذلك التعليل بالأذية وظاهر هذا التعليل أن ذلك يجري في مجالس العلم وغيرها(34).

 

دلالة النهي عن تخطي الرقاب يوم الجمعة
تقدم ثبوت النهي والراجح فيه التحريم للوعيد، ولعلة الإيذاء وهذا يفيد التحريم وقال الجمهور بالكراهة ولا صارف صحيح يمكن الاعتماد عليه عندهم فيبقى النهي على الأصل وبالله التوفيق.

 

_________________________________

(1) رواه أحمد(4/188، 190) وأبوداود. الصلاة، باب تخطي رقاب الناس يوم الجمعة(1118) والنسائي. الجمعة،النهي عن تخطي رقاب الناس والإمام على المنبر يوم الجمعة (3/103) وصححه ابن خزيمة(1118)وابن حبان (2790) والحاكم(1/288). وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
(2) القُصُب بالضم: المعي، وجمعه: أقصاب، وقيل: القصب: اسم للأمعاء كلها. وقيل: هو ما كان أسفل البطن من الأمعاء(النهاية في غريب الحديث والأثر.حرف القاف.باب القاف مع الصاد).
(3) رواه أحمد(3/417) وأبو نعيم في معرفة الصحابة(1009)، وابن الأثير في أسد الغابة(1/74)، والحاكم (3/504) والحديث في إسناد هشام بن زياد ضعيف جدا قال ابن حجر في التقريب(7342):متروك.
(4) مواهب الجليل(2/175)
(5) التمهيد(1/316)
(6) لأوسط(4/86) حيث قال بعدم الجواز لأن الأذية لا تجوز مطلقاً.
(7)روضة الطالبين (11/224).وقد حكى الخلاف في المجموع(4/420) وما بعدها ونقل قول ابن المنذر ولم يتعقبه ولم يرجح شيئاً.
(8)الاختيارات الفقهية(ص81).قال ابن مفلح في الفروع(3/160):وحرّمه-يعني التخطي يوم الجمعة- في(النصيحة)، (والمنتخب) وأبو المعالي وشيخنا.ا.هـ. قلت: وكتاب النصيحة لأبي بكر محمد ابن الحسين بن عبد الله الآجري البغدادي، وكتاب المنتخب من كفاية المفتي لابن عقيلعلي بن عقيل بن محمد أبو الوفاء البغدادي، وأبوالمعالي: ابن المنجى الحنبلي، يعزو إليه ابن مفلح، له النهاية والخلاصة،ألف كتاب "النهاية في شرح الهداية" في عدة مجلدات، وكتاب "الخلاصة في المذهب" وغير ذلك.
(9) حاشيتا قليوبي وعميرة (1/233).
(10) الأوسط (4/84).
(11) البحر الرائق(2/36) حاشية ابن عابدين(2/163) حيث يفهم من عباراتهم ذلك كمطلق النفي بأن لا يتخطى أو أنه يجوز التخطي إلا في حالين كذا وكذا...وهي عبارة ابن عابدين.
(12) المدونة(1/239)، حاشية الصاوي(1/509)
(13) نص عليه الشافعي في الأم(1/288)، أسنى المطالب(1/268)
(14) المغني(3/231) كشاف القناع(2/44).
(15) بعض العلماء يعد هذه التفريعات أقوالا في المسألة-كابن المنذر في الأوسط(4/85-86)وهي في الحقيقة تعود إلى كونها تفصيل لحكم الكراهة مثل هل كراهة التخطي تختص بحال الخطبة أم حتى لو كان قبلها؟ وهل الكراهة تختص بمن لم ير فرجة.أم لا؟وهل الكراهة خاصة بمن أكثر من تخطي الرقاب بحيث يكون تخطى أكثر من اثنين أم لا؟ وهكذا وأكثر المذاهب تفريعاً وروايات في هذه المسألة هو المذهب الحنبلي.
(16) حاشية ابن عابدين(2/163)،والفتاوى الهندية 1/147 ـ 148، ومنهاج الطالبين 1/287، والمغني (3/231)،وجواهر الإكليل 1/97، والشرح الكبير 1/385.
(17) حاشية البجيرمي على المنهج (1/402)، شرح منتهى الإرادات(1/318). ابن عابدين 1/553، والفتاوى الهندية 1/147 ـ 148، ومنهاج الطالبين 1/287، والمغني لابن قدامة 2/349 ـ 350، وجواهر الإكليل 1/97، والشرح الكبير 1/385.
(18) الفروع (3/160 ط التركي).
(19) الإنصاف(2/410).
(20) الروايتان والوجهان(1/185) وقد نص الإمام أحمد على أنه: لا حرمة لمن ترك ما بين يديه خاليا وقعد في غيره. المغني(3/231).
(21) المجموع(4/420).
(22) المغني (3/213) مختصر ابن تميم(2/451).
(23) تقدم في المطلب الأول.
(24) تقدم في المطلب الأول.
(25) التمهيد(1/316).
(26) رواه أبو داود أخرجه أبو داود.الطهارة، باب في الغسل يوم الجمعة(347)، والبيهقي (3/231، رقم 5679)،وابن خزيمة في صحيحه(1707) وحسنه الألباني في صحيح أبي داود وصحيح الترغيب (721).
(27) عون المعبود(2/12)
(28) رواه الترمذي.الصلاة،باب ما جاء في كراهية التخطي يوم الجمعة(513)، وابن ماجة.إقامة الصلاة، باب ما جاء في النهي عن تخطي الناس يوم الجمعة(1103) والحديث في سنده رشدين بن سعد وهو ضعيف من جهة حفظه.التقريب(1953) قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد. وجعله الألباني من قبيل الحسن لغيره عند كلامه على حديث رقم(3122)من السلسلة الصحيحة، وقد نص على أنه ضعيف قبل ذلك. انظر ضعيف الترمذي وضعيف الجامع (5516).
(29) هذا الصارف من الباحث وإلا لم أجد أحدا نص عليه اللهم ما كان من ابن حزم فقد ضعف حديث عبدالله بن بسر. المحلى(3/275)، قال ابن حجر في التلخيص(2/144): وضعفه ابن حزم بما لا يقدح ا.هـ.
(30) الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيتمي الشافعي(1/251).
(31) أبو داود، كتاب الطهارة، باب في الغسل يوم الجمعة(343)، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود.
(32) البخاري، كتاب الجمعة، باب الدهن للجمعة،(883).
(33) الشرح الممتع(5/69-70)، فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين(16/147).
(34) نيل الأوطار(3/212).