المنتقى من أحكامِ صلاةِ الضُّحى
14 جمادى الثانية 1439
فهد بن يحيى العماري




">

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد؛
فإن من السنن العظيمة التي حث وحض الرسول صلى الله عليه وسلم عليها، ورغّب فيها، سنة صلاة الضحى، وهي تتضمن أحكامًا عدة، يجهلها الكثير ويغفل بعض الناس عنها، لأن وقتها وقت انهماك الناس في أشغالهم وأعمالهم. وقد جمعت عددًا من مسائلها، وذكرت بعض الأدلة والأقوال مختصرة، لتسهل قراءتها، ولا يملّها الملول في زمن الخلاصة والسرعة والاختصار، وعددها: تسع وعشرون مسألة، مذكّرًا بها نفسي وإخواني، وهي امتداد لسلسلة الخلاصات الفقهية، وأصلها رسائل عبر برنامج التواصل (الواتس).

 

وما أهدى المرء لأخيه المسلم هدية أفضل من حكمة يزيده الله بها هدى أو يرده بها عن ردى.
 

وإذا الإخوانُ فاتَهم التلاقي *** فَما صلةٌ بأحسنَ من كتابِ
 

وقد سميته: (المنتقى من أحكام صلاة الضحى)
 

تقبله الله قبولًا حسنًا، ونفع به العباد والبلاد، والحاضر والباد، وجعله عملاً صالحًا، دائمًا، مباركًا على مر السنوات والأزمان، وأن يحيينا جميعًا على العلم النافع والعمل الصالح، وأن يمتّعنا متاع الصالحين، وأن ينصر عباده المؤمنين، هو خير مسؤول وأكرم مأمول(1).
 

أولاً: تعريف صلاة الضحى:
 هي الصلاة المفعولة في وقت الضحى وهو أول النهار.

 

ثانياً: أسماؤها:
 1-الضحى.
 2- صلاة الأوابين(2).
 3- صلاة الإشراق على قول بعض الفقهاء(3).
4- صلاة الأبرار(4).

 

ثالثاً: الفضائل والمغانم:
 ورد في الترغيب فيها أحاديث كثيرة منها ما هو الصحيح، ومنها ما هو الحسن ومنها ما هو الضعيف:
1-عن أبي ذررضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى" رواه مسلم.
*قال ابن العربي: (وهي الضحى التي من أتى بها كان من الأوابين وحمى ثلاثمائة وستين عظماً من النار).
*قال ابن عبدالبر: (وهذا أبلغ شيء في فضل صلاة الضحى).

 

2-عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال) رواه مسلم.
الأواب: الرجاع إلى الله تعالى بترك الذنوب وفعل الخيرات.

 

3-عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى الضحى أربعا لله بنى الله له بيتا في الجنة" رواه الطبراني وحسنه الألباني.
 

4-عن أبي هريرة رضي الله عنها قال: "أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت ومنها صلاة الضحى" رواه البخاري.
 

5-عن عمرو بن عبسة قال قلت يارسول الله أخبرني عن الصلاة، قال: "صل صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح" رواه مسلم.
 

6-عن نعيم بن همار، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يقول الله عز وجل: يا ابن آدم، لا تعجزني من أربع ركعات في أول نهارك، أكفك آخره" رواه أبو داود والترمذي وصححه النووي في الخلاصة.
 

قال الطيبي: أي: أكفك شغلك وحوائجك، وأرفع عنك ما تكرهه بعد صلاتك إلى آخر النهار. والمعنى: فرِّغ بالك لعبادتي في أول النهار أفرغ بالك في آخره بقضاء حوائجك، فالجزاء من جنس العمل. فمن فرَّغ نفسه دقائق لأربع ركعات أول النهار، لدقائق يسيرة، يسَّر الله بقية يومه.
 

7-عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى الضحى ركعتين لم يكتب من الغافلين ومن صلى أربعا كتب من التائبين ومن صلى ستا كفي ذلك اليوم ومن صلى ثمانياً كتب من العابدين ومن صلى ثنتي عشرة بنى الله له بيتاً في الجنة، ما من يوم ولا ليلة إلا ولله فيه منن يمن به على عباده بصدقة، وما منّ الله على عباده بشيء أفضل من أن يلهمهم ذكره" رواه البيهقي قال ابن حجر في فتحه صالح للاحتجاج به.
 

8- عن عطاء الخراساني، يقول لطاوس: إن ابن عباس رضي الله عنه يقول: "صلاة الضحى في القرآن ولكن لا يغوص عليها إلا غائص، ثم قرأ: {يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ} [ص: 18] رواه عبدالرزاق في مصنفه.
 

9-وقد فسر جمع من المفسرين قوله تعالى: {فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} بالذين يصلون صلاة الضحى.
 

فائدة:
*جاء في نهاية المحتاج: (وخصت الضحى بذلك أي بالفضل الوارد في حديث أبي ذر السابق لتمحضها للشكر؛ لأنها لم تشرع جابرة لغيرها بخلاف الرواتب).

 

*وعدها بعض أهل العلم من المالكية إلى أنها هي الصلاة الوسطى، المشار إليها في قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} كما في مواهب الجليل، وهو ضعيف.
 

*قال الرازي في تفسيره: (واعلم أن من عرف فوائد العبادة طاب له الاشتغال بها، وثقل عليه الاشتغال بغيرها).
 

رابعاً: أحكامها وهي:
المسألة الأولى: حكم صلاة الضحى محل خلاف بين العلماء رحمهم الله:
القول الأول: مستحبة مطلقاً، وهو مذهب جمهور الفقهاء والسلف كما حكاه غير واحد.

 

القول الثاني: غير مشروعة، وهذا منقول عن جماعة من الصحابة، منهم ابن عمر رضي الله عنه وهو مشهور عنه، وابن مسعود كذلك، ونقله غير واحد عن عبد الرحمن بن عوف، وأنس بن مالك، وأبي بكرة، وهو مذهب جماعة من السلف: أن صلاة الضحى غير مشروعة، بل صرح بعضهم ببدعيتها، كما نقل عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه رأى الناس يفعلونها، فقال: بدعة رواه البخاري.
 

القول الثالث: أنها تفعل حيناً وتترك حيناً آخر، كما يقول الفقهاء: يفعلها غباً، يفعلها مرة ويتركها أخرى، وهو مذهب ابن عباس رضي الله عنهما، فيما نقل عنه أنه كان يصليها يوماً، ويدعها عشرة أيام، وهو مذهب سعيد بن جبير، ومنصور وإبراهيم النخعي، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وحكاه الإمام ابن جرير الطبري والقاضي عياض رحمهما الله عن جماعة من العلماء.
 

القول الرابع: تستحب لسبب كقدوم من سفر أو تفوته صلاة الليل، واختاره ابن القيم.
 

الراجح: المشروعية مطلقاً، واختاره الشوكاني، لما تقدم في فضلها، وقد ورد فيها أحاديث كثيرة صحيحة مشهورة حتى قال محمد بن جرير الطبري: (إنها بلغت حد التواتر)(5).
 

وأجيب عن أدلة المانعين:
1-ما ورد عن حديث ابن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما من النهى عن صلاتها فيحمل:
أ-على بدعية صلاتها في المسجد فعن مجاهد، قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا ابن عمر جالس عند باب حجرة عائشة، وإذا الناس يصلون فى المسجد صلاة الضحى، فسألناه عن صلاتهم، فقال: بدعة، وقال مرة: ونعمت البدعة وورد ذلك عن مسروق عن ابن مسعود كما في شرح البخاري لابن بطال.
ب- أو عدم المداومة عليها.
ج- أو عدم علم ابن عمر بها.

 

2-ما ورد عن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي سبحة الضحى وإني لأسبحها) رواه البخاري فأجيب بما يلي:
أ-قال ابن حجر: ورد إثباتها عن عشرين صحابي، وعدّ السيوطي بضعاً وعشرين من الصحابة من كان يصليها(6).
ب- وذهب ابن عبدالبر وجماعة إلى أن عدم رؤيتها لايستلزم عدم فعله.
ج-وقيل ما رأيته يسبحها أي يداوم عليها.
د-أنه وورد عن عائشة أنها كانت تصلي الضحى ثماني ركعات ثم تقول: "لو نشر لي أبواي ما تركتها" رواه مالك والنسائي(7).
هـ-أن الإثبات مقدم على النفي، لأن المثبت عنده زيادة علم، وهذه قاعدة مهمة يحتاجها طالب العلم في الترجيح بين الأدلة.

 

فائدة: المراد بالسبحة في الأحاديث: التسبيح في الأصل التنزيه والتقديس والتبرئة من النقائص ومنه قولنا سبحان الله ويطلق على غيره من أنواع الذكر مجازاً كالتحميد والتمجيد وغيرهما، والمراد به هنا صلاة التطوع يقال لها تسبيح وسبحة والسبحة من التسبيح كالسخرة من التسخير وتسمية صلاة التطوع بذلك من تسمية الشيء باسم بعضه.
 

قال صاحب النهاية: (وإنما خصت النافلة بالسبحة وإن شاركتها الفريضة في معنى التسبيح لأن التسبيحات في الفرائض نوافل فقيل لصلاة النافلة سبحة لأنها نافلة كالتسبيحات والأذكار في أنها غير واجبة).
 

المسألة الثانية: وقتها:
من طلوع الشمس قيد رمح حتى وقت النهي قبل الزوال، ويقدر بعشر دقائق تقريباً.

 

المسألة الثالثة: أفضل وقتها:
اتفق الفقهاء أن أفضل وقتها: حين ترمض الفصال لما تقدم في الأحاديث.
قال النووي: (والرمضاء: الرمل الذي اشتدت حرارته بالشمس، أي حين تحترق أخفاف الفصال وهي الصغار من أولاد الإبل - جمع فصيل - من شدة حر الرمل (فترفع أخفافها وتضعها من حرارة الأرض) وهو مذهب ابن عباس كما في مصنف ابن أبي شيبة.

 

ويقدر الآن قبل الظهر بساعة أو ساعة ونصف، ولكن إذا خشي الإنسان الانشغال عنها في زحمة العمل أو نسيانها فالأفضل في أول الوقت، فإن تيسر له الصلاة في وقت الأفضلية صلى أخرى.
 

المسألة الرابعة: هل تفعل في المسجد؟ لها حالتان:
الأولى: إن كان الإنسان جلس في مصلاه في المسجد من بعد الفجر للانتظار إلى الإشراق فيصلي في المسجد، وهو مذهب جمهور الفقهاء، لظاهر النص الوارد في فضل الجلوس إلى الإشراق والصلاة رواه أبوداود وغيره وحسنه ابن حجر والمنذري والهيثمي والشوكاني وغيرهم(8).

 

الثانية: إن كان غير ذلك فهل يقصد المسجد للصلاة فيه محل خلاف بين العلماء رحمهم الله:
القول الأول: يشرع، وهو مذهب جمهور الفقهاء، لعدم الدليل المانع.

 

القول الثاني: لا يشرع، وهو مذهب ابن مسعود، قال مسروق: كنا نقرأ فى المسجد فنبقى بعد قيام ابن مسعود، ثم نقوم فنصلى الضحى، فبلغ ابن مسعود ذلك، فقال: لم تحملوا عباد الله ما لم يحملهم الله؟ إن كنتم لابد فاعلين ففى بيوتكم وكان أبو مجلز يصلى الضحى فى منزله) رواه ابن أبي شيبة وكان مذهب السلف الاستتار بها وترك إظهارها للعامة، لئلا يرونها واجبة.
 

الراجح: الأول، لما تقدم، والأفضل أن تصلى في البيوت أو في المكان الذي هو فيه، لعموم فضيلة النوافل في البيوت، والأدلة في ذلك مشتهرة ومتقررة من قوله وفعله صلى الله عليه وسلم.
 

المسألة الخامسة: حكم مشروعية المداومة عليها محل خلاف بين العلماء رحمهم الله:
القول الأول: عدم المشروعية، وهو قول عند الحنابلة.

 

القول الثاني: تستحب المداومة، واختاره المجد وابن الجوزي وابن عقيل والآجري.
 

القول الثالث: لا تشرع المداومة عليها حتى تلحق بالرواتب إلا فيمن ليس له قيام من الليل فإنه يشرع له المداومة عليها، واختاره ابن تيمية.
 

الراجح: الاستحباب، لأنها كسائر السنن التي وردت الأحاديث بفضيلتها وكونه صلى الله عليه وسلم لم يحافظ عليها فهذا ليس فيه دلالة على عدم استحباب المداومة وتقدم معنا في مباحث سابقة أن كان صلى الله عليه وسلم يترك الشيء من الطاعة خشية أن يفرض وخشية أن يشق على الناس، قالت عائشة رضي الله عنها: (إنْ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليَدَعُ العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس، فيُفرض عليهم) متفق عليه، وفي الشريعة له نظائر، والمداومة ظاهر فعل أبي ذر وأبي هريرة وأبي الدرداء رضي الله عنهم، وورد في بعض الأحاديث أن في الجنة باباً يقال له الضحى، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الذين كانوا يديمون صلاة الضحى هذا بابكم فادخلوه برحمة الله. رواه الطبراني.
 

المسألة السادسة: عددها.
أقلها ركعتان اتفاقاً، وأكثرها محل خلاف بين العلماء رحمهم الله:
القول الأول: أربع ركعات، وبه قال طائفة من السلف.

 

القول الثاني: ثمان ركعات، وهو مذهب المالكية وأكثر الشافعية والحنابلة.
 

القول الثالث: اثنتا عشرة ركعة، وهو مذهب الحنفية ووجه عند الشافعية ورواية عند الحنابلة، ودليلهم رواه البيهقي ومتكلم في صحته.
 

القول الرابع: لاحد لأكثرها، واختاره ابن جرير وبعض الشافعية.
 

الراجح: الأخير، لعدم الدليل الظاهر في دلالته على التحديد، وأما حديث أم هاني أنه صلى الله عليه وسلم (صلى يوم الفتح ثمان ركعات من الضحى) فليس فيه دلالة على التحديد بل قال الحافظ: لا يسلم بأنها صلاة الضحى وإنما صلاها النبي صلى الله عليه وسلم شكراً لله على فتح مكة، وجزم النووي بأنها الضحى لرواية أبي داود عن أم هاني صلى سبحة الضحى وأورد ابن عبدالبر رواية بلفظ قدم صلى الله عليه وسلم فصلى الضحى ثمان ركعات فقلت ما هذه الصلاة فقال صلاة الضحى.
 

المسألة السابعة: هل تصلى مثنى مثنى أم بسلام واحد؟
محل خلاف بين العلماء رحمهم الله:
القول الأول: مثنى مثنى، وهو مذهب جمهور الفقهاء، واختاره ابن حجر.

 

القول الثاني: تصلى أربعاً بسلام واحد، وهو مذهب الحنفية.
 

الراجح: الأول، وهو الأفضل، وهو مذهب جمهور الفقهاء أي الأفضل(9)، لرواية أبي داود وابن خزيمة في حديث أم هاني السابق بلفظ: (يسلم من كل ركعتين).
 

وورد عن ابن عمر رضي الله عنهما كان يقول: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، يسلم من كل ركعتين) رواه مالك والترمذي، وأما المرفوع فمختلف في صحته(10).
 

فرع: ويجوز أن تصلى ثمان ركعات بسلام واحد عند الشافعية، وتصح صلاة النهار مجموعة بتسليمة واحدة أربع ركعات فأكثر، وهو مذهب سفيان الثوري، وابن المبارك، وإسحاق، وهو مذهب جمهور الفقهاء عدا المالكية(11)، وقد ورد ذلك عن ابن عمر وعن نافع وعن إبراهيم النخعي (أنهم كانوا يصلون في نافلة النهار أربعاً أربعاً) رواها عبدالرزاق في مصنفه.
 

المسألة الثامنة: حكم تخفيفها محل خلاف بين العلماء رحمهم الله:
القول الأول: تخفف، لحديث أم هانئ السابق قالت: فما رأيته صلى صلاة قط أخف منها) رواه البخاري ومسلم.

 

القول الثاني: أنها لا تخفف، وإنما كغيرها من الصلوات، وورد وكان أبو ذر يصلى الضحى فيطيلها وكذا عائشة رضي الله عنهما أخرجهما ابن أبي شيبة في مصنفه.
 

وأجيب عن حديث أم هانئ: أسرع لانشغاله بأمور فتح مكة كما قال ابن حجر في فتحه.
 

الراجح: الثاني، لما تقدم، وسأل رجل الحسن البصرى هل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون الضحى؟ قال: نعم، منهم من كان يصلى أربعاً، ومنهم من كان يصلى ركعتين، ومنهم من كان يمد إلى نصف النهار) رواه سعيد بن منصور.
وعن السري، قال: (رأيت محمد بن سيرين يطيل صلاة الضحى)رواه ابن شاهين في فضائل الأعمال.

 

المسألة التاسعة: ما الذي يقرأ فيها؟.
محل خلاف بين العلماء رحمهم الله:
القول الأول: يشرع أن يقرأ بها بالشمس والضحى، لحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي الضحى بسور منها والشمس وضحاها والضحى) قال الحافظ ومناسبة ذلك ظاهرة جداً وعزاه للحاكم واختاره الزرقاني وغيره.

 

القول الثاني: يشرع أن يقرأ سورة الكافرون والإخلاص، وهو مذهب الشافعية، لأن الإخلاص تعدل ثلث القرآن والكافرون تعدل ربعه.
الأمر في هذا واسع، وإن صح الحديث لأصحاب القول الأول فيسن.

 

فرع: إذا صلى أكثر من ركعتين فيشرع أن يقرأ سورة الكافرون والإخلاص في كل ركعتين إذا كان يصلي مثنى مثنى، وإذا وصلها يقرؤهما في الركعتين الأولى فقط، وهو قول الشافعية كما في تحفة المحتاج، وهذا لا دليل عليه صريح بين من فعل الصحابة ولا التابعين في التكرار للسور بتكرر الركعات، ولكنه جائز.
 

المسألة العاشرة: هل هي سنة راتبة؟.
فيه قولان للشافعية وأكثر الشافعية على أنها سنة مستقلة.
قال النووي في مجموعه العظيم معلقاً على قول الشيرازي أنها سنة راتبة: (والأمر في هذا قريب، وتسمية المصنف لها راتبة صحيحة ومراده أنها راتبة في وقت مضبوط لا أنها راتبة مع فرض كسنة الظهر وغيرها).

 

والأقرب: ليست سنة راتبة، وهو مذهب جمهور الفقهاء، لما تقدم.
ويأتي بإذن الله في رسالة مستقلة بعض أحكام السنن الرواتب.

 

المسألة الحادية عشرة: حكم قضائها:
أصل هذه المسألة مبنية على المسألة المشهورة وهي:
هل يتعلق القضاء بالمندوب كالواجب؟.
اتفق العلماء على أن الأداء والإعادة يتعلقان بالمندوب، واختلفوا في القضاء هل يتعلق بالمندوب؛ على قولين:
القول الأول: يقضى، وهو مذهب جمهور العلماء وبناء عليه: فإنه إذا فات المندوب المؤقت: فإنه يقضى مطلقاً، كما قال العلماء: إن قضاء السنة سُنَّة كما أن قضاء الواجب واجب، والقضاء في رتبة المقضي.
ودليل ذلك: القياس على الواجب؛ إذ لا فرق بينهما من هذه الناحية، ويشملهما حد القضاء.

 

القول الثاني: أن القضاء لا يتعلَّق بالمندوب، وهو مذهب الحنفية، وقالوا: يقصر القضاء على الواجب؛ تنزيلاً عن درجة الواجب بسبب: أن طلبه غير جازم.
واستثنى بعض علماء الحنفية القضاء إذا كانت سنة مؤكدة جداً كسنة الفجر على خلاف بينهم هل هي واجبة أم سنة(12).

 

مسألتنا: حكم قضاء صلاة الضحى محل خلاف بين العلماء رحمهم الله:
القول الأول: تقضى، وهو صحيح مذهب الشافعية واختاره النووي وبه قال بعض الحنابلة، قال في الإنصاف تقضى ندباً بعد الظهر، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" رواه مسلم.

 

القول الثاني: لا تقضى، لعدم الدليل، ولأن الأصل في السنن أنها لا تقضى إلا ما ورد الدليل على قضائه: كالوتر والرواتب وقيام الليل، وهو مذهب الحنفية والمالكية وقول عند الشافعية واختاره ابن عثيمين.
 

الراجح: له حالتان:
الأولى: إن تركها لغير عذر فلا يقضي، لأن الوارد في القضاء للسنن لمن تركها بعذر.

 

الثانية: إن تركها لعذر كنوم وانشغال فالمسألة محتملة، لاحتمال الأدلة، وقد قضى الرسول صلى الله عليه وسلم السنن الرواتب والوتر وقيام الليل، فالقول بالقضاء متجه وله أصل، ولا إنكار على من قضى، والله أعلم.
 

المسألة الثانية عشرة: هل تفعل في السفر؟.
نعم تفعل في السفر، وهو مذهب جمهور الفقهاء، لفعله صلى الله عليه وسلم كما في حديث أم هاني، وورد في الحديث عن أبي هريرة قال: أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث لست بتاركهن في حضر ولا سفر: «نوم على وتر، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى» رواه مالك وأحمد.

 

المسألة الثالثة عشرة: يصح التشريك بين تحية المسجد وسنة الضحى كالجمع بين تحية المسجد والسنن الرواتب أو الفريضة.
 

فائدة: في التشريك بين العبادات:
قال ابن القيم رحمه الله: (وهذا من باب تداخل العبادات في العبادة الواحدة، وهو من باب عزيز شريف، لا يدخل منه إلا صادق حاذق الطلب، متضلع من العلم، عالي الهمة، بحيث يدخل في عبادة يظفر فيها بعبادات شتى، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء).
وقد قيل: التداخل بين النيات في العبادات تجارة العلماء.

 

المسألة الرابعة عشرة: هل تجزئ عنها صلاة الوتر إذا فاته الوتر وقضاه من النهار؟.
لم أجد نصاً للفقهاء فيها إلا أنها تخرج على مسائل التداخل المشهورة، والصحيح عدم التداخل، لأن الضحى سنة مستقلة، والوتر سنة مستقلة، وكل منهما مقصود لذاته، ولذا لا يحصل التداخل بينهما، كما أنه لا تتداخل السنن الرواتب فيما بينها، ولا تتداخل الرواتب مع الضحى، ولا تتداخل الرواتب مع الوتر، وهكذا، ومن رأى التداخل من بعض المعاصرين فهذا محل نظر، لما تقدم.

 

فرع: هل تجزئ سنة الفجر عن سنة الضحى وتتداخل؟
حكمها كالمسألة السابقة، لا تتداخل.

 

المسألة الخامسة عشرة: لا تسن لها الجماعة، لأن الأصل في النوافل تصلى فرادى إلا ما ورد به النص كالتراويح والاستسقاء وغيرهما.
قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: (وما سن فعله منفرداً كقيام الليل وصلاة الضحى ونحو ذلك إن فعل جماعة في بعض الأحيان فلا بأس بذلك لكن لا يتخذ سنة راتبة).

 

المسألة السادسة عشرة: يصح أن تقسم صلاة الضحى على أكثر من وقت، فتصلى ركعتين أول النهار وركعتين وسطه وركعتين آخره حتى ينال أجر الصلاة أول النهار وحين ترمض الفصال، لأن النهار كله وقت لصلاة الضحى كما أن الليل من بعد العشاء كله وقت لقيام الليل والوتر.
 

المسألة السابعة عشرة: تكون الصلاة سرية، فلا يجهر بالقراءة، لأن الصلاة النهارية سرية، ولعدم الدليل على الجهر، ولأنه لم يكن صلى الله عليه وسلم يجهر فيها.
 

قال ابن الجوزي في صيد الخاطر: (ولقد دخلت يومًا على بعض من كان يتعبد، وقد أقام إمامًا، وهو خلفه في جماعة يصلي بهم صلاة الضحى، ويجهر! فقلت لهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة النهار عجماء"(13) فغضب ذلك الزاهد، وقال: كم ينكر هذا علينا وقد دخل فلان وأنكر، وفلان وأنكر، نحن نرفع أصواتنا حتى لا ننام. فقلت: واعجبًا ومن قال لكم: لا تناموا؟! أليس "في الصحيحين" من حديث ابن عمرو: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "قم ونم"؟! وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام، ولعله ما مضت عليه ليلة إلا ونام فيها).
 

المسألة الثامنة عشرة: إذا كان يطوف فضاق عليه وقت صلاة الضحى فهل يقطع طوافه لأجل أن يصلي الضحى؟
القول الأول: لا يقطع سواء كان الطواف فريضة أو نافلة، وهو مذهب المالكية والحنابلة كما في حاشية العدوي والإنصاف.

 

القول الثاني: يقطع إن كان الطواف نافلة، وهو قول بعض المالكية ومذهب الشافعية كما في المجموع.
 

القول الثالث: يكره القطع في طواف الفرض، وهو مذهب الشافعية.
 

الراجح: الأول، لأنه يسير، واليسير لا يضر في قطع الموالاة، وإن كان التفريق بين الفرض والنفل متجه.
 

المسألة التاسعة عشرة: قطع السعي لأجل صلاة الضحى يجوز ويصح سعيه، وهو مذهب الجمهور، لأن السعي لا تشترط له الموالاة.
 

المسألة الموفية للعشرين: يصح أن تصلى بين الطواف والسعي، وهو مذهب جمهور الفقهاء، لأن لا يشترط الموالاة بينهما على الصحيح من قولي أهل العلم.
 

المسألة الواحدة والعشرون: هل يقطع صلاة الضحى إذا دخل عليه وقت النهي؟ محل خلاف بين العلماء رحمهم الله:
القول الأول: يقطع الصلاة، وتحرم الاستدامة، وهو مذهب الحنابلة.

 

القول الثاني: لا يقطع الصلاة ويخففها، وهو قول بعض الحنابلة كما في كشاف القناع.
 

وهذه المسألة هل تلحق بقاعدة ما يمنع ابتداء الحكم واستمراره أمما يمنع ابتداءه فقط دون استمراره ويغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء المسألة محتملة للأمرين، والله أعلم.
 

المسألة الثانية والعشرون: إن شك هل دخل وقت النهي أم لا، فماذا يفعل؟
لا يلتفت إلى الشك، لأن الأصل الإباحة، كما في كشاف القناع.

 

المسألة الثالثة والعشرون: هل يستثنى من النهي يوم الجمعة؟
محل خلاف بين العلماء رحمهم الله:
القول الأول: يستثنى يوم الجمعة، وهو قول الحسن البصري وطاووس ورواية عن الأوزاعي وقول أبي يوسف من الحنفية ومذهب الشافعية ووجه عند الحنابلة، واختاره ابن تيمية وابن القيم كما في زاد المعاد.

 

القول الثاني: لا يستثنى كسائر الأيام، وهو مذهب سفيان الثوري وابن المبارك ومذهب الحنفية والحنابلة.
 

القول الثالث: يجوز مطلقاً، وهو مذهب مالك.
 

الراجح: الأول، لما يلي:
1-    ورد عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي "أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر بن الخطاب".
قال ابن عبدالبر في تمهيده: (ومعلوم أن خروج عمر كان بعد الزوال، وهو عمل مستفيض بالمدينة).

 

2-    ندب صلى الله عليه وسلم الناس إلى التبكير يوم الجمعة ورغب في الصلاة إلى خروج الإمام من غير تخصيص ولا استثناء.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من اغتسل ثم أتى الجمعة، فصلى ما قدر له، ثم أنصت حتى يفرغ من خطبته، ثم يصلي معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام» رواه مسلم.

 

3-    عن أبي قتادة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كره الصلاة نصف النهار، إلا يوم الجمعة، وقال: "إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة"رواه أبو داود وضعفه غير واحد من أهل العلم، ولكن يستأنس به مع ما تقدم(14).
 

المسألة الرابعة والعشرون: هل هذا الاستثناء لمن في المسجد أم عام؟ محل خلاف بين العلماء رحمهم الله:
القول الأول: عام لمن حضر الجمعة ولمن لم يحضر.

 

القول الثاني: لمن حضر الجمعة فقط.
وكلاهما قولان للشافعية وقيل غيرها كما في المجموع.

 

الراجح: الثاني، للأدلة المتقدمة في المسألة السابقة.
 

المسألة الخامسة والعشرون: هل يستاك بين كل ركعتين في الضحى؟ محل خلاف بين العلماء رحمهم الله:
القول الأول: لا يستاك، وهو ظاهر اختيار بعض الحنابلة.

 

القول الثاني: يستاك، واختاره النووي والعراقي، لورود ذلك في قيام الليل، ولا فرق بين صلاة الليل والنهار.
 

الراجح: الثاني، لعموم حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستاك بين كل ركعتين من صلاة الليل) رواه أبو نعيم وجود إسناده ابن دقيق العيد(15).
 

المسألة السادسة والعشرون: هل تصلى الضحى يوم العيد قبل صلاة العيد؟
سئل الرملي الشافعي: عن صلاة الضحى يوم العيد هل الأفضل لغير الإمام أن يصليها بعد صلاة العيد أو قبلها؟
فأجاب: بأن الأفضل أن يصلي العيد قبلها.

 

والأقرب: أن الفضل في وقتها على ما تقدم في المسألة السابقة، والتفضيل قبل صلاة العيد يحتاج إلى دليل، والله أعلم.
 

المسألة السابعة والعشرون: هل يقال ذكر بعد صلاة الضحى؟
هذه المسألة مبنية على حكم صحة ما ورد عن عائشة رضي الله عنها قالت: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الضحى ثم قال: (اللهم اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم) حتى قالها مائة مرة.

 

والأقرب: أنه ضعيف، لأنه مما تفرد به راويه، وخالف فيه جمع من الرواة، وعليه فلا يسن ذكر محدد بعد صلاة الضحى، ولو صح لورد ذلك ولو عن بعض الصحابة والتابعين وغيرهم(16).
 

المسألة الثامنة والعشرون: صاحب الحدث الدائم بخروج ريح دائم أو دم استحاضة متى يتوضأ لصلاة الضحى؟
إذا توضأ بعد دخول وقت صلاة الضحى فيكفيه الوضوء الأول حتى خروج وقت صلاة الضحى، فيصلي ما شاء بالوضوء الأول، ما لم ينتقض بناقض آخر فيلزمه الوضوء، وهو مذهب جمهور الفقهاء(17).

 

 المسألة التاسعة والعشرون: حكم صلاة الضحى وقت الدوام؟
إن كان في ذلك تعطيل لواجب العمل وتأخير وتعطيل للمراجعين، فواجب العمل مقدم على سنة الضحى، وإن اقتصر على ركعتين خفيفتين فلا بأس، لأن اليسير لا يضر.

 

فائدة: حكى الحافظ أبو الفضل الزين العراقي أنه اشتهر بين العوام أنه من قطعها يعمى فصار كثير منهم يتركها أصلا لذلك، وليس لما قالوه أصل(18).
 

تنبيه: ترك صلاة الضحى أو غيرها من النوافل إذا كان بحضرة الناس لخشيته من الرياء فهذا من الخطأ، فما اعتاده الشخص من النوافل لا يتركه إذا كان بحضرة الناس، وأن يدفع تلك الخواطر الشيطانية.
 

قال الخادمي الحنفي: (ومن جملة مكايد الشيطان يشعر أن الرجل مثلا قد يكون له ورد من القرآن ومن ذكر الله أو الصلاة أو القرآن أو العلم؛ لأنه يرد به على القلب ما يرد من الفيض ولارتواء القلب به من عطش الغفلة عن الله تعالى معين كصلاة الضحى والتهجد فيقع في قوم لا يفعلونهما فيتركهما خوفا من الرياء من حملهم على الرياء فهذا الترك غلط ومتابعة للشيطان لأن بغيته قطع العبادة عن الله تعالى إذ مداومته السابقة على الوقوع في القوم دليل على الإخلاص فمجرد وقوع خاطرة الرياء في القلب بلا اختيار ولا قبول منه له ليس بضار ولا رياء ولا مخل من الخلل بالإخلاص ولأن كون أصله بإخلاص مجزوم ومتيقن وعروض الرياء مشكوك ومحتمل وقد قرر في الأصول أن اليقين لا يزول بالشك وقد سمعت آنفا أيضا ما يصحح ذلك من القواعد فيندفع ما يتوهم أن الإخلاص والرياء مما يختلف باختلاف الأوقات والأحوال فالإخلاص السابق لا يكون دليلا على ما في اللاحق فترك العمل لأجله موافقة للشيطان وتحصيل لغرضه الذي هو منع المرء عن عبادة).
وأما ترك العمل تأجيلاً له بحيث يجعله في خلوة فهذا من أحسن الأعمال، وأفضل المقاصد.

 

عبد الله: وبعد هذه الإشارات اليسيرة عن هذه السنة العظيمة، فلا تغفلنّ عنها:
قم واركع ركعات، أنِر بها قلبّك، واملأ بها صحيفتك، وزد بها رصيدك، واتصل بربك، وذكّر بها غيرك، ودع عنك العجز والكسل والقيل والقال.

 

هي تزكية للنفوس، وتطهير للذنوب، واستراحة للبال، وعون على تكاليف اليوم ومشاقه، وصدقة عن مفاصل الجسد، يسيرة العمل، عظيمة الفضل.
 

في خضم العمل ومعترك الحياة وصخبها وعُقَدها في وسط النهار يحتاج المرء أن يقف دقائق ليتصل بربه ومولاه، يضفي إلى قلبه الهدوء والسكينة والطمأنينة.
 

يحتاج أن يطلب العون والسداد والتوفيق والرشاد فيما بين يديه مما أُغلق عليه فيه أو تردد وتشتت عليه فيه عزائمه، وأمام ضجيج الناس ونزق غرائزهم وأخلاقهم، والصبر عليهم، والتوفيق توفيق، والحرمان حرمان (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)، فاللهم لا تجعلنا من الكسالى المحرومين.
 

لله درُّكَ حينَ تركعُ في الضحى *** والقلبُ من كَدَر ِالصّوارف قد صَحا
إنّ النبيّ المصطفى وصّى بهـا *** وأَتمـُّـها زَمـنـاً إذا اشتـدَّ الـضُّحــى

 

قال الدهلوي في حجة الله: (وسرها أن الحكمة الإلهية اقتضت ألا يخلو كل ربع من أرباع النهار من صلاة تذكر له ما ذهل عنه من ذكر الله لأن الربع ثلاث ساعات، وهي أول كثرة للمقدار المستعمل عندهم في أجزاء النهار عربهم وعجمهم، ولذلك كان الضحى سنة الصالحين قبل النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضا فأول النهار وقت ابتغاء الرزق والسعي في المعيشة، فسن في ِذلك الوقت صلاة ليكون ترياقاً لسم الغفلة الطارئة فيه).
 

وقال الإمام المناوي في فيضه: (وإنَّما أضافَ الصلاة في هذا الوقت إلى الأوَّابين؛ لأن النفس تركنُ فيه إلى الدعة والاستراحة، فصرْفُها إلى الطاعة والاشتغال فيه بالصلاة رجوعٌ من مراد النفس إلى مرضاة الربِّ؛ ذَكَرَه القاضي).
 

ختاماً: اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا، ونسألك ثباتاً وهدى وطهارة لقلوبنا وألسنتنا وأزواجنا وذرياتنا، وعياذاً من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ومن فتنة القول وغروره وزخرفه وفجوره، وأن يجعلنا من المتبعين المحافظين الثابتين على السنة والمجتنبين للبدعة، وأن ينصر المظلومين والمستضعفين.

 

___________________________________

(1) وقد بحثت في المكتبات الالكترونية وشروح السنة ومتونها فلم أجد من جمع أحكام صلاة الضحى في كتاب أو موضع مستقل سوى السيوطي رحمه الله في كتابه جزء في صلاة الضحى، وجمع الآثار التي في صلاة الضحى، ولم يتطرق للأحكام الفقهية فيها.
(2) وتسمى الصلاة بين المغرب والعشاء صلاة الأوابين عند الشافعية.
(3) انظر كتاب بغية المشتاق في أحكام صلاة الإشراق للكاتب.
(4) حلية الأولياء لأبي نعيم.
(5) أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل للهيتمي 408
(6) مرقاة المفاتيح 3/983 جزء في صلاة الضحى للسيوطي.
(7) ومعنى الحديث: ما تركت هذه اللذة بتلك اللذة، وهو من باب التعليق بالمحال مبالغة، قاله الطيبي، وقال ابن حجر: معناه لو خصصت بإحياء أبوي الذي لا ألذ منه من لذات الدنيا، وقيل لي: اتركي لذة فعلها في مقابلة تلك اللذة ما تركت ذلك، إيثارا للذة الأخروية، وإن دعا الطبع الجبلي إلى تقدم تلك اللذة الدنيوية، أو المعنى ما تركت هذه الصلاة اشتغالا بالترحيب بهما، والقيام بخدمتهما، فهو كناية عن نهاية المواظبة، وغاية المحافظة بحيث لا يمنعها قاطع عنها. انظر مرقاة المفاتيح
(8) انظر كتاب بغية المشتاق في أحكام جلسة الإشراق للكاتب.
(9) ويرى أبوحنيفة في الأفضلية سواء الاثنتان والأربع.
(10) قال الدارقطني في "العلل": ذكر النهار فيه وهم. قال النسائي في "المجتبى": هذا الحديث عندي خطأ وصححه النووي في الخلاصة وغيره.
(11) وذهب اللخمي من المالكية إلى جواز ذلك.
(12) المهذب في علم أصول الفقه للنملة (1/426)
(13) رواه ابن أبي شيبة "3664 و3665" موقوفًا على الحسن وأبو عبيدة، قال النووي في شرح المهذب: إنه باطل لا أصل له. "والعجماء" التي لا تنطق، أي: أن الصلاة سرية لا يجهر بالقراءة فيها.
(14) قال ابن حجر في فتحه: في إسناده انقطاع وقد ذكر له البيهقي شواهد ضعيفة إذا ضمت قوي الخبر والله أعلم
(15) بحث القاضي عبدالله الميمان التسوك بين التسليمات.
(16) انظر كلام الإمام النسائي في سننه وتعليق شعيب الأرنؤوط على مسند الإمام أحمد، وصححه الألباني في الأدب المفرد.
(17) انظر كتاب التحفة في أحكام العمرة والمسجد الحرام للكاتب فقد ذكر الخلاف في مسألة الحدث الدائم والأدلة.
(18) أهم المراجع: فتح الباري لابن حجر وابن رجب، التمهيد لابن عبدالبر، حاشية ابن عابدين، الفتاوى الهندية "بلغة السالك" حاشية العدوي، المجموع، تحفة المحتاج، كشاف القناع، الإنصاف، الموسوعة الفقهية الكويتة، التسهيل في الفقه للكاتب لم يطبع.

4 + 7 =
مجمع الفقه الإسلامي التابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي.
د. سعود بن نفيع السلمي