د. سعد بن مطر العتيبي | 5/4/1428
المقالة السابعة :
ومن أمثلة المسائل والوقائع التي تستثنى من أحكام نظائرها أيضاً : ما يفتي به بعض العلماء من منع المسلم من رعايا الدول الإسلامية من الزواج بالنساء الغربيات من أهل الكتاب ، إلا في حالات استثنائية ، مع أن الأصل جواز نكاح نساء أهل الكتاب ؛ وذلك لما يترتب على الزواج منهن اليوم من آثار لا تحمد عقباها على الزوج وذريته .
ومنها : منع الأنظمة عندنا في المملكة العربية السعودية من زواج بعض أصحاب المناصب المهمة كأصحاب الوظائف العسكرية والأمنية ، بغير السعوديات ، مع أن الأصل حل زواج المسلمات من أي بلد وأي عرق ، ومع أن الأصل أيضا حل النساء المحصنات من أهل الكتاب من أي بلد وأي عرق .
ومنها : تدخّل ولي الأمر في شؤون الأفراد في كل ظرف يغلب على الظنّ فوات مصلحة شرعية عامَّة بعدم التدخل فيه ، كمنع التدخل في أصل حق التملك ، في مسألة منع الاحتكار ، أو حق التصرف في السلعة بالبيع بالثمن المشروع في الأصل ، كما في الإلزام بالتسعير ، وهكذا التدخل بإجراءات توقف ضررا عاما في الناس .
ولعلَّ منها : التدرج في تنفيذ ما يجب تنفيذه من تطبيقات الشريعة مما يعسر تطبيقه بجملته ، و ذلك في ضوء قول الله عز وجل : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا ) [التغابن :16] . وقد مرّ ذكر حال النجاشي رحمه الله في ذلك وما استنبطه العلماء من قصته . ويلحق به كل مخلص من فرد أو جماعة ، قدر أن يعمل لهذا الدين بما يحقق مقاصده ولو بالتدرج ، دون تنازل عن الثوابت ، أو تهاون في الأصول ، أو عمل ما يعود على أصل تشريعي أو حكم شرعي بالبطلان .
وأمثلة هذا الضرب كثيرة ، بل يمكن القول - والله تعالى أعلم - : إنَّ جلّ فروع أنواع الاستحسان بالاجتهاد ، مندرجة تحت هذا الضرب من المسائل ، وهو باب واسع خطير .
ومن هنا نلحظ أن أهل العلم ولا سيما الأوائل منهم ، لم يكونوا يقرِّرون أحكاماً عامّة في هذا الباب ، لكنهم يفتون في كل مسألة وواقعة منه وفق الظرف والحال وما يحتف بذلك من مؤثِّرات في الحكم .
وكذلك لم نجد العلماء الربانيين يأخذون من تلك الفتاوى والتصرفات الاستثنائية أحكاما نهائية عامّة ، فلم نر منهم من قال - مثلاً - إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد ألغى حدّ السرقة ! كما يزعم بعض تلاميذ المستشرقين وتلاميذ تلاميذهم في هذا العصر .
وعليه فإنَّ كل مسألة من المسائل الممثل بها هنا ، لا يؤخذ منها جواز تطبيقها من كل أحدٍ وفي كل ظرف ، بل لا بد من الرجوع إلى أهل العلم ، والصدور عنهم في تقرير المشروعية من عدمها في كل مسألة مماثلة بعينها .
وهذه الأمثلة تعود في طريقة استنباطها إلى أحد أسس السياسة الشرعية التي تستند إلى أسس أخرى ، فهي من مسائل ( الاستحسان ) ووجه الاستحسان فيها هو مستند المشروعية التي عدل بها عن نظائرها لكون وجه الاستثناء فيها أقوى من وجه إبقائها على حكم النظائر الأخرى .
هذا ما ما ناسب ذكره في هذه الحلقة . وفي الحلقة القادمة سيكون الحديث إن شاء الله تعالى عن النوع الثالث ، وهو : أحكام وقائع أو إجراءاتٍ وأمور إدارية ، لم يوقف لها على دليل جزئيِ خاصِ ، من نصٍّ أو إجماع أو قياس .
وتأصيل غفل عنه كثير من طلاب العلم بل وبعض العلماء
وهل ترى ياشيخ أن سبب الفوضى الموجودة الآن من الناحية الشرعية كالجهاد ونحوه ,ان سببه هو الغفلة وعدم معرفة قواعد السياسة الشرعية؟