د.سعد بن مطر العتيبي | 26/8/1427
أسس السياسة الشرعية ومستنداتها الشرعية ، هي أسس بقية المسائل الشرعية ؛ غير أنه يكثر استناد مسائلها على الاستدلال ( طرق الاستنباط ) ؛ ولما كان الأمر كذلك ؛ فيحسن المرور على الأدلة الشرعية الرئيسة 1 ؛ ثم بيان أهم طرائق الاستنباط ( ما يعرف مجازاً بالأدلة المختلف فيها ) ، على نحو تطبيقي موجز يبين كيفية الإفادة منها في مسائل السياسية الشرعية العملية إن شاء الله تعالى . وبيان ذلك كله على النحو الآتي :
أولا : أسس السياسة الشرعية الرئيسة :
الأول : الكتـاب ( القران الكريم ) .
وهـو : كلام الله _تعالى_ حقاً ، لفظاً ومعنى ، نزل به جبريل على محمد _صلى الله عليه وسلم_ بلسان عربي مبين ، المعجز بنفسه ، المتعبد بتلاوته .
قال الله تعالى : {وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (195) } [الشعراء ] .
الثاني : السنّـة النبويـة .
وهي في اصطلاح علماء أصول الفقه : ما صدر عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ ، غير القرآن ، من قول ، أو فعل ، أو تقرير . وإن شئت فقل هي : ما شرعه النبي _صلى الله عليه وسلم_ ، بياناً أو تأكيداً لما جاء في القرآن الكريم ، أو تأسيساً لما لم يرد فيه .
حكم الرد إلى الكتاب والسنّة :
والـرَّدُّ إلى الكتاب والسُّنَّة في تأصيل الأحكام ، من المُسَلَّمات ؛ بل هو من مستلزمات الإيمان ، التي اتفق على وجوبها أهلُ الإسلام ، سُنِّيِّهم و بِدْعِيِّهم ، وقد حكى هذا الاتفاق أبو العباس ابن تيمية رحمه الله .
وهذان المصدران ظاهران ؛ وما سواهما من الأدلة متفرعة عنهما .
الثالث : الإجمــاع .
وهو في الاصطلاح الأصولي : " اتفاق مجتهدي عصرٍ ، من أمَّة محمد _صلى الله عليه وسلم_ بعد وفاته ، على أمرٍ دينيّ ". وقولهم : " على أمرٍ ديني " : المراد به أن يتعلق الإجماع بمسألة شرعيّة ، في أيّ مجال من المجالات : عبادات أو معاملات أو عقوبات ، أو غير ذلك من الأمور 2 وحجِّيَّة الإجماع ثابتة بالكتاب ، والسّنَّة ؛ يُكتفى بذكر دليل واحد منها ، وهو قول الله _سبحانه وتعالى_ : {فإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء:59 ] ؛ لأنَّه تعالى شرط في الرد إلى الكتاب والسنة وجود التنازع ؛ فدلَّ على أنَّ دليل الحكم عند عدم التنازع هو الإجماع ، وعلى أنَّ رد الحكم إلى الإجماع ردٌّ إلى الكتاب والسنة . ذكره أبو المظفر في قواطع الأدلة .
الرابع : القيــاس (الميـزان) كما يعبر بعض العلماء :
والقياس في الاصطلاح الأصولي : " إلحاق واقعة لا نصّ على حكمها ، بواقعة ورد النّصُّ بحكمها ، في الحكم لاشتراكهما في علّة ذلك الحكم " .
وقد لخص الإمام الشافعي-رحمه الله تعالى- حقيقة القياس و كيفيّته في قوله : " كلّ حكم لله ورسوله وجدت عليه دلالة فيه أو في غيره من أحكام الله أو رسوله بأنّه حُكِم به ؛ لمعنىً من المعاني ، فنزلت نازلةٌ ليس فيها نصُّ حكمٍ - : حُكِمَ فيها حُكمَ النّازلة المحكوم فيها ، إذا كانت في معناها " ( الرسالة : 512 ) .
وموضوعه : طلب أحكام الفروع المسكوت عنها ، من الأصول المنصوصة بالعلل المستنبطة من معانيها لِيُلحق كلّ فرع بأصله " قاله الروياني .
وأمّا حجِّيَّته فثابتةٌ بالكتاب ، والسنَّة ، والآثار ، والإجماع .
فمن الكتاب أدلة منها ، قول الله تعالى : {إِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء:59] ؛ إذ ليس يخلو أمر الله تعالى بالرد إلى كتابه وسنة رسوله _صلى الله عليه وسلم_ عند التنازع ، من أحد ثلاث معانٍ :
- إمّا أن يكون أمراً برد المتنازع فيه إلى ما قد تولى الله ورسوله الحكم فيه نصاٌ ، فهذا لا معنى له ؛ إذ أيُّ اختلاف يقع في هذا .
- وإمّا أن يكون أمراً برده إلى ما ليس له بنظير ولا شبيه ، ولا خلاف أنّ ذلك لا يجوز .
- وإما أن يكون أمراً بردِّه إلى جنسه ونظيره مما قد تولى الله ورسوله الحكمَ فيه نصَّاً فيستدلّ بحكمه على حكمه ، وهذا هو المعنى المتعيّن ؛ و هو القياس الشرعي .
ومن السنَّة : قصة المرأة الجهنيّة التي جاءت النبي _صلى الله عليه وسلم_ ، فقالت : ( إنَّ أُمِّي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت ، أفأحج عنها ؟ ) قال : (( نعم حجي عنها ، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته ؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء )) ؛ فهذا نص صحيح عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ ، صريح في مشروعيَّة إلحاق النظير بنظيره المشارك له في علَّة الحكم ؛ لأنَّه _صلى الله عليه وسلم_ بين إلحاق دَين الله تعالى بدَين الآدمي بجامع أن الكلَّ حق مطالب به تسقط المطالبة به بأدائه إلى أهله ، وهو واضح في الدّلالة على القياس .
وأمَّا الإجماع ؛ فقد أجمع الصَّحابة رضي الله عنهم ، على العمل بالقياس في وقائع كثيرة اختلفوا فيها فصار كل واحد منهم إلى نوع من القياس ، فلم ينكر صاحبه ذلك منه ، مع إنكاره عليه قضيّة حكمه ، كمسألة الجدّ ، والمشتركة ، وميراث ذوي الأرحام ؛ فإن الاختلاف بينهم في هذه المسائل مشهور ، واحتجاجهم فيها من طريق القياس مذكور.
وقد نقل الإجماع على حجيته والاتفاق على الرجوع إليه عند عدم النص ، غيرُ واحد من العلماء ؛ منهم : أبو حامد الغزَّالي ، وابن عبد البر ، وبدر الدين الزركشي ، وغيرهم .
وقال أبو المظفَّر : " ذهب أكثر الأمَّة من الصَّحابة والتَّابعين وجمهور الفقهاءِ والمتكلِّمين إلى أنَّ القياس الشَّرعيَّ أصل من أُصول الشَّرع ويستدلُّ به على الأحكام الَّتي لم يرد بها السّمع " .
ولهذا يُعدّ القياس رابع الأدلَّة المتفق عليها ، لأنَّ الخلاف فيه ضعيف جداً ، هذا إن لم يكن لفظيَّاً.
والقياس الصحيح مُظْهِرٌ لحكم الله تعالى - الذي يحمله عموم معنى النص المَقِيْسِ عليه - لا مُثْبِتٌ له ابتداءً ؛ لأنّ مُثْبِتَ الحُكْمِ هو الله عز وجل ؛ فليس هو دليلاً مستقلاًّ ، وإنما هو طريق من طرق استثمار الأحكام من الأدلة السمعية ؛ للوصول إلى معنى اللفظ و معقوله ؛ و هو مما تعبدنا الله به كما مرّ .
ثانياً : أسس السياسة الشرعية الاستنباطية ( الاستـدلال ) .
الاستدلال يراد به : ما كان مستنداً للحكم غير النص والإجماع والقياس ، مما هو عائد إليها .
وإن شئت فقل هو : محاولة الدليل الشرعي من جهة القواعد ، لا من جهة الأدلة المعلومة .
وحقيقته : الاجتهاد الشرعي في استنباط حكم لم ينص عليه بعينه .
هكذا عرفه في هذا الباب بعض من عبَّر به من علماء الأصول . والتعبير به تعبير بالحقيقة ، بخلاف التعبير بالأدلة المختلف فيها فهو تعبير مجازي عند أهل الأصول .
وببيانه يتجلَّى المستند الشرعي التنظيريُّ للمستجدات في السياسة الشرعية ، كغيرها من المجالات الفقهية .
وأدلة أصل " الاستدلال " كثيرة ، إجمالية وتفصيلية .
وسيأتي ذكر بعضها ، مع جملة من أهم هذه الطرائق والمستنداتِ التي لها الصلة الأقوى في تأصيل السياسة الشرعية في عدد من الحلقات القادمة _إن شاء الله تعالى_ .
---------------
1- حتى لا يُظن أنها ليست مستندا للمسائل السياسية الشرعية كما يظن بعض الباحثين ، ذلك أن من الباحثين من يظن أن أسس السياسة الشرعية هي ما يعرف بالأدلة المختلف فيها . وهذا ما يمنعه واقع العلم بمسائل السياسة الشرعية وطرق استنباطها ، كما سيتبيّن _إن شاء الله تعالى_ في الحلقات القادمة . وقد سبق ذكر بعض الشواهد السياسية التي استند فيها إلى الكتاب والسنة . مما يؤكِّد بطلان استبعاد كونها من أسس السياسة الشرعية أيضا .
2- وعلماء الإسلام يريدون به إخراج ما لا يصح أن يكون موضوعاُ للإجماع ؛ كالاتفاق على حكم مسألة لُغَوِيَّة أو فلكيّة أو هندسية أو نحو ذلك من المسائل التي ليس الاتفاق عليها اتّفاقاً على حكم شرعيّ . وبهذا يظهر فساد ما زعمه بعض أساتذة القانون - ممن يَرجِعُ إلى كتبه كثيرٌ من الباحثين في القوانين وأصولها - من أنَّ هذا القيد يفيد إخراج أمور الدنيا ، موضحاً مراده بتمثيله لأمور الدنيا بالأحكام الدستورية ، وهذه لوثة من الفكر الغربي ، لم يَدُرْ بخلد علماء الإسلام أنَّ أحداً يظنه بهم فضلاً عن أن ينسبه إليهم .
أولا جزا الله د. سعد بن مطر العتيبي خيرا على ماقدم من معلومات مهمة في السياسة الشرعية وآمل أن يستمر على هذا المنوال
ثانيا أوجه الإتفاق والاختلاف بين السياسة الشرعية ومقاصد الشريعة آمل أن يتطرق لها .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
متى سوف تطرح التطبيقات؟
الأخ سليمان الشيبي :
وجزاك الله خيرا ، وأرجو أن ترى ما يفيد بإذن الله تعالى ، والمقاصد مرتبطة بالأسس وما يبنى عليها ، وتتبين إن شاء الله تعالى عند بيان التطبيق على نحو أكثر وضوحا .
الأخ أبا مراد :
تطرح التطبيقات المعاصرة بعد الانتهاء من الأسس إن شاء الله تعالى ، مع ما سبق وما سيأتي إن شاء الله تعالى من تطبيقات الفقهاء السابقين .
الأخ أبا عبد الله :
وهذا ما أتمناه إن شاء الله تعالى بعد اكتمال الصورة ووضوح الفكرة وتصحيح ما قد يحتاج إلى تصحيح وتوضيح .