الشيخ/ جماز الجماز، أ/ حمدي نور الدين | 5/5/1425
تبذل حلقات تحفيظ القرآن الكريم في المساجد جهوداً جبارة في تحفيظ القرآن للناشئة، ورغم أهمية هذا الأمر إلا أن مقارئ القرآن الكريم التي يشير إليها كاتبا المقال تضاهي حلقات التحفيظ في الأهمية إن لم تزد عليها، لكنها لم تجد من يتكفل بها، كما أنها تصلح لجميع فئات المجتمع، حتى الكبار والعوام، حيث لا يستطيعون الحفظ، وتناسبهم جداً هذه المقارئ، أتركك أخي القارئ مع هذه الفكرة وتفصيلاتها. «مشرف النافذة»
مقدمة:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد:
فقد اختص الله - عز وجل - هذه الأمة المباركة أن أنزل عليها أفضل كتبه المتعبد بتلاوته , ورتب – سبحانه - على مجرد قراءته الأجور العظيمة فضلاً عن تدبره والعمل به , فهو حبل الله الموصل إلى رضوانه وجنته - تبارك وتعالى-، وقد تكفل – سبحانه - بحفظه وصيانته من الضياع والاندثار، ومن التحريف والتبديل إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً .
وإن من حفظه - عز وجل - للقرآن أن قيض له أئمة وعلماء قاموا وشمروا عن ساعد الجد، وواصلو الليل والنهار وأفنوا أعمارهم في ضبط حروفه ومبانيه على الصفة المتلقاة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنقلوا كل شيء يتعلق به حتى يكون غضاً كما نزل، وهؤلاء الأعلام الذين اجتمعت الأمة على إمامتهم في هذا الشأن حاشاهم أن يكونوا قد زادوا فيه أو نقصوا منه أو أضافوا إليه أو غيروه ما لم يكن منه فإن ذلك منافٍ لحفظه - عز وجل-، وقد قال سبحانه: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" (الحجر:9)، ونود في هذا المشروع أن نكمل مسيرة هؤلاء الأئمة الأعلام, وندعوا الأمة أفراداً وجماعات ومؤسسات دعوة جادة لإنشاء مقارئ للقرآن الكريم تعنى بضبط التلاوة وتجويدها وألا يقتصر على حلقات تحفيظ للقرآن الكريم، حيث إن فئاماً من الناس كثير من الحفاظ لا يحسنون التلاوة، ويقعون في أخطاء وذلك في بعض الأقطار، فكان لزاماً على الأمة تصحيح هذا الخطأ الفادح , والعمل على تلافيه ,والاستفادة من تجارب بعض البلدان التي استطاعت تجاوز هذه المشكلة وإليك البيان.
أهمية مقارئ القرآن الكريم:
مقارئ القرآن الكريم لها أهمية بالغة؛ لأنها تعنى بمدارسة القرآن الكريم تلاوة وليس حفظاً و العلماء الكرام سموا قراءة القرآن الكريم قراءة سليمة تجويداً للقرآن الكريم , والتجويد هو التحسين، والتحسين يدخل فيه أمران: حد الصحة وحد الكمال وما يخالف التجويد أمران:
أولاً :اللحن الجلي، وهو مخالفة ظاهرة لكل أحد وهو ما خالف حد الصحة، واللحن المقصود به (الخطأ والميل عن الصواب) والجلي المقصود به (الواضح البين)، وهذا النوع من اللحن ينافي القراءة السليمة منافاة تضاد , وهو عبارة عن الخلل الذي يطرأ على لفظ القرآن الكريم فيخل بمبانيه ومعانيه وبلاغته وإعجازه.
ثانياً: اللحن الخفي، وهو مخالفة غير ظاهرة لكل أحد، وهو ما خالف حد الكمال الزائد عن الصحة، وهو: خلل يطرأ على اللفظ فيخل بعرف القراءة ورونقها.
وهو نوعان :
1/نوع يعرفه كل من طلب علم التجويد، فهو يتعلق بتطبيق القواعد والأحكام الدائرة في جميع القرآن الكريم .
2/نوع لا يعرفه إلا المختصون المهرة في القراءة، فهو يتعلق بكيفيات تطبيق هذه القواعد ومقاديرها ,وكيفية النطق بالكلمات المختلفة بشكل سليم ,وكذلك ما يتعلق بالوقف والابتداء.
فإن قيل ما الفرق بين اللحن الجلي وبين النوع الثاني من اللحن الخفي، وهو لحن أشد خفاء وهو ما لا يدركه إلا الحذاق المهرة من القراء عن طريق الضبط على شيخ متقن مما يتعلق بالمخارج والصفات، وهو ما يتفاضل فيه القراء مع أن كليهما يتغير معه المعنى؟
قيل : إن اللحن الجلي هو تغيير واضح للمعاني لكل من له دراية ولو بسيطة بقواعد اللغة العربية وفيه إجحاف ببعض الحروف، وهو في مقدور كل أحد تعلمه واجتنابه بقليل من الجهد, أما اللحن الخفي وإن كان يحيل المعنى ويغيره أحياناً ويخل برونق القراءة أحياناً إلا أنه ليس في وسع كل أحد ملاحظته إلا بإمعان النظر والذوق السليم للنطق باللفظ القرآني المتلقى من فم الشيخ المتقن وكثرة التدريب عليه.
أهداف مقارئ القرآن الكريم:
1/ النصح لكتاب الله - عز وجل - وخدمته.
2/ ربط المسلمين بكتاب ربهم وتوثيق الصلة به.
3/ القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي جعله الله في عنق الذين أوتوا العلم كما قال - عز من قائل-: "وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ" (آل عمران: من الآية187).
4/ إحياء لطريقة العرض بين الطالب والشيخ، وهي الطريقة الوحيدة الصحيحة لتعلم القرآن الكريم، وهذا معنى قول السلف :- القراءة سنة متبعة يأخذها الآخر عن الأول .
5/ تحقيق القراءة السليمة، وذلك بتجنب اللحن الجلي والخفي.
6/ تصحيح قراءة بعض القراء وخاصة أئمة المساجد.
7/ الاهتمام بتدبر القرآن الكريم، فإن القراءة الصحيحة سبب للفهم والتدبر.
8/ فتح المجال أمام الراغبين لإتقان القرآن الكريم والعمل به ولو لم يكونوا حفاظاً.
9/ تخريج أجيال في جميع أنحاء العالم من مختلف شرائح المجتمع يحسنون قراءة القرآن الكريم تلاوة ويجتنبون اللحن الجلي والخفي ولو لم يكونوا حفاظاً.
10/ استغلال الإمكانات المتاحة والتقنيات الحديثة وتسخيرها لتعلم وتعليم كتاب الله في كل بلد.
كيف تنفذ مقارئ القرآن الكريم:
1/ تكون هذه المقارئ تابعة لوزارة الشؤون الإسلامية أو المراكز الإسلامية أو الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم أو مكاتب الدعوة, أو إدارة المساجد أو نحوها على أن تقوم بتحمل جميع الأعباء رسمية أو مادية.
2/ ينبغي الاستفادة من القطاع الخاص والمحسنين لتحمل نفقات المقارئ أو رعاية بعض البرامج المنفذة في المقارئ؛ لأن الناس حريصون على خدمة كتاب الله أشرف كتاب على وجه الأرض .
3/ يقوم الخطباء والدعاة والوعاظ في المنطقة بالتوعية الكافية لهذه المقارئ وحث الناس على الالتحاق بها والاستفادة منها رجالاً ونساءً صغاراً كباراً.
4/ تقوم الجهة المختصة بإلزام من تراه يحتاج لهذه المقارئ من الأئمة والمؤذنين والدعاة وطلبة العلم بالحضور والمواظبة والاستفادة ومحاسبة المقصر.
5/ يُدرس فيها المتخصصون الأكفاء من القراء ويفضل حملة الأجازات في القرآن الكريم أو من دونهم ممن يحسنون التلاوة ولو لم يكونوا حفاظاً للقرآن الكريم.
6/ إقامة حلقات مقارئ في المساجد أو الدور على غرار حلقات التحفيظ وتقسم إلى مستويات .
7/ يعرض في المقارئ القرآن الكريم و يقسم إلى مستويات , كل واحد منها يحدد بمقدار معين ويشمل المستويات القرآن الكريم كاملاً.
8/تقام هذه المقارئ بنحو ثلاثة أيام أسبوعياً في ساعة من اليوم تناسب المستفيدين.
9/ تقام كل مدة اختبارات فترية لقياس مستوى الملتحقين بالمقارئ في القراءة السليمة وأحكام التلاوة والتجويد، ويفضل أن يكون هناك مكافآت تشجيعية.
10/ ينبغي أن يكون فيها حوافز مادية من الهدايا أو معنوية كالتشجيع والثناء أو نحوها من الرحلات واللقاءات بغية تجديد النشاط وتثبيت الروابط بين الجميع.
ثمرات مقارئ القرآن الكريم:
1/ رفع الحرج وربما الإثم عن التالين للقرآن الكريم، وخاصة الدعاة والقائمون بالعمل العلمي و الدعوى والتربوي في المجالات المختلفة.
2/ العمل على نشر قواعد القراءة السليمة الخافية على كثير من الناس.
3/ تشجيع كثير من الناس على الالتفاف حول كتاب الله – تعالى - وتحبيبهم فيه.
4/ فتح المجال لكثير من الذين يتحرجون من الذهاب لحلقات التحفيظ صغاراً وكباراً، إما لعدم قدرتهم على الحفظ أو لعدم رغبتهم في الحفظ لتعلم القراءة السليمة.
الخاتمة:
وفي نهاية المطاف ,هذا جهد متواضع أردت به وضع لبنة في سبيل خدمة كتاب الله - عز وجل-, ونسأل الله - تعالى - أن تكون صالحة مباركة، وإن المسؤولية الكبيرة تقع على كواهل أهل العلم ومن أقدرهم الله على صنع القرار أو المشاركة فيه أو التأثير عليه,أنْ يُولوا هذا المشروع العناية التامة حتى يرى النور, وتنعم الأمة بضبط كتاب ربها تلاوة وتجويداً، أسأل الله - عز وجل - بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرد المسلمين إلى دينهم وكتاب ربهم رداً جميلاً ,وأن ينفعنا ويرفعنا بالقرآن الكريم , وأن يهدينا لما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وأن يرزقنا العمل به والفهم فيه، وألا يجعل حظنا فيه إقامة حروفه, وأن يغفر لنا ولوالدينا ولمشايخنا ولعلمائنا وكل من له حق علينا، كما نسأله - جلت قدرته - أن يتقبل هذا العمل ويكتب له القبول حتى يعم به النفع لكل مسلم ومسلمة, وأن يكلل أقوالنا وأعمالنا بالنجاح إنه جواد كريم، وما كان فيه من توفيق فمن الله وحده , وما كان من خطأ أو وهم فمني والشيطان والله ورسوله منه بريئان "إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ" (هود: من الآية88).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كم نعاني من سماع تلاوات عوام الناس من أخطاء في المصحف، والتحفيظ يقتصر في الغالب على الشباب المتحمس للحفظ، أما الذين لا يستطيعون الحفظ سواء كانوا شبابا أو فوق ذلك، فإنهم يبقون حبيسي اجتهاداتهم الشخصية، ولهذا فإنك تكاد تصم أذنيك عندما تستمع إلى شخص يقرأ القرآن، لأنك حتما ستسمع أخطاء تجعلك حائرا بين تصويبه ولو كان كبيرا مما يوقعكما في حرج، وبين أن تتركه يبقى ملازما لهذا الخطأما بقي حيا.
إن هذه المقارئ لتحل جزءا كبيرا في نظري من هذه المشكلة، ليندرج الذين لا يحفظون أو لا يستطيعون الحفظ ضمن حلقات التلقين أو تصحيح وتصويب التلاوة.
فيا ليت هذه الطريقة تكون منتشرة في بلادنا.
وشكرا للكاتبين.
فلو كانت هناك مقارئ لتصحيح القراءة فقط خاصة لعامة الناس الذين يصعب عليهم القراءة كما نراها موجودة في الحرمين لكن لماذا لايكون هناك تبني لها من قبل الجمعيات الخيرية للقرآن ؟
ليس كل الناس مطالبين بالحفظ الكامل للقرآن لكننا مطالبون بالنطق السليم من غير لحن خاصة الجلي .
نشكر شيخينا على طرح هذه الفكرة الرائعة في هذا الموقع الممتاز .