24 ذو القعدة 1435

السؤال

أودّ أن أشكر موقعكم الأغر الذي أتاح لنا هذه المساحة البيضاء للفضفضة عما يختلج في نفوسنا، مشكلتي مع والدي، فأنا شاب أبلغ من العمر ٢٧ عامًا، توفيت والدتي- يرحمها الله- منذ زمن، ووالدي- أعانني الله على بره- رجلٌ قارب الستين عامًا، وتعليمه محدود، مشكلة والدي- حفظه الله- أنه دائمًا ما يضع نفسه في مواقف محرجة ومخجلة لا تتسق مع عمره، فهو اجتماعي بطبعه، ومع ذلك فهو شديد السخرية والشماتة بمن حوله، لا يقبل النصح مني ولا من أيٍ من إخوتي، فنحن في نظره أطفال وهو فوق النقد.
أحيانا يرى في التمسكن سُلَمًا للحصول على المال والزكاة، مع أنه لا يستحقهما، لأن مرتبه جيد، بحثت له عن امرأة ليتزوجها لعل الله يصلح حاله، فكانت النتيجة رفضه لها، ولفكرة الزواج جملة وتفصيلاً.
تفاجأت ذات مره بوجود برنامج محادثة صوتية على جواله، وبوجود بنات يتحدثن مع آخرين بعبارات نابية، ناصحته ووعظته، قلت له: يا أبتي تكرمًا احذف البرنامج، نهرني وغضب، وأغلق جواله، قال سأغلق جوالي وسأخرج!.
غاية ما أخاف عليه هو أن يهوي هذا البرنامج وغيرُه بوالدي نحو المجهول، علمًا بأنه أبٌ لخمس بنات، لا توجد أسرار في العائلة، فكل أسرارها تلاك على كل لسان، مؤخراً علمت من أحد أعمامي بوجود صك قديم على الوالد، من أيام جدي، يبطل وصايته على البنات!!!!، ووالدي لا يعلم بهذا الصك!!!.
أرشدوني، فالحيرة تكاد تقتلني، وما ذكرته هو غيض من فيض...

أجاب عنها:
همام عبدالمعبود

الجواب

أخانا الكريم:
السلام عليكَ ورحمة الله وبركاته، وأهلا ومرحبا بكَ، وشكر اللهُ لكَ ثقتكَ بإخوانِكَ في موقع (المسلم)، ونسأل الله (عز وجل) أن يجعلنا أهلا لهذه الثقة، آمين.. ثم أما بعد:
أودّ في البداية أن أشكر لك مشاعرك الطيبة تجاه والديك، وحرصك على برهما، سواءً والدتك – أسأل الله أن يرحمها ويتقبلها في الصالحين-، أو والدك هدانا الله وإياه إلى الحق والصواب، فقد سرني عند ذكرك لوالدك أن تردفها بكلمات مثل "أعانني الله على بره"، "حفظه الله"، "أخاف عليه"، وهي كلمات إن دلت على شيء فإنها تدل على حرصك على بره، وحذرك من عقوقه.. فجزاك الله خيرًا على نيتك الطيبة، أسأل الله أن يثيبك عليها خيرًا.
وقد فهمت من رسالتك أن والدك "قارب الستين من عمره"، وأنه "اجتماعي بطبعه"، وأنه "أبٌ لخمسة بنات"، كما فهمت من رسالتك أنك تأخذ عليه بعض الأمور، ومنها "أنه دائمًا ما يضع نفسه في مواقف محرجة ومخجلة لا تتسق مع عمره"، وأنه "شديد السخرية والشماتة بمن حوله"، وأنه "لا يقبل النصح مني ولا من أيٍ من إخوتي"، وأنه يرى نفسه "فوق النقد"، وأنكم "في نظره أطفال".
ثم تقول إنك "تفاجأت ذات مرة بوجود برنامج محادثة صوتية على جواله، وبوجود بنات يتحدثن مع آخرين بعبارات نابية"، وتردف أنك "ناصحته ووعظته، وقلت له: يا أبتي تكرمًا احذف البرنامج"، لكنه نهرك وغضب وأغلق جواله. وتشير إلى أنك تخاف عليه من "أن يهوي هذا البرنامج وغيرُه بوالدي نحو المجهول". خاصة وأنه "لا توجد أسرار في العائلة"، و"كل أسرارها تلاك على كل لسان"، وتقول "الحيرة تكاد تقتلني".
أخي الحبيب:
كلفنا اللهُ (عز وجل) بالقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فقال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:110]. وأوضح لنا سبحانه أن الأقارب هم أولى الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال (عز وجل) لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم): ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:214]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:6].
وروى النسائيُ في السنن الكبرى، عن جرير بن عبد الله البجلي (رضي الله عنه) قال: بايعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على النصح لكل مسلم. وروى مسلم في صحيحه عن تميم الداري (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «الدين النصيحة» قلنا لمن، قال «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم». وأوضح لنا الهدي النبوي أن الأصل في الاحتساب على الناس عامة أن يكون بالرفق واللين واللطف والأدب والتواضع، وإذا كان كذلك مع عامة الناس، فإنه يكون مع الوالدين أولى. وإن المتأمل في كتاب الله (عز وجل) ليجد توجيهاً شديد الأهمية إلى الوالدين.
قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا* وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:23-24]. وقال أيضًا: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا..﴾ [الآحقاف:15].
وقال أيضًا: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت:8]. وحتى في حال كونهما مشركين، بل ودعاة إلى الشرك، ويجاهدون الولد عليه، فإن التوجيه الإلهي شدد على: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا... ﴾ [لقمان :15].
وقد حكى القرآن لنا كيف احتسب إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم، على أبيه آزر، والمدقق فيها يلمس حرص إبراهيم عليه السلام على انتقاء الألفاظ التي يدعو بها أباه آزر، قال تعالى في محكم التنزيل: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم- 45]. وانظر إلى كلمات: (يَا أَبَتِ)، (إِنِّي أَخَافُ)، (أَن يَمَسَّكَ)، (عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ)... احتساب كله أدب، واختيار موفق لكلمات الاحتساب.
وعليه فإنني أنصحك – أخي الفاضل- بالآتي:
1) استعن بالله (عز وجل)، والجأ إليه، واطلب منه التوفيق والمعونة، فأكثر من الدعاء والابتهال إلى الله ان يهدي لك والدك، وان يصرف عنه كيد الشيطان ومكره.
2) راجع نفسك كثيرًا، وانتق كلماتك جيدًا، وأنت تتحدث مع والدك.
3) اختر الوقت المناسب، والمكان المناسب، للحديث معه.
4) ابدأ حديثك معه بالثناء عليه، وشكره على جهده وبذله في سبيل تربيتكم.
5) كن لوالدك بمثابة الصديق المقرب، اجلس معه، واحك له مشاكلك، واطلب منه أن ينصحك بحكم خبرته الطويلة في الحياة، وأفهمه أنك بحاجة إلى نصحه، وأنك لا تستغني عنه.
6) استعن – بعد الله عز وجل- بأحب الناس إليه، وأقرب الأقرباء منه، وأصدق الأصدقاء له، اجلس معه بعيدًا عن أبيك، واحك له الأمر، واطلب منه ان يتدخل بأسلوب راقٍ، وبطريقة غير مباشرة.
7) ابحث عن نقاط الاتفاق معه، والقواسم المشتركة بينكما، وابنِْ عليها، وتجنب نقاط الاختلاف بينكما، وابتعد عن الصدام معه، مهما كانت الأسباب والدوافع.
8) كن له سترًا وغطاءً، ولا تفضحه أمام نفسه ولا أمام الناس، ولا تسلط الضوء على أخطائه مهما كبرت.
9) اصبر على كلامه الشديد، وتعنيفه الكثير، ولا تتذمر أمامه، ولا تبدِْ له الضيق والتبرم، من كلامه أو أفعاله.
10) ذكره بما قدمه من أجلكم من معروف، وما بذله من جهد، وتغافل عما بدر منه من سوء، وغض الطرف عما لا يعجبك من تصرفاته.
وختامًا؛ نسأل الله (عز وجل) أن يصلح لك والدك، وأن يهد قلبه للاستجابة للنصح، وأن يوفقك إلى بره ورضاه، وأن يجنبك عقوقه وغضبه، وأن يصرف عنكما كيد الشيطان ومكره.. اللهم آمين.. وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.