9 شعبان 1440

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله، أما بعد
أنا شاب في العشرينات من العمر ، على الرغم من أني لا أنوي الزواج في الوقت الحالي ولكني أريد من الله أن يوفقني وأجد الزوجة الصالحة الجميلة التي تسرني إذا نظرت ، وتطيعني إذا أمرت ، وتحفظ نفسها ومالي إن غبت عنها.
أمي واهلي يعتقدون أن الزوجة القريبة في النسب هي فقط الزوجة الصالحة ، حيث أنها مهما كانت سيئة فهي لن تسيء إلى حماتها. واستدلوا على ذلك بأن معظم من تزوج من أهلنا من نساء غريبات تزوجوا نساء غير صالحات - بحسب وجهة نظرهم - ولكني قرأت قبل فترة قصة زواج القاضي شريح من زينب التميمية ، وتأملت هذه القصة ، وأردت أن أحظى بزوجة تجمع الصلاح والجمال مثل زوجة شريح ، فهل مثل هذه الزوجة موجودة في واقعنا اليوم؟ وإذا كان كذلك كيف أجدها؟
جزاكم الله خيرًا

أجاب عنها:
همام عبدالمعبود

الجواب

أخانا الحبيب:
السلام عليكَ ورحمة الله وبركاته، وأهلا ومرحبا بكَ، وشكر اللهُ لكَ ثقتكَ بإخوانِكَ في موقع (المسلم)، ونسأل الله (عز وجل) أن يجعلنا أهلا لهذه الثقة، آمين.. ثم أما بعد:
فعندما طالعت استشاراتك أعجبني فيها عدة أمور؛ منها: صدقُك ووضوحُك وصراحتُك؛ حيث كنتَ صادقًا وواضحًا وصريحًا بقولك: (أنا شاب في العشرينيات من العمر)، و(... لا أنوي الزواج في الوقت الحالي). وقد كشفت عبارتك (أريد من الله أن يوفقني...) عن مسلم واعٍ صحيح العقيدة، يؤمن بربه، ويتوكل عليه، ويثق في إرادته وتوفيقه. كما أعجبني في رسالتك تقديمك لشرط "الصلاح" على شرط "الجمال"، وإن كنت ربطتهما معًا فجعلتهما معطوفيّن، فقلت: (... وأجد الزوجة الصالحة الجميلة).

 

وقد أثلج صدري وضوح الرؤية لديك، وبيان مقصودك بـ(الزوجة الصالحة الجميلة)؛ والذي فصلته بقولك: (التي تسرني إذا نظرت إليها)، و(تطيعني إذا أمرتها) بما ليس فيه معصية، و(تحفظ نفسها ومالي إن غبت عنها). وهو فهم ينطلق من قول النبي (صلى الله عليه وسلم): "خير النساء من إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا أقسمت عليها أبرتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك". وفي رواية للإمام أحمد بن حنبل، سُئِلَ النبيُ (صلي الله عليه وسلم): أي النساء خير؟، قال: "التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه فيما يكره في نفسها ولا في ماله".
 

ولدي الحبيب:
اعلم- زادك الله فقهًا في الدين- أن ما ترجوه في زوجة المستقبل (الصالحة الجميلة)، هو ليس بدعًا من القول، وليس خروجًا عن الدين، بل إنه من المقبول بشرط أن يسبقه الدين والصلاح وهو ما أوصانا نبيُنا وحبيبُنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، عندما أوضح لنا أن الناس يقصدون المرأة لصفات أربع. فقد روى مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة (رضي الله عنه)، أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك".

 

غير أن للشطر الأخير من الحديث (... فاظفر بذات الدين تربت يداك)، قيمة كبيرة، يجب أن نحرص عليها، حيث أن النبي (صلى الله عليه وسلم)، بعدما عدد لنا الصفات الأربع التي يطلب الرجالُ النساءَ من أجلها، وهي: المال والحسب والجمال والدين، رجَّح لنا صفة "الدين"، وهو ما يعني أن "الدين وحسن الخلق" يجب أن يكون العامل المشترك فيما يجب أن تتصف به المرأة من صفات تدعو الرجال للزواج منها.
 

ابني المسلم:
أود هنا أن أؤكد على عدة أمور، على درجة من الأهمية، في فهم حديث النبي (صلى الله عليه وسلم)، سالف الذكر، والذي حدد لنا فيه الصفات الأربع، وهي:
1) أن اشتراط البعض توفر صفة "الجمال" فيمن يرغب في الزواج منها، ليس فيه مخالفة شرعية، ولا يجب أن ننظر إليه كما لو كان قد اقترف إثمًا، خاصة إذا ما كان يرجو بهذا الشرط "التعفف عن الوقوع في الحرام"، "كف نفسه وغض بصره عن النظر إلى النساء بعد الزواج".

 

2) ضرورة وأهمية توافر "الصفة الأساسية"، و"الشرط الرئيس"، فيمن ترغب في الزواج منها، ألا وهو "الدين وحسن الخلق".
 

3) الحذر من أن نبتغي بالزواج غير ما قصد منه الشارع الحكيم، حتى لا يعاقبنا الله ويبتلينا بخلاف ما تمنينا، فيقول النبي (صلى الله عليه وسلم) فيما رواه الطبراني: "من تزوج امرأة لعزها لم يزده الله إلا ذُلاً، ومن تزوجها لمالها لم يزده الله إلا فقرًا، ومن تزوجها لحسبها لم يزده الله إلا دناءة، ومن تزوج امرأة لم يرد بها إلا أن يغض بصره، ويحصن فرجه، أو يصل رحمه بارك الله له فيها وبارك لها فيه". وقد روى ابن ماجة بسنده عن عبد الله بن عمرو (رضي الله عنه)، قال: "لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين، ولأَمة سوداء ذات دين أفضل". وفي رواية أخرى (...ولأمة خرماء ذات دين أفضل)، والخرماء: أي مشقوقة الأنف والأذن.
 

ولدي العزيز:
أما عن قولك: (أمي وأهلي يعتقدون أن الزوجة القريبة في النسب هي فقط الزوجة الصالحة)، فهو اعتقاد غير صحيح على إطلاقه. فهناك من يفضل (الزوجة القريبة)، ويرى أنها الأنسب للزواج، لاعتبارات كثيرة منها: قلة التكلفة المادية، التيسير في الاشتراطات، أضمن لبر الوالدين بعد الزواج؛ لكونها قريبة للأب أو الأم، وهو ما يجعلهما بالنسبة لها في مقام العم او الخال، أو العمة او الخالة، ... إلخ.

 

وهناك من يفضل (غير القريبة)، ويرى أنها الأفضل لاعتبارات كثيرة أيضًا منها: الصحة؛ والبعد عن احتمالات انجاب أطفال مصابين بأمراض مزمنة، أو مشوهين، وهو ما أثبتته بعض الدراسات العلمية والطبية الحديثة، فضلاً عن التجديد وتوسيع دائرة الأرحام، والقربى بإضافة عائلة جديدة إلى عائلة الزوج....إلخ.
 

أما عن استدلالاتهم بأن (معظم من تزوج من أهلنا من نساء غريبات كن غير صالحات)، فهو تعميم خاطئ، وهناك في حياتنا العملية مئات بل آلاف الأمثلة لشباب تزوجوا من خارج العائلة، وبعيدًا عن دائرة القرابة، ورزقهم اللهُ "الزوجة الصالحة" التي كانت أكثر برًا بزوجها ووالديه من زوجة أخيه ذات القربى، فلكل حالة من حالات الزواج ظروفها، وأمر البر والصلاح بيد الله عز وجل، ولا علاقة له بالزواج من القريبة.
 

وقبل النهاية؛ أستميحك عذرًا– ولدي الحبيب- أن أعدل المصطلح الذي صككته في رسالتك، فبدلاً من أن تنشغل بالبحث عن (الزوجة الجميلة الصالحة)، أدعوك للبحث عن (الزوجة الصالحة الجميلة)، لأن للتقديم والتأخير هنا مهم وشرط في شريعتنا، التي تقبل مرحبة "الزوجة الجميلة" شريطة ان تكون صالحة، وتحذر في الوقت نفسه من "الزوجة الجميلة" غير الصالحة، التي لا تتصف بالتدين ولا حسن الخلق.
 

وثق يا بُنَيَّ أن (الزوجة الصالحة الجميلة)، مثل زينب التميمية زواج القاضي شريح، موجودة في أيامنا هذه، وهي ليست بقليلة، وإن كانت عزيزة، فإنها تحتاج إلى بحث وتنقيب، وتواصل مع أهل الخير والصلاح، ممن تثق في دينهم وأخلاقهم ومعاملتهم الطيبة، كما أوضح أن "الجمال" مفهوم واسع، لا يقتصر على الصفات التي تعلق بأذهان البعض منا، والتي تنحصر في جمال الجسد، وتتعداه إلى جمال الروح، وطيب المعشر، ولين الطباع، وحسن الخلق، وبشاشة الوجه، ومحبة الطاعة.
 

وختامًا؛ نسأل الله (عز وجل) أن يرزقك (الزوجة الصالحة الجميلة)، التي تكون سببًا في دخولك الجنة، وأن يبارك لك فيها، وأن يبارك لها فيك، وأن يصرف عنكما كيد الشيطان ومكره.. اللهم آمين.. وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.