د. العمر في حوار حول رمضان: كيف نبقي وهج العبادة طوال رمضان؟
15 رمضان 1437
موقع المسلم

الاقتصاد في العبادة
ترتيل القنوت وسجعه
مجموعات التواصل والتخول بالموعظة
لهذا اختيرت سورة "الأحزاب" للبرنامج

 

 

أكد فضيلة الأستاذ الدكتور ناصر بن سليمان العمر أن التوسط والاعتدال في العبادة في رمضان هي الطريقة المثلى للإبقاء على حماسة المسلمين للعبادة طوال شهر رمضان المبارك.
ولفت فضيلته في حواره مع موقع "المسلم" إلى أن طبيعة رمضان ذاتها تساعد على ديمومة العبادة فيه وانتظامها حتى العشر الأواخر.

 

 

وحث فضيلته إخوانه من الدعاة إلى تخول الناس بالموعظة في رمضان، وإلى مخاطبتهم بما يستطيعونه من عبادة، مشدداً على أن النماذج الفريدة في سلفنا التي كانت تختم القرآن في يوم واحد ونحو هذا ليست هي الحالة السائدة في السلف، وأنه لا ينبغي إشعار الناس بأن هذا هو ما كان عليه حال السلف على الدوام، ما قد ينجم عنه تأثيرات تربوية سلبية عند بعض الناس.

 

 

وتناول د.العمر في حواره بعضاً من الأمور التي تجول بخاطر المصلين في رمضان كتقصد المساجد لحسن الصوت، أو سجع القنوت وطوله وترتيله، محدداً إطاراً واضحاً لمسألة "الاعتداء في الدعاء" في هذا الخصوص.
وكشف فضيلته عن أسباب اختيار سورة "الأحزاب" لهذا العام في برنامجه الرمضاني "ليدبروا آياته"، وصلتها بالواقع الذي يعيشه المسلمون حالياً.

 

 

نص الحوار:

 

في هذا الشهر الكريم كيف للمسلم أن يحافظ على وهج حماسته للعبادة متقداً طوال الشهر ولا يتراخى بعد أيام من مبدئه؟
لأن الله سبحانه وتعالى يعلم طبيعة الإنسان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن لكل عمل شرة ولكل شرة فترة" [رواه أحمد]؛ فقد جعل تركيبة رمضان عكس المألوف؛ فجعل الإغراء بالفضل في آخره في العشر الأواخر، حتى يقابل الضعف الذي يحدث.. هذه هي المسألة الأولى.

 

 

أما المسألة الثانية فهي في الحياة كلها ينبغي أن يتلزم بها، ليس في رمضان وحده، وهي مبدأ التوازن والوسطية والاعتدال، والتي توصل إلى المبتغى، فحتى في عالم الحيوانات يكون هذا؛ فيقولون إن الخيل التي تمشي بهدوء هي التي تصل للنهاية، بينما التي تسرع تتوقف من قريب ولا تدرك بغيتها، وهذا مشاهد ومعلوم.

 

 

ولذلك على المسلم أن يتوازن في عبادته في رمضان وفي غيره، مثلما كان النبي صلى الله عليه وسلم يربي صحابته على منع الاندفاع. دخل يوماً على عائشة رضي الله عنها وعندها امرأة، قال: من هذه؟ قالت: فلانة، تذكر من صلاتها، قال: مه، عليكم بما تطيقون، فوالله لا يملُّ الله حتى تملوا، وكان أحب الدِّين إليه ما داوم عليه صاحبه. [رواه البخاري].

 

 

وقصته مع عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه معروفة، حين كان يصوم النهار ويقوم الله، فلما أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالتخفيف امتثل، لكن مع الالتزام بصيام يوم وإفطار يوم، وختم القرآن في ثلاث ليالٍ، لكن لما أسن ابن عمرو وشاخ جعل يقول: "يا ليتني كنت قبلت رخصة النبي صلى الله عليه وسلم" [رواه البخاري]..

 

 

فكان النبي صلى الله عليه وسلم يرسم هذا المنهج، ومسؤولية العلماء والمربين والآباء أن يحدثوا هذا التوازن في تربية الناس في هذا الأمر ويوجهوهم، ليس بالمنع الذي قد يحدث إشكالاً تربوياً، إنما يوجهونهم لخطورة هذا الاندفاع.

 

 

 

عطفاً على ما ذكرتم، تجدون أحياناً بعض الدعاة يستدعي روايات عن السلف عن ختم القرآن كثيراً في رمضان، ويتحدث بخطاب يحمل على هذا الاندفاع لدى البعض ثم يكتشف من يندفع في خضم الحياة أنه لا يطيق ذلك؟
هذا لا شك قد يصلح في التربية الفردية وليس في التربية الجماعية. والدليل على ذلك أن ما ينقلونه عن بعض السلف هو منقول عن قلة منهم، ويكفي أنهم قلة أنهم يعدون، فليس هذا هو غالب فعل السلف؛ فمثلاً حينما يتحدثون عن أن عثمان رضي الله عنه قام الليل بالقرآن في ليلة، وأن الشافعي يختم في اليوم مرتين؛ فإنما هم يتحدثون عن حالات فردية، ولذا فإن ابن رجب يذكر في كتابه "لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف"، في وظائف شهر رمضان شيئاً عجيباً، يقول إن بعضهم كان يقوم في الليل لا يقرأ إلا نصف صفحة في الركعة.

 

 

فالاعتدال مطلوب، فإذا وجدت شخصاً ذا قوة وعزيمة فيمكن أن تذكر له مثل هذه النماذج المطيلة بالقيام والقراءة، أما عموم الناس؛ فمن الخلل المنهجي أن نعمم فعل البعض من السلف على الكل، وهذا غير صحيح، وقد تجد في المقابل منهم من يمر عليه رمضان دون أن يختم القرآن، فتبقى أن ثمة فوارق فردية تهيئ لكل شخص ما يناسبه؛ فلا ينبغي أن يعمم، وإنما ينبغي أن تطرح الأمور بتوازن.

 

 

وهكذا  كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل مع كل شخص بما يناسبه ويحثه على ما يتوافق معه، فنعم أوافقك الرأي بأن لدينا خللا، حتى في إلقاء الكلمات في المساجد والكم الهائل منها ففيه نظر، وشيخنا عبدالرحمن البراك حفظه الله يرى أن كثرة إلقاء الكلمات في رمضان يسبب السآمة لكثير من الناس، ويحث على الاقتصاد فيها والاعتدال.

 

 

كما أن كثرة الشحن يُحدث اندفاعاً غير عملي، ثم يصطدم الإنسان بالواقع، في ظروف نفسه وأهله وعائلته، ثم يحدث الفتور الذي أشرتَ إليه. فنعم أنت وصلت لنقطة مهمة، أن هناك خللاً منهجياً يجب أن يُعدل في توجيه الناس وتعليمهم.

 

 

 

إلى ما تفضلتم به، ألا ترون أن ثمة خللاً أيضاً نلمسه في بعض مواقع التواصل أو مجموعات الواتس ومجموعات التليجرام وغيرها، في مجافاة فكرة التخول بالموعظة التي كانت يتبعها النبي صلى الله عليه وسلم في خطابه لأصحابه، ما قد يفقد هذه المواعظ بريقها ويخرجها عن هدفها ويقلل من قيمتها؟ 
نعم، صحيح؛ فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يُمل كلامه والصحابة هم أعلى الأمم التي مرت في التاريخ، ومع هذا يتخولهم النبي صلى الله عليه وسلم بالموعظة كما في قصة ابن مسعود، القصة كما في البخاري: (كان عبد الله يذكر الناس في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، لوددت أنك ذكرتنا كل يوم، قال: أما إنه يمنعني من ذلك، أني أكره أن أملكم وإني أتخولكم بالموعظة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها مخافة السآمة علينا)؛ فلذلك أنبه الإخوة الدعاة جميعاً أن يعتدلوا حتى في طريقة كلماتهم كماً وكيفاً لا كثرة الأيام ولا طول الوقت فحسب، ولذلك الآن قد تلحظ أناساً يلقون كلمات، ولا يجلس أمامهم إلا خمسة أشخاص مثلاً، وربما جلسوا مجاملة، وربما استخدم بعضهم جواله استحياءً من القيام وترك المجلس، لماذا؟ لأنه غير مهيأ لسماع الموعظة؛ فالناس قد ملوا من كثرة الكلمات، ونحن مع هذا لا نعمم الحكم.

 

 

ولذلك لا أفضل إلقاء الكلمات في مناسبات الزواج، وقد وجدت يوماً في كلام امرأة - نُقل إليَّ كلامُها - تعقلاً ومنطقاً، تقول: "كنا في مناسبة زواج فجاء شخص يتكلم عند الرجال ويُنقل إلى النساء فقالت امرأة: هؤلاء الدعاة يلاحقوننا حتى في مناسبات الزواج ونحن جئنا لكي يرى بعضنا البعض، وما جئنا لسماع مواعظ!"، فليس من المناسب أن تفرض على الناس الاستماع إلى كلمة، وهم جاءوا ليسلم بعضهم على بعض؛ فتُوْقِعهم في الحرج، إن سكتوا تصبح مشكلة لهم، وإن تكلموا أحدثوا ضوضاء تشوش على المستمعين، فهناك خلل في هذا الجانب يجب أن ينبه له كثير ممن يرتبون الكلمات وغيرها.

 

 

 

بالعودة إلى العبادة في رمضان: خير الأعمال وأحبها إلى الله كما في معنى الحديث أدومها وإن قل، هذه القلة أو هذا القليل كيف ينضبط من شخص إلى آخر، وكيف لا يعتبره البعض مهرباً من الالتزام بعبادات مثلاً؟
نرجع لما قلنا سابقاً، وهو أن يضع الإنسان ميزاناً لضبط عمله بحيث لا يصل إلى أقصى حد يستطيعه، إنما دون الحد الأقصى؛ فيستطيع أن يوازن ويراعي ظروفه، وكما في الحديث: "وكان يقول أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل" [رواه مسلم]، "أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل" [رواه مسلم]، كلها صحيحة.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم كما تقول عائشة: "كان عمله ديمة" [رواه البخاري] أي مستمراً لا ينقطع، ولذلك قالوا عن المُنْبَتّ: هو الذي لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى. ولما جاء بعض الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم ليتبرع بكل ماله يمنعه النبي صلى الله عليه وسلم، وتكرر مراراً، ككعب بن مالك وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما،  ويقول ابن عباس وددت أن الناس لو غضوا من الثلث إلى الربع، وهذا خير كثير، وأبو بكر رضي الله عنه هو الحالة النادرة الذي خرج من كل ماله.

 

 

فالمنهج: عندما نقرأ القرآن، وعندما نقرأ السنة، وعندما نرى سير الصحابة نجد توازناً واعتدالاً، فكل إنسان أعرف بنفسه وظروفه؛ ولذلك لما سئل شيخ الإسلام عن أي العمل أفضل في رمضان إطالة القيام أو كثرة السجود أو قراءة القرآن، بيّن أن الأمر يختلف من شخص إلى آخر، فبعض الناس يرغب أو يناسبه كثرة القرآن وبعضهم طول السجود وهكذا،  وهذه حكمة الله سبحانه وتعالى؛ فالمسألة منهج تربوي واعتدال.

 

ومن واجب المربين والآباء أن يرشدوا الأبناء عن الاندفاع حتى يصبح العمل ديمة بإذن الله.

 

 

ومن جانب آخر، فإن من زاد في العمل قد يخشى عليه أن يحدث لديه العجب والامتنان، يقول الله عز وجل: {وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} بينما شعور الإنسان بالتقصير هو الذي يدفعه دائماً إلى الاستمرار بسبب تقصيره، أما الشعور المعاكس بكثرة العمل؛ فربما يورث عنده شيئاً من الإعجاب الذي قد يحبط عمله.

 

 

 

أيضاً، بعض المتعبدين يحرصون في رمضان على تقصد مسجد ما لسبب صوت قارئ أو ما إلى ذلك، أو بعض الأئمة قد يطيل في القنوت بشكل لافت للنظر أو ما شابه ذلك ما نصيحتكم في ذلك؟
بالنسبة إلى تنقل الناس للبحث عن المناسب صوتاً، فأنا أتسامح فيه، لأن طبائع النفوس ورغباتهم تختلف وهذا قد يشجعهم على العبادة، فلا أشدد فيه  مثلما شدد البعض بحيث قال إنه لا ينبغي للمرء أن ينتقل عن مسجد حارته أو يلتزم بمسجد، إذ لا دليل على ذلك؛ فما دام هو مرتاح لهذا ويجد قلبه في هذا فليفعل. وما دام هذا القارئ قد رزقه الله هذا الصوت فالنبي صلى الله عليه وسلم أثنى على صوت أبي موسى - كما تعلمون - فليكن.

 

 

لكن موضوع القنوت الآن هذا هو الإشكال، فلم يكن معروفاً عند السلف بهذا الطول الذي يجاوز أحياناً عشر دقائق أو ربع ساعة، بما يجعل الناس تمل وتتعب، ويفعل الإمام ذلك كل مرة، فليته يطيل مثلاً في يوم في الشهر أو ما شابه ذلك، بل ليته يتركه أحياناً؛ ليعلم المصلون أنه ليس واجباً، ويذكر ابن رجب في كتابه اللطائف أن أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه كان لا يقنت كل ليلة، وكان يتركه كثيراً؛ فالناس تمل هذا التكرار والطول والانتظام به حتى إذا ما تركه مرة فرح بذلك المصلون!

 

 

 

وأيضاً يتخول الناس فهو من الموعظة التي تحدثنا عنها؛ كما أنه فيه تعد أحياناً، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى في سورة الأعراف: {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف:55]
أقول: يا ليتهم بالجملة يقسمون الدعاء لقسمين: دعاء عام مختصر ودعاء خاص؛ فيكون اليوم مثلاً فيه الدعاء للمجاهدين، وغداً لأحوال المسلمين المستضعفين وهكذا.  ولا يطيل مثل ما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قنت لا يطيل.
والصحيح في القنوت قنوت النوازل أنه لا يطال فيه، بخلاف ما يفعله بعض الأئمة بالتوسع بالدعاء فيه لأمور المسلمين كلها! هذا غير صحيح، إنما الصحيح في القنوت أن تدعو بكلمات للحالة النازلة؛ لأن القنوت استثناء وليس أمراً مستمراً على الصحيح.

 

 

 

فهل تنصحون بالالتزام بأدعية الكتاب والسنة أكثر؟
لا، الأمر فيه سعة. أنا لا أرى التشديد على الناس؛ فلا شك أن الدعاء الوارد في الكتاب والسنة هو الأصل، لكن لا مانع حسب الحاجة أن يزيد، أهم شيء ألا يعارض الكتاب والسنة.

 

 

 

لكننا قد نرى في الدعاء سجعاً ونرى تفاصيل كثيرة عن الجنة ونعيمها، وكأنها خطبة! 
الشيخ العلامة بكر أبو زيد رحمه الله له رسالة في هذا، وشدد في هذا الموضوع، لكنني حين أتأمل في دعاء الميت عن النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا" [رواه أبو داود]، أجد أن النبي صلى الله عليه وسلم فصّل في هذا ، وهذا دعاء ثابت؛ فأحياناً التفصيل له دلالة يجب أن نعتدل فيه ولا نشدد في هذا الأمر.
وهذا مع أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطي جوامع الكلم، وتجد النبي صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار". والاعتدال مطلوب؛ فالإطالة والتفاصيل الزائدة التي ينساق فيها البعض مع عواطفهم دون التزام خطأ وقد يكون فيها اعتداء في الدعاء، لكن إذا كان تفصيلاً له ما يناسبه وله دليله فلا حرج في ذلك.

 

 

 

أيضاً ترتيل الدعاء؟
والله ما أعرف له أصلاً؛ فالدعاء يجب أن يكون من قلب إلى قلب. وأنا لا أعرف أصلاً لهذا الترتيل الذي يحدث، وإن كان قليلاً في بعض المساجد.

 

 

 

يعني المشابهة بالقرآن أليس من الخطأ؟
هذا قد يكون كما قلتَ، فإذا كان الصحابة قد جلسوا فترة لا يكتبون الحديث، فلم يُدَوَّن الحديث إلا بعد المائة الأولى، في عهد عمر بن عبد العزيز؛ خوفاً من أن يختلط مع القرآن، فما بالك بهذه الأصوات التي لا تدري هل هو يقرأ قرآناً أو يقنت، خاصة مع عامة الناس؟! هذا ملحظ صحيح.

 

 

 

 

للأب والأم دورٌ كبيرٌ في إشعار صغارهم بأهمية الشهر الفضيل، وتعويدهم على العبادات ونقلهم من مستوى تربوي إلى آخر في رمضان، بماذا تنصحون في هذا الخصوص؟
هذا صحيح، فالحقيقة أن للوالدين تأثيراً  كبيراً في تربية الأبناء على تعظيم الشهر أو تعظيم حرمات الله، وإشعارهم قبل مجيئه بفترة أننا مقبلون على حدث عظيم جداً، وهو شهر رمضان.
ثانياً ينبغي الاعتدال في تكليفهم، بأن يكون ترغيباً كما في الحديث في عاشوراء، التي قالت عنه الصحابية الربيع بنت معوذ رضي الله عنها: "فكنا نصومه بعد، ونصوم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام، أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار" [رواه البخاري]، لكن لا يشدد عليهم، حتى لا يكرهون الصيام، إنما توضع لهم الجوائز، وهذا هو المنهج الصحيح.
وأذكر قديماً كان الآباء يهيئون أبناءهم للصيام مبكراً، وكان المجتمع كله يشجع على هذا الأمر، أما اليوم فهناك غفلة، حتى إن بعض الآباء لا يفطر مع أولاده ولا يتسحر معهم، وبعض الأمهات أصبحت مشغولة عن أبنائها، وهذه المطاعم فرقتنا وأفقدنا رمضان بعضاً من سماته، ولكن ما زالت القرى تحتفظ بشيء من ذلك حتى الآن.
وأذكر أننا ونحن صغار في المرحلة الابتدائية، ما نترك أبداً صلاة التراويح ولا قيام الليل برغبة داخلية، فما كان أحد يأمرنا بهذا، لأننا نعتبره جزءاً من رمضان، وكنا نخدم المصلين، فكنت تشعر بوقع رمضان، لكن أعود وأقول بأن الأصل قائم وهو أن الأبوين عليهم عامل مهم جداً كما أشرت.

 

 

 

حسناً، لكن في بعض البلدان، في الغرب والشرق، ربما يقع على الوالدين عبء أكبر من التعويد على الصيام أو ما شابه، ففي البلدان العلمانية قد يجد الوالدان في رمضان فرصة عامة لربط الأولاد بالدين عموماً، ليس صياماً وتلاوة فحسب، وإنما بشيء من السيرة والقصص وربما الفقه البسيط.. هل تتفقون مع هذا التوجه التربوي حينئذ؟
أنا أنصح بأن يكون هناك تكافؤ في التربية طول السنة، لكن لا شك عندما تفضل العبادات زمناً أو مكاناً، ولهذا ابن رجب في كتاب اللطائف تحدث عن وظائف الأشهر - وهو كتاب عظيم أنصح بقراءته، وعلماؤنا كانوا يعنون به - وجاء بالأشهر ابتداء من محرم إلى ذي الحجة، وبيَّن وظيفة كل شهر، يشعرك أنك تنتقل بين الأشهر ووظائفها من جنة إلى أخرى، بينما ارتسم الآن في ذهن بعض المسلمين أن العبادة في رمضان أو الحج والباقي كأنه ليس لله، ولذلك جاءت الكلمة القديمة التي تروى عن أحد السلف بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان. لذا يجب أن يربى الناس على التوازن، بين فضل الزمان والمكان وضرورة استغلال هذه الفرص في العبادة، وبين ديمومة العبادة والمحافظة عليها في سائر العام ومراعاة خصائص ووظائف الأشهر.
 

 

 

 

 

هل تلحظون تراجعاً في حالة التدين في رمضان أو العبادة في رمضان عن ذي قبل في المجتمعات الإسلامية تلحظون نوعاً من التراجع؟
لا، ما أظن، ربما أخالفك في هذا، تلحظ مثلاً الزيادة الهائلة في إيجارات الغرف الفندقية في المناطق المحيطة بالحرم، بما يعكس إقبالاً كبيراً، كذلك الازدحام الحاصل برغم التوسعات الهائلة في الحرم جزى الله من وسعها خيراً، والازدحام الشديد في سائر أيام السنة ليس فقط في رمضان في الطواف والسعي.
وفي غير الحرمين تجد الآن إقبالاً على المساجد من قبل الأذان، وتجد الصفوف الأولى ممتلئة مبكراً في غير رمضان، أما فيه فشيء آخر، عدا الصلاة، إقبال على المكث في المساجد وتلاوة القرآن.. صحيح أن هناك تقصيراً وتفريطاً، لكننا نلمس في المقابل إقبالاً متزايداً ويجب أن ندعم هذا التوجه.

 

 

 

لكن ربما في بعض الدول هناك تراجع ملحوظ..
أنا لا أستطيع أن أحكم عموماً على العالم الإسلامي؛ لأني لم أقضِ رمضان خارج المملكة، لكن كمؤشرات أجد أحياناً مؤشرات طيبة وقبولاً، في محاضرات ألقيها عبر الهاتف في أوروبا أو في دول عربية، على الهواء مباشرة، يحدثني المنظمون أن تلك المساجد كانت مليئة رجالاً ونساء؛ فلا شك أن هناك إقبالاً.
وستبقى طبيعة البشر، حتى في وقت النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث صلاة السهو "فخرج سرعان الناس"، فحتى هؤلاء الذين ينفرون سريعاً بعد الصلاة كانوا موجودين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلذلك يجب أن نتعامل تعاملاً طبيعياً، ونتوقع التفاوت فهذه حكمة الله عز وجل.

 

 

 

التأثير الإعلامي في رمضان ألا تشعرون أنه يزداد أثره على المجتمع بشكل سلبي كل عام عن سابقه؟
نعم، أنا أوافقك، هذه مصيبة، بل أعتبرها بلية كبرى خاصة للأبناء، لاسيما مع الأجهزة الذكية التي سلبت عقول الصغير والكبير، وقد حدثني متخصص للبصريات قبل أيام، قال قمت بدراسة باتفاق مع إدارة التعليم على عدد من المدارس من أنحاء الرياض؛ فوجدنا بعد أخذ عينة كبيرة أن 40% من طلاب الابتدائي في أطراف الرياض في الوسط والشرق وغيره يحتاجون إلى نظارات بسبب هذه الأجهزة لا لأسباب وراثية ونحوها، يقول أجرينا دراسة علمية فوجدنا سببها في هذه الجوالات التي يعكفون عليها يومياً عشر ساعات أقل أو أكثر، والتي قد أثرت حتى في تفكيرهم، وبصرهم، وعلاقاتهم الاجتماعية.. والخوف على العقول أكبر من العيون على أهميتها.

 

 

 

نعم الإعلام بمفهومه الواسع قد سلب عقول الناس؛ فالبعض يظن أنه قد أنهى المشكلة بالاقتصار على القنوات الهادفة، نعم هذا جيد، ولكن ماذا عن هذه الأجهزة، وأبناؤك الذين لا يرون أصلاً هذه القنوات، ويتجولون بأجهزتهم حول العالم وإعلامه الساحر لعقولهم، ولذلك نحن نحتاج لدراسات لكيفية التعامل مع هذه المشكلة، وإلا فالأمر ينذر بكارثة في الأمة، وخاصة في بلاد المسلمين، وأخص بلادنا؛ لأن الأرقام تؤكد أن المملكة العربية السعودية بالذات تستحوذ على نسب عالية جداً في التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام الحديث.

 

 

 

هل من نصيحة في هذا الصدد فيما يخص رمضان؛ فالبعض يقاطع مواقع التواصل في رمضان مثلاً، فما رأيكم؟
لستُ مع مبدأ المقاطعة دائماً إلا بحدود، صحيح أن بعض السلف كالإمام مالك، المحدث العظيم رحمه الله كان يترك التحديث من أجل العناية بالقرآن، لكن نقول ينبغي ألا نعمم الحالة؛ فقد يكون التخفيف النسبي هو الصحيح لكيلا ينقطع المرء عن الواقع، ولا إشكال في أن ينقطع بسبب عبادة كصلاة وصيام وقراءة القرآن.

 

 

 

لكنني كنت توقعت أنك تسأل عما ينبغي أن نفعله مع أبنائنا؟
الآن ينقطع الأب كثيراً وتتعدد اهتماماته، وتصبح مشكلة هؤلاء الأبناء كيف نعالج مسألة ولعهم بمواقع التواصل، وهذا يحيلنا إلى قضية الدراسات وأهمية أن نعمل على إيجاد حلول عملية لذلك، وأن يصار إلى إيجاد منهج تربوي في كل بيت بما يناسب أحواله وخصوصياته، وأن نرسخ فكرة الاقتناع لدى أولادنا، لأن اليوم لا يصلح معه إلا الإقناع والحوار، ولذا نحن بحاجة لبرنامج مدروس لأن الله ما أنزل من داء إلا أنزل له دواء.

 

 

 

أيضاً الفضائيات، يلحظ أن ثمة إقبالاً شديداً من الأسر والنساء خصوصاً على المسلسلات التافهة وما شابهها بكثرة لم تكن في السابق.
صحيح، ولها أسباب عديدة، أهمها الفتور، ومنها الفراغ، وأيضاً من أسبابها وسائل التواصل التي يدل فيها صديق السوء على بعض هذه البرامج والمسلسلات السيئة.
كذلك من أسبابها إخفاق الوالدين في إقناع الأبناء بالبعد عنها، ونحن نجد في المقابل نماذج لأسر ناجحة في صرف أبنائها أو نسائها عن كل ما يضرها ولا ينفعها من هذه البرامج، ولو بتوفير بعض البدائل مع مراعاة أخف الضررين.
أذكر أن أحد كبار العلماء قبل عقود كان يجلس مع أحد المسؤولين في حضور بعض العلماء؛ فتحدث العالم عن بعض المحرمات الموجودة في برامج التليفزيون (قبل ظهور الفضائيات)، فقال له المسؤول: "نحن لا نرضى بالحرام ولا المكروه"، فقال له العالم: "مسامحينكم في المكروه لكن فكونا من الحرام"؛ فنحن في ظل هذا الواقع ينبغي ألا نتشدد، فالبعض لا يرضى من القنوات الهادفة بأنها قد تبث برامج لا تصرف الناس إلى القرآن، لكن في الحقيقة نحن لا نملك الناس، وبعضهم إن لم يشاهد هذا انصرف إلى القنوات الهابطة، فمنهج العالم هذا، منهج جميل في الحقيقة.

 

 

 

شيخ الإسلام في مسألة المغول كانت له نفس النظرة..
نعم، ينبغي مراعاة المصالح والمفاسد وأخف الضررين.

 

اخترتم في هذا العام سورة الأحزاب في عام برنامجكم "ليدبروا آياته" الثامن.. لماذا هذا الاختيار؟
سورة الأحزاب ليست الأولى، فقد سبقتها سور، وسبقتها آيات مختارات، والحمد لله.

 

لكن بالنسبة لهذا الاختيار هذا العام، وجدتها كأنها نزلت اليوم، وهذا من عظمة القرآن العظيم؛ فإذا نظرنا إلى أحوال المنافقين ومؤامراتهم، وإذا رأينا إلى داخل البيت المسلم وما يحتاج إلى القدوة وهو قطعاً رسولنا صلى الله عليه وسلم، تجده حياً واضحاً في تلك السورة.
تجد تطرقها لموضوعات إيمانية، تجد ملامسة لأحوال المنافقين والتغريب الذي يُروج له حالياً، تجد أموراً كثيرة جعلتني أجتهد في اختصارها مع كثرة ما تحمله السورة من معانٍ لا يمكن حدها ببرنامج واحد، ولو استمر لمدة شهر كامل.

 

 

 

في العام الماضي، كانت سورة النور، وهي أيضاً تعالج قضايا كبيرة كالحجاب، وأحوال المنافقين؛ فحركة النفاق موجودة في أغلب القرآن، واليوم هي تمثل الحرب الداخلية، وكذلك تتناول سورة الأحزاب الحرب الخارجية أيضاً؛ فالله سبحانه وتعالى ذكر فيها الأحزاب، والأحزاب اليوم قد غزوا الأمة، وما حدث من انكسار في النفوس بسبب هؤلاء الأحزاب ننقل لهم صورة واضحة، كيف أن القرآن فعلاً أعطانا صورة كأنها اليوم {إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ...} الآيات حتى لا أطيل في هذا الأمر ومع ذلك كيف كانت النتائج {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ}.

 

 

ولعل هذا يحيلنا إلى قضية التفاؤل، التي هي منهج عندي، نحتاج إليه دائماً، وتتناوله السورة أيضاً.

 

 

كل هذا جعل السورة عجيبة، ومليئة بكل ما تعني. ومرة أخرى - وهذا من سر القرآن - كأنها نزلت تعالج أحداث اليوم تماماً. أسأل الله أن أكون وُفقت في طرحها.

 

 

وبالمناسبة أنا أريد أن أوضح نقطة مهمة فيما يتعلق بالبرنامج، وهي أننا نشرع في التحضير للبرنامج فور انتهاء شهر رمضان، ونستغرق شهوراً بالجلوس مع الباحثين ومع غيرهم، ثم أبدأ بإعداده ومراجعته.

 

 

 

وأنت حينما تريد أن تقدم شيئاً للناس لابد أن تبذل فيه جهداً وتتعب من أجله؛ فإذا كان أهل الشر، أصحاب المسلسلات السيئة تلك يجلسون شهوراً، طول السنة يعدون موادهم، أفيليق بأهل الخير ألا يهتموا في إعداد برامجهم؟! ومع كل أسف هناك من لا يهتم بإعداد ما يقدمه للناس ويتكلم بعفو الخاطر، والناس يدركون اليوم ويميزون بين العمل المبذول له الجهد وغيره.