أنت هنا

غزة.. دور العلماء بين الواقع والمأمول
21 صفر 1430
الشيخ أ.د. ناصر بن سليمان العمر

 

* ورقة عمل ألقاها الشيخ في مؤتمر ( غزة النصر ) في اسطنبول يوم 13 فبراير 2009

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، فقبل الحديث عن دور العلماء لابد من التذكير بأن الأزمات التي تمر بالأمة معارك أمة وليست معركة فصيل أو حزب أو طائفة، وإن كان من المفهوم الواقعي أن يتصدر المعركة في كل وقت من الأوقات جماعات مجاهدة تكون بمثابة طليعة الجيش و رأس الحربة في الصراع.

 

ولعل فلسطين أوضح ميدان تخوض فيه الأمة معركتها مع عدوها الصهيوني والصليبي، ومن البدهي أن تكون قضية الأمة الأولى ومحل اهتمامها الأول، وإن كان يتوجب على العلماء ألا يقتصر دعمهم للمقاومة عليها، غير أنه ينبغي أن يكون لهم في دعم جهاد تحرير الأرض المقدسة أثر ظاهر. فالناس دوما يتطلعون لما يصدر عن العلماء من مواقف وتحركات، وثقة الأمة بالعلماء وصدروهم عنهم أقوى مما يظنه بعضهم، وحديث عبدالله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لاينزع العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) [متفق عليه] واضح في هذا الباب.

 

وبعض العلماء لا يزالون غير مدركين لقوة تأثيرهم في الأمة فيطرحون مشاريع متواضعة لا تتفق مع حجم التحديات، أو هي دون ما هو متاح لهم، أو أن تكون جهودهم مجرد جهود لإبراء للذمة دون أن يؤملوا في نتائج عملية ملموسة مؤثرة في تغير الواقع وتحقيق الغايات الكبرى. وإن كان العلماء المهتدون بهدي الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ينطلقون في أحكامهم وأفعالهم من منطلقات شرعية خالصة ويجتهدون في ذلك قدر مستطاعهم، ولا يهم بعد ذلك إن كان منتهى قولهم يتفق مع طرف دون آخر، أو يعارض  هذا الموقف أو ذاك، سواء على المستوى السياسي أو الشعبي، فالعالم يصدع بالحق الذي يدين الله به ويؤدي اجتهاده إليه دون تأثير من أي قوى كانت سياسية أو جماهيرية؛ لأن العالم المعتبر هو عالم الملة لا عالم الأنظمة أو الجماهير.

 

وإذا تبين هذا علمت أن دور العلماء ليس بالضرورة أن يكون ذلك الدور الذي تريده الجماهير، كما أنه ليس بالضرورة أن يكون هو الدور الذي تريده السلاطين، بل قد يكون وقد لا يكون، وفقاً لحكمهم الصادر عما ورثوه من علم النبوة واجتهادهم فيه.
ولعل مما يبين ذلك ضرب مثال واقعي بأحداث غزة ودور أهل العلم في نصرة أهلها، فالمنصف يعلم أنه قد برز صوت العلماء عالياً مستقلاً وكان لهم سبق القيادة في الأزمة حين تخلفت أكثر الأنظمة السياسية وفشلت فشلا ذريعاً بشهادة الواقع مما أفقد كثيرين لمصداقيتهم أمام شعوبهم بل أمام الأمة.

 

ومن أبرز ما قام به العلماء ما يلي:
o    صدرت عنهم بيانات كثيرة متنوعة أكمل بعضها بعضاً، وكان الاختلاف بينها من اختلاف التنوع المشروع، لا اختلاف التضاد الممنوع –في الغالب-، وإن كنت أعتقد بأن تلك البيانات كانت ستؤدي رسالتها أكثر لو توافرت لها تغطية إعلامية منسقة وقوية.
o    ظهر تحرك جديد من قبل بعض العلماء حين زاروا عدداً من الحكام، وأسمعوهم وجهة نظرهم في القضية، وما تنتظره الأمة منهم، وهو نوع من البلاغ، وإقامة الحجة، ينبغي أن يدعم ويرشد، ويستمر امتثالا لقوله تعالى: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) [النساء: 83]، وأولو الأمر هم العلماء والأمراء، والذين يستنبطونه هم العلماء منهم.
o    كان صوت العلماء عاليا في رفد المقاومة، ودعوة الشعوب الإسلامية إلى الوقوف معها، وإذكاء روح الأخوة والنصرة وفق ضوابط شرعية وواقعية تستدعي الحكمة والتعامل مع الأطراف جميعها دون شطط.
o    تقارب العلماء في مواقفهم، واجتماعهم في ظل الأزمة تحت راية واحدة تستجمع الصفوف لمقاومة العدوان وترفعهم عن كثير من النظرات الحزبية الضيقة.

وإجمالاً فقد مثّل تعاطي العلماء مع حالة غزة نموذجا لما يجب أن يقوم به العلماء وفقاً للإمكانات المتاحة لهم، من دور قيادي واسع يمتد إلى ما وراء الوقوف عند حد الفتيا النظرية، وهذا يمكن أن يتعدى أزمة غزة إلى أزمات الأمة الأخرى.

 

ومع ذلك فإننا نأمل من أهل العلم في المستقبل ما هو أكثر، ومما نأمله:
o    تنسيقاً أعلى بين العلماء في ما يمر بالأمة من أحداث، وتفعيل آليات الحوار والنقاش، فهناك برامج كثيرة مشتركة وما كان محل خلاف فميدانه المؤتمرات واللقاءات، وعلى الجميع بيان الحق بالطريقة الشرعية والحق مبتغى الكل.
o    المحافظة على منهج واضح ونقي يمثل منهج الوسطية الحقة، رغم قوة التجاذب بين طرف يحاول تبني المعركة واختطاف رايتها وإقحام الناس في صدام جانبي لأجلها، وبين طرف متساهل لم يستثمر الأحداث بل استسلم لضغط الواقع والساسة رغم وضوح القضية والراية.
o    مزيداً من الاستقلال، والاستقلال الذي ندعو إليه هو استقلال عن كافة الأهواء البشرية شعبية أم رسمية، والتجرد لرب البرية سبحانه وتعالى، والقيام له بالقسط ولو على حساب النفس وحظوظها أو الوالدين أو الأقربين، وهذا لا يتعارض مع المشاركة في المؤسسات الرسمية ومؤسسات المجتمع الشعبية، بل قد يكون واجباً عينياً على بعض العلماء، حتى لا تخلو الدول من العلماء الربانيين والدعاة المهتدين والرجال الصالحين الذين يمثلون منهج الحق والاعتدال والوسطية ويمثلون الاستقرار في الاستقامة والبعد عن الغموض والاضطراب في المجتمعات والدول.
o    ومن الأمور المهمة في هذا السياق أن يحذر العلماء من أن يقوموا هم بتغييب دورهم بأنفسهم. وقد يقع ذلك من حيث يظن العالم أن هذا هو مقتضى الثبات وعدم التأثر بالواقع، بينما هو في حقيقته نوعٌ من الانغلاق والانكفاء على الذات، وهو مذمومٌ بلا شك، فليس المراد بالثبات أن يقعد العالم في بيته معتزلاً عن قضايا الأمة وهمومها، وإنما المراد هو الاضطلاع بدور الريادة والقيادة مع التمسك بأمر الله قدر المستطاع، فإن قدر وإلا عُذر، فإن الثبات على المبدأ هو التحرك به والدفاع عنه واستثمار الفرص لا الانعزال والانطواء.
o    إن المعركة المقبلة على إخواننا في أرض فلسطين هي معركة المفاوضات والحلول السياسية، وهذه قد تكون أشد وأقسى من معركة السلاح، ولذا فالأمر يستدعي من العلماء تحركا أقوى، وتنسيقا أعلى، وبصيرة وحكمة وصبرا ومصابرة، كما تستدعي مساندة أقوى من الإعلام لذلك التحرك.
o    العمل في جو إعلامي حر يعلي صوت العلماء، ويضعهم في مواقعهم الصحيحة المرتجاة منهم، يوصل رسالتهم للأمة بل للعالم أجمع ، ولذلك لابد من المبادرة لانشاء المؤسسات التي تحقق ذلك ودعم الموجود منها.
o    يُنتظر من العلماء  الانفتاح والتجديد في وسائل دعم المقاومة وعدم الاقتصار على وسائل تقليدية محدودة الأثر  كانت تناسب أزمنة مضت لان الوسائل من مسائل الاجتهاد ويؤثر فيها عامل الزمان والمكان.
o    ينبغي أن يكون للعلماء حضواً أقوى لدى مختلف شرائح الأمة، وأن يكون لهم  التفاعل الميداني، والمشاركة الواقعية، التي تقربهم من الجميع وإن اختلفت المستويات القيادية والثقافية، فلم لا تكون لهم أثناء الأزمات زيارات ميدانية، مشاركات إغاثية ...إلخ.
o    وينبغي كذلك أن يكون ثمة تعاوناً أوثق بين العلماء والقوى الفكرية والثقافية بحيث تتم الإفادة مما لدى النخب من رؤى وتحليلات سياسية وفكرية غير مخالفة لقواعد الشرع مستهدية بهدى الكتاب والسنة الذي يقرره العلماء في خطابهم: (فإن تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) [النساء: 59].
o    ومما ينبغي أن يراعى كذلك النظر في أهداف بعض المشاريع المقترحة المنشودة ومحلها من حيز الإمكان بواقعية، فإن بعض المشاريع غير ممكنة ومع ذلك يوجد من يروج لها، ولذا فلابد من النظر في مدى واقعية الأهداف في نفسها، وكذلك في الأدوات والوسائل التي يراد أن يتوصل بها إليها، وتشمل هذه المجتمعين أنفسهم، فقد لا أكون مناسباً للقيام بعمل ما يحسنه غيري، وكذلك العكس، بل قد يكون الاجتماع على بعض المشاريع مع بعض الناس من قبيل العبث وتضيع الجهود والأوقات، بل قد يفضي إلى نقيض الهدف المنشود، فإن طلب المقصود من غير طريقه يُبَعِّد من طريق المقصود وتحديد الهدف بوضوح يؤدي الى معرفة نهاية الطريق.

 

فكل هذا يرجى ويؤمل من أهل العلم مراعاته، وتذليل سبله، وهو من جملة حق الأمة على علمائها. وكما أن من حق المقاومة على العلماء النصرة والتأييد وتجييش الأمة فإن من حق العلماء على المقاومة أن يستمعوا لها وأن يصدروا عن رأيها وأن يقدموا لرؤيتها الشرعية الاحترام اللائق، فإن لمن أيد المقاومة حقوقا ينبغي أن تؤدى، ولاسيما إن كانت تتعلق بمسائل شرعية لا تخضع لتفسيرات سياسية معنية يلفها الغموض وينقصها الوضوح والثبات والاطراد.

 

ومما يحسن التنبيه إليه قبل الختام أنه في بعض الأحوال نظراً لملابسات واقع ما، ليس بالضرورة أن يكون دور العلماء أكثر من التوجيه والإرشاد والتقويم وفقاً لأحكام الشريعة وقواعدها مع السعي إلى جمع الكلمة مهما أمكن من أجل تكامل الجهود. بيد أنه لابد لجمهور الأمة من مباشرة العمل وإلاّ سيكون ثمَّة نوع قصور في التصور ناهيك عن الإصلاح بناء على الأسس والمنطلقات التي حددها العلماء.
وأخيرا فأسأل الله أن يبارك في الجهود ويسدد الأقوال والأعمال وصلى الله على نبينا محمد و آله وصحبه وسلم.