فن الاحتفاظ بالصديق
25 ذو الحجه 1435
د. خالد رُوشه

لست ارى حاجة للحديث عن أهمية الصديق  , فقد كتب فيه الكاتبون  , وأفاض فيه العالمون  , وأبدع فيه الأدباء وبين اثره الحكماء .

 

 

لكنني أتحدث عن داء يصيب كثيرا منا مع صديقه , بسبب دنيا زائلة أو ظن سوء قبيح , أو مصارعة على كسب زائل , فتهون الصداقة التي دامت سنين طويلة , وتنسى العشرة التي منحتهما أجمل لحظات , وأروع امتيازات , فيسمح للشيطان بينهما بالدخول , ويفتح لهوى النفس بابا للحؤول , وإذا بالسعادة في صحبتهما تنقلب شقاء , وإذا بالشوق للقائهما يستحيل نفورا , وإذا بالمحبة بينهما تنقلب كرها وربما صارت عداء !

 

 

إن للصداقة فنا يمتاز عن أي فن آخر , بل إن  الاحتفاظ بالصديق فن هو الآخر , وأحسب أن قلة قليلة تنبهت لتلك اللفتة , واقل منهم من تحدثوا عنها ونصحوا فيها ..

 

 

فمن لفتات فن الاحتفاظ بالصديق اصل اختياره , فإن كان اختيار الصديق قد جاء عشوائيا , أو بغير ادراك لذلك الاختيار , كأن تكون قد عرفته عبرلقاء جامع أو مناسبة ما أو غيرها , فإن أصل تلك المعرفة معرضة للانقطاع غالبا , إذ لابد من العمد الى اختيار الصديق والبحث عنه – كأنك تقرا سيرة ذاتية عنه – لتتخذه صديقا لك , فتعرف قيمته , وتعرف سبب صداقتك له , ومن ثم يكون استمساكك به أكثر وحرصك على بقاء صداقته أدوم ( لاشك ان بعض الاصدقاء الأوفياء قد كانت معرفتهم بغير ترتيب لكنها ليست القاعدة )

 

 

ومن لمحات ذلك الفن أيضا أن تعرف عيوب صاحبك , كما تعرف ميزاته , فإنك إن فعلت ذلك لم تفجع فيه , ولم تستغرب من سلوكه في بعض المواقف السلبية , ولم تغضب من ردود فعله في المواطن المختلفة , لأن عيوبه لك معروفة وسلوكه عندك متوقعا .

 

 

ولابد لدوام الصداقة من احترام خصوصياته , وعدم البحث عما يخفيه عنك , فلعله يخفي عنك ما لايجب عليك معرفته .

 

 

ومنه احترامه وتوقيره وتقديره , وإعطاؤه حقه من التفضيل والتقديم والاهتمام , وليست الصداقة اهمالا وسقوط كامل الكلفة , نعم تقليل الكلفة بينهما , لكن لا اسقاطها , بل يقدمه على غيره , ويزيد احترامه أمام الناس , سواء في وجوده أو غيبته .

 

 

ومن غريب أفعال الاصدقاء والتي تتسبب في النفرة بينهم أن يريد أحدهم صديقه له وحده , فيغضب لكثرة صداقات صاحبه , وينزعج من وجود مقربين له , فيعمل جاهدا على تشويههم او الانتقاص منهم أو ذكر مساوئهم و وهو هنا كالمرأة الغيور لا ترى في ضرتها ميزة !

 

 

وان أراد استمرار صداقته لصاحبه فليقلل من علاقات الأموال والشراكات معه , فإن الشركاء غالبا يختلفون ويتغاضبون , كما أن الأموال بين الناس مبدأ فتنة وباب طمع وجشع , وثغرة للشيطان ليدخل منها , بالطبع لايدخل في ذلك باب العطاء والمروءة  , فهو باب آخر , فمعونته بالمال شىء حسن , ودعمه في عمله جيد مطلوب , لكنني قصدت ذات الشراكة ومعاملة المال , فكم رايت فراقا بين صديقين بسبب قرض و مثاله !

 

 

ومن فروع ذلك الفن توزيع الرؤية , وتقليل الزيارة واللقاء على الايام  , بحيث تكون غبا متباعدا لا دوما متقاربا , فطول الصحبة وتكرارها يسبب الملال ويظهر من المثالب ما قد يخفى , فاقنع من صديقك برؤية وجلسة متباعدة وتفكر في نصيحة النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم " زر غبا تزدد حبا "  ( أخرجه ابن حبان  وصححه الألباني في الترغيب )

 

 

ومما يديم الصحبة اهتمامك بحال صديقك وتفقدك لشئونه , وسؤاله عما يسوؤه , والاهتمام بذلك , ومع كل أسف سمعنا كثيرا من مدعي الأخوة والصداقة لا يهمهم صديقهم إلا عبر رؤية في  درس او لقاء أو عبر مزحة أو مواقف عابرة , فإذا احتاجهم في نازلة هربوا من حوله , وإذا أصابته مصيبة لم يزيدوا على كلمات العزاء , وصدق علي بن ابي طالب رضي الله عنه ( فما أكثر الإخوان حين تعدهم ...ولكنهم في النائبات قليل ) !

 

 

إنه لفن عميق المعاني والوسائل , لا يتقنه إلا الأوفياء أصحاب المروءات , المعطاؤون , الباذلون , الصادقون في مشاعرهم ومواقفهم , المتخذون الصداقة طريقا إلى رضا الرحمن الرحيم .. وللحديث بقية ان شاء الله

 

 

 

 

إبراهيم الأزرق
سلوى المغربي
د. محمد بن إبراهيم الحمد
سليمان بن جاسر الجاسر
سليمان بن جاسر الجاسر